بمولده في عام 1939، لم يشهد نجوجي وا ثيونجو، الروائي الكيني الشهير، نضال أبناء شعبه ضدّ الاستعمار البريطاني فحسب، بل والحرب التي خاضها الكينيون ضدّ التبشيريين البروتستانتيين البريطانيين الساعين إلى إنهاء عادة ختان الإناث. خسرت البروتستانتية بعضاً من حظوتها، وصارت قلوب الناس تهفو إلى الكنيسة الكاثوليكية –كما ذكر وا ثيونجو في كتابه المعنون "أحلامٌ في حقبة حرب: سيرة الطفولة"-، لأنّها تصالحت مع العادة، ولم تتخذ "موقفاً متشدّداً" منها.
ويبدو أنّ ذلك الصراع انطبع في ذهن وا ثينجو حتى كتب روايته "النهر الذي بيننا" في ستينات القرن الماضي، فلم يقدّم ختان الإناث كمجرد عادة متوارثة، أو طقس وثني، بل وألمح إلى كونه فعلاً معادياً للاستعمار البريطاني، وكل ما جاء به ذلك الكيان الغريب من قيم وتعاليم ومعتقدات. فشخصية نيامبورا تقول متحسرةً: "أنا آمنت بدين الرجل الأبيض، ولكني أعلم كم هو جميل، آه كم هو جميل، أن تمرّ الفتاة بطقس البلوغ (الختان) .. كيف إذاً تصبح الفتاة امرأة؟".
مضت العقود منذ طفولة وا ثينجو، وبفضل الجهود الحثيثة للمنظمات غير الربحية والمؤسسات التعليمية والمؤسسات الدينية والنشطاء والنسويات، بالإضافة إلى التجريم الرسمي للعادة في 2001، أصبحت كينيا اليوم إحدى أكثر الدول الإفريقية انحساراً في ممارسة ختان الإناث، فهوت معدلاته من 38% من النساء في سن الإنجاب في 2003 إلى 15% منهن فحسب في 2022.
إنّها أرقام باعثة على الأمل لكل الدول الأخرى، لا سيما الدول العربية، التي لا يزال يشيع فيها ختان الإناث، أليس كذلك؟
ولكن الصدمة تتمثل في إعادة إحياء هذه العادة الشريرة خلال السنوات القليلة الماضية على أيدي النساء اللواتي أوقف جيل آبائهن وأمهاتهن ختان الإناث في ثمانينات القرن الماضي، فنجون منه في صغرهن.
تضع هؤلاء النساء، واللاتي تخطّين الآن حاجز الـ30، أنفسهن تحت المشرط مثل الطفلات والمراهقات من باب "الرجوع إلى التراث"، ذلك التراث الذي حنّت إليه بطلة رواية وا ثينجو، وتحدّثت عنه بإعجاب. إنّهن يتبعن حراكاً ثقافياً متطرّفاً ينادي بـ"إعادة الدين إلى الجدات"، أي اللاتي سبقنهن بالتعرّض لختان الإناث، ويرغبن في تصحيح "الهفوة" التي طرأت بين جيليهما.
هل تخيّلتم "دشا أبرد" على أوهام الحالمين بالتغيير؟
لختان الإناث جذور متوغلة، وتاريخ بقدم الزمن، فهو هنا طقس للبلوغ استقبلته كل النساء، وهو هناك سنّة نبوية محمودة، وفي مكان آخر هو إرث فرعوني ثمين. إنّه جزء من ذاكرات الشعوب، إنّ صح التعبير.
وفي كل مكان، لا يجب أن يركن محاربو ختان الإناث إلى تعقّل الشعوب وارتفاع وعيها، بل عليهم أن يستعدوا لأشنع "الهجمات المرتدة" التي ستُشنّ ضدّهم، وهي ميلنا جميعاً إلى رمسنة التراث القبيح، والعض بالنواجذ على العادات والتقاليد الضارة، متى ما استبد بنا الخوف من أن تختطفنا الحداثة، وتمحو العولمة هويتنا.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض