17-03-2024 | 05:00

"التلغراف"... أيقونة المحافظين أم ضحيتهم؟

تهزّ الأزمات حزب المحافظين البريطاني، إذ تدور حرب أهلية بين أجنحته في العلن وتتشوّه صورته جرّاء الكشف عن تصريحات عنصرية لبعض شخصياته ضدّ المسلمين والسود.
"التلغراف"... أيقونة المحافظين أم ضحيتهم؟
Smaller Bigger
تهزّ الأزمات حزب المحافظين البريطاني، إذ تدور حرب أهلية بين أجنحته في العلن وتتشوّه صورته جرّاء الكشف عن تصريحات عنصرية لبعض شخصياته ضدّ المسلمين والسود. وفي هذه الأثناء، يتأجج الصراع على أهم منابره الصحافية: صحيفة "التلغراف" ومجلة "سبكتايتور".
 
بول مارشال، المموّل الإنكليزي، الذي أغدق بسخاء من ملايينه على الحزب الحاكم، لا سيما جناحه "البريكستي" المتشدّد، يسعى للهيمنة على "لسان" المحافظين. ويأتي إلى الميدان مدججاً بتأييد "موظفيه" في تلفزيون "جي بي"، من سياسيين بارزين يعربون عن قلقهم من أن تنتهي أيقونة بريطانية في أيدي غرباء.
 
هكذا حوّل المتزمتون الاستحواذ على الصحيفة إلى قضية قومية تتعلق بكرامة بريطانيا. وتفيد تقارير أنّ الحكومة تتجّه لفرض حظر على بيع الصحف والمجلات المحلية لحكومات أجنبية، وكأنّ عواصم العالم تصطف بانتظار فرصة لشراء مطبوعات فقدت بريقها وساءت سمعتها، بعدما دانت المحاكم بعضها بتلفيق أخبار والحصول على أخرى بطرق غير مشروعة. وأثرى بعض أصحاب الصحف من ترويج المنشورات الإباحية. كما أنّ، كونراد بلاك، الذي استحوذ على "التلغراف"، بين 1986 و 2004، كندي نال الجنسية البريطانية في 1999، وسُجن لاحقاً بتهمة الاحتيال. فهل يعني ذلك أنّه يحق للأجنبي أبيض البشرة، مهما كان سلوكه، أن يتملّك صحفاً انكليزية، أما الأسمر أو الملون الآتي من مناطق بعيدة، فلا؟.
 
في غضون ذلك، تسلّط منظمة "الأمل لا الكراهية"، التي تحارب العنصرية منذ 20 عاماً، الضوء على "النشاطات" التي قام بها مارشال على وسائط التواصل الاجتماعي، لتجادل بأنّه غير جدير بتملّك "التلغراف". وتقول إنّ مساهماته تلك، "تشير إلى أنّه يحمل وجهة نظر مقلقة للغاية حيال بريطانيا الحديثة". والدليل في رأيها هو استعماله "لايكات" مع تغريدات تزعم أنّ "حرباً أهلية" في الغرب صارت قريبة بسبب "غزو" المهاجرين "المزيفين" المسلمين الذين يهدفون إلى إقامة دولتهم في بريطانيا وأوروبا بعد تجريد أهلها من السلطة. وتذكر أنّه أعاد نشر "محتوى متطرّف نُشر في حسابات يمينيين متطرّفين ومروجي نظريات مؤامرة".
 
ومارشال لم يكتب أياً من هذه التغريدات المسيئة، وإنما اقتصرت "نشاطاته" على تأييد السموم التي حفلت بها وإعادة بثها، فهل يجعل ذلك دوره أقل إيذاءً؟. ومن جانبه، يؤكّد بيان صادر عن مكتبه أنّ التغريدات التي أبزرها تقرير "الأمل لا الكراهية" كانت "عينات صغيرة ولا تمثل منشوراته... ولا تعبّر عن آرائه". إلاّ أنّ المنظمة أوضحت أنّ ما فعله لم يكن إجراءً عابراً، بل كان نمطاً سلوكياً تكرّر مراراً ويجسّد قناعات المليونير النافذ.
 
وكانت صفقة بيع "التلغراف" قد استقطبت سلفاً اهتمام الأوساط الإعلامية والسياسية. البعض أيّد مارشال بشكل غير مباشر عبر الرفض الجازم لبيع المؤسسة الصحافية لمنافسين خارجيين. وسارع رموز اليمين "البريكستي"، مثل تشارلز مور الذي ترأس تحرير الصحيفة في الماضي، وإيان دانكان سميث، زعيم حزب المحافظين الأسبق، لشجب مشروع بيع "مؤسسات بريطانية عظيمة" للأجانب.
 
ويُقال إنّ نحو 70 نائباً محافظاً ناشدوا الحكومة عدم السماح ببيع "جوهرة التاج" لهؤلاء. وساندهم وزراء. بينما بادر وزراء سابقون ونواب "بريكستيون" يظهرون على شاشة "جي بي نيوز" التي يملك حصة كبيرة من أسهمها، إلى العزف على الوتر القومي ذاته. والمعارضون كثيرون، وأحدهم آلان راسبريدجر، وهو رئيس تحرير "الغارديان" الأسبق الذي نشر مقالا بعنوان: "لايكات بول مارشال المفعمة بالكراهية تجعله غير جدير بأن يصبح قطباً إعلامياً".
 
هل يحاول رجل الأعمال الثري فعلاً أن يصبح قطباً شبيهاً بالأسترالي – الأميركي روبرت موردوخ؟ ثمة دلائل تشير إلى أنّه يعمل منذ 2017 على الأقل للوصول إلى مستوى هذا الملياردير الذي يُقال إنّه ينافسه على حيازة "التلغراف" أيضاً.
 
ففي ذلك العام أخذ يفرد شطراً من وقته للإعلام، بعيداً من شركة صناديق التحوط". مارشال وايس" (تدير أصولاً قيمتها نحو 62 مليار دولار)، التي يملكها مع شريك آخر. وأسّس حينذاك موقع "أنهيرد" الإلكتروني المتخصّص بالتعليقات السياسية التي تمّ الترويج لها بأنّها "غير تقليدية"، منفتحة على الأفكار من شتى الخلفيات. إلاّ أنّ من الصعب إخفاء الصبغة المتطرّفة التي تغلب على نتاج بعض كتّابها. وسواءً اتفقت مع الأفكار المطروحة فيه أم لا، فالموقع حقق نجاحاً لا بأس به وفرض نفسه في الساحة البريطانية.
 
لكن محطة "جي بي نيوز"، لم ترقَ إلى مستوى التوقعات لناحية الأداء الاقتصادي أو الإعلامي خلال حياتها القصيرة. سجّلت خسائر كبيرة، ويأخذ عليها منتقدوها الكثيرون تحيّزها الواضح لليمين. ومقدمو برامجها مجموعة منتخبة من رموز الشعبوية والاسلاموفوبيا المتطرّفة، علاوة على كبار المحافظين "البريكستيين" الذين يتقدّمهم بوريس جونسون.
 
ولعلّه يريد السيطرة على المزيد من وسائل الإعلام لكونه يرغب في توجيه الرأي العام في الوجهة التي تساعده في إعادة صياغة الخطاب السياسي في البلاد. فهو صاحب مشروع كبير استهلك سنوات منه والكثير من ملايينه. وقد توحي مشاركاته عبر الوسائط الاجتماعية بالعناوين العريضة لهذا المشروع المفترض التي تتلخّص في تخويف الناس من حرب أهلية وشيكة مزعومة، وتشجيع الفرقة، واستهداف المسلمين بكراهية وقسوة، والتجنّي على المثليين، وإثارة الضجيج المفتعل ضدّ المهاجرين والمطالبة بطردهم من أوروبا.
 
إنّ ترويج شخص بمستوى مارشال هذه الأفكار التي تشيطن المسلمين والمهاجرين والمثليين، يدعو المرء إلى توقع الأسوأ مستقبلاً. وتأييد نظريات المؤامرة، التي يبدو أنّها تروق له، كان يقتصر على التنظيمات العنصرية، ولم يكن مقبولاً على الإطلاق في حزب المحافظين.
 
أما الآن، فالوضع مختلف. مثلاً، تجاهل وزير المجتمعات، مايكل غوف، تهمة العنصرية الموجّهة إلى مارشال، معرباً عن استيائه من هذا الهجوم على شخص كريم وفاعل خير. والمفارقة أنّ المسؤول الكبير كان يردّ على سؤال بُعيد إعلانه مساء الخميس الماضي تعريفاً جديداً فضفاضاً للتطرّف، ستكون لنا وقفة قريبة معه. والحق أنّ لهذا المليونير مؤسسة خيرية معنية بتعليم الأطفال، لكن طبيعة "لايكاته" المتطرّفة واضحة أيضاً!.
 
وإذا وضع يده على "التلغراف"، يُخشى أن تصبح صحيفة المحافظين التقليدية أداةً لتسريع جنوح الحزب، ومعه خطاب اليمين البريطاني، إلى مزيد من الشعبوية ومعاداة المسلمين والعنصرية الصريحة. في هذه الحالة، سيكون الحياد آخر هموم "التلغراف"، التي ستموت في شكلها الرصين. وسيترحّم المعتدلون على أيام زعيم المحافظين تيد هيث الذي سارع إلى إقالة الوزير السابق إينوك باول في 1968 من حكومة الظل بعد خطبته ذات الصبغة العنصرية التي حذّر فيها من "أنهار الدم" بسبب سياسة الهجرة. فثمة رؤساء حكومات ووزراء محافظون، يقولون حالياً أكثر من ذلك بكثير، ولا حسيب ولا رقيب!.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية