10-03-2024 | 05:20

ما بعد السياسة في تونس

عُدت قبل أيامٍ من إجازة قصيرة في تونس. للمرّةٍ الأولى منذ ثورة عام 2011، أرى هذا الإعراض عن السياسة. لا أحد يريد الحديث عن السياسة.
ما بعد السياسة في تونس
Smaller Bigger

عُدت قبل أيامٍ من إجازة قصيرة في تونس. للمرّةٍ الأولى منذ ثورة عام 2011، أرى هذا الإعراض عن السياسة. لا أحد يريد الحديث عن السياسة. حتى انّ أصدقائي المهتمين بها، يميلون إلى أحاديثٍ عامةٍ حول الثقافة والحرب في فلسطين، وفي أحسن الأحوال يكون الحديث عن الأزمة الاقتصادية في تفاصيلها الدقيقة من دون الإشارة إلى السياسات العامة. الأمر ليس خوفاً، وإن كان الخوف قد أصاب البعض، بعد موجات الاعتقالات التي نفّذتها السلطة خلال العام الفائت، لكنه إحباط عام من السياسة، يجد جذوره العميقة في الخيبات المتلاحقة التي عاشتها الطبقات الوسطى والشعبية خلال أكثر من عقد بعد الثورة.

 

هذا الانطباع الشخصي، تصدّقه الأرقام الأخيرة التي نشرها الباروميتر العربي حول تونس. حيث يشير التقرير إلى أنّ معدلات الاهتمام بالسياسة في تونس تشهد مستوى منخفضاً للغاية؛ إذ أنّ نحو الربع فقط (24 بالمئة) يقولون إنّهم مهتمون أو مهتمون للغاية بالسياسة. هذه النسبة تراجعت 7 نقاط مئوية منذ 2021، بعد أشهر قليلة من التغيّرات السياسية الكبيرة في شهر تموز (يوليو) ذلك العام. نتيجة لذلك، تراجع الاهتمام بالسياسة، ليصبح بنفس النسب الأدنى المسجّلة في 2019، وهو أقل بكثير من مستوى الاهتمام بالسياسة في 2013 (كان 46 بالمئة). وتُعدّ فئة الشباب تحديداً أقل اهتماماً بالعملية السياسية؛ حيث يعرب 13 بالمئة فقط ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً عن الاهتمام أو الاهتمام البالغ بالسياسة، مقارنة بـ29 بالمئة في صفوف البالغين من العمر 30 عاما فأكبر. أما المدهش إلى حدّ ما، أنّ الاهتمام بالسياسة لا يتباين بناءً على مستوى التعليم. فالحاصلون على شهادة جامعية ومن لم يدخلوا الجامعات سواءً في نسب الاهتمام بالسياسة. لكن الرجال أكثر اهتماماً من النساء بالسياسة (30 بالمئة مقابل 18 بالمئة). فيما كانت التصورات حول أغلب المؤسسات السياسية سلبية نسبياً. حيث يعرب أكثر من الثلث بقليل عن ثقتهم في الحكومة، في حين يثق أقل من الربع في البرلمان. لكن الثقة في الرئيس قيس سعيد تبقى قوية؛ حيث أبدى ثلاثة أرباع المواطنين الثقة في الرئيس. إلّا أنّ مستوى الثقة هذا يمثّل تراجعاً بواقع 6 نقاط مئوية منذ عام 2021.

  

تقوم سردية المعارضة على تحميل السلطة الحالية لما انتهت إليه الأوضاع من أزمة اقتصادية حادة وإعراض جماعي عن السياسة. لكن المسألة أكثر عمقاً من خطاب المعارضة، الذي لا يقلّ سطحية عن خطاب السلطة. بدايةً من الواضح أنّ البلاد تعيش وضعاً ما بعد ديموقراطي.

 

من خلال الدستور الجديد يمسك الرئيس سعيّد بكافة أوراق الحكم، وسياسات واضحة لتفكيك جميع الأجسام الوسيطة (أحزاب، نقابات، جمعيات...). لكن هذا الوضع هو نتيجة طبيعية وشبه حتمية لحقبة "ما بعد السياسة" – كما تسمّيها الفيلسوفة البلجيكية شانتال مووف -التي كرّستها سنوات التوافق بين حركة النهضة الإسلامية وحركة نداء تونس والتي انخرط خلالها وقبلها جزء من اليسار ضمن منطق الاستقطاب الثنائي، القائم على النزاع حول الهوية تاركاً برنامج النضال الاجتماعي.

 

كان لهذا الوضع "ما بعد السياسي" وجهان. الأول سياسي، وهو التحول الليبرالي الجديد للأحزاب الديموقراطية الاجتماعية وضمور الفوارق الإيديولوجية بين المكونات السياسية لفائدة الإقرار بالنموذج التنموي النيوليبرالي، أي تصفية الانقسام بين اليمين واليسار. حيث تمّ تقليص الديموقراطية إلى أبعادها الليبرالية (الانتخابات، وتقسيم السلطات، وما إلى ذلك) لصالح إلغاء البعد الصراعي بين الطبقات، والسيادة الشعبية.

 

أما الجانب الآخر، فهو اقتصادي ويتميز بهيمنة "الأوليغارشية" على الشأن السياسي كنتيجة مباشرة لهيمنة رأس المال المالي وخطط التقشف. ومن أبرز نماذجه التداخل بين السلطة ورأس المال من خلال رجال الأعمال. أدّى انمحاء الفوارق بين اليمين واليسار، إلى غياب أي بديل للطبقات المتضرّرة من هذا النموذج، وهذا الافتقار إلى البديل هو السبب وراء العديد من المشاكل التي نواجهها اليوم: فقدان صدقية المؤسسات الديموقراطية، وزيادة الامتناع عن التصويت، فضلاً عن النجاح المتزايد للشعبويين. ومن خلال ادعائهم بأنّهم سيعيدون للشعب السلطة التي صادرتها النخب، تمكنوا من ترسيخ وجودهم بشكل دائم. هذا المزيج الخاص بين الاقتصاد والسياسة يفسّر إلى حدّ ما أزمة الانتقال الديموقراطي في تونس وظهور "اللحظة الشعبوية"، التي ليست سوى حركات مقاومة لليبرالية الجديدة في وضع غير مهيمن، لكنها ذات نزوع يميني، يتجّه نحو الفاشية أحياناً.

 

قبل أن يصل الرئيس سعيد إلى السلطة كان الائتلاف الحزبي التوافقي، يرفع شعار أنّه لا يوجد بديل لسياسته الاقتصادية، وأنّ التحول النيوليبرالي، الذي يسمّى "إصلاحات عميقة'' في معجمهم، هو الطريق الحتمي. واليوم يرفع الرئيس الشعار نفسه، في عدم وجود بديل عن تفكيك النظام التمثيلي وإعادة بناء الدولة وفقاً لرؤية تنظيمية جديدة، مع عدم وجود سياسة اقتصادية واضحة. ومن خلال التأكيد على أنّه "لا يوجد بديل"، سوف يعرض الناس عن السياسة، ذلك أنّ انخراطهم في السياسة هو في حقيقة الأمر بحث عن البدائل وتالياً التغيير. لذلك فإنّ عودة التونسيين إلى السياسة، والتي تشكّل ضرورةً مجتمعية وجودية للبلد وأهله، ستكون رهينة وجود بدائل سياسية يختارون منها ما يناسبهم للمستقبل. وربما تكون محطة الانتخابات الرئاسية في الخريف المقبل، منطلقاً لهذه العودة بعد ركود طويل، في حال توجّهت السلطة نحو تنظيم هذا الاستحقاق ضمن شروط سياسية وإدارية تضمن الحدّ الأدنى من التعدد والنزاهة والحرية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة