سموم لغويّة في طعامنا
تعزيزا للنظرية القائلة بأن الأطفال سايكوباثيين، لم أستوعب شعور البالغين بالذنب تجاه الأطعمة اللذيذة. لماذا "الذنب"، بحدته وعذاباته وبشاعته؟ لماذا تلك المفردة التي تعلمت أنها تتلو الآثام والمحرمات؟ وتخيلت حينها صديقة العائلة وهي تقضي ليلها في الاستغفار لأنها "خانت" حميتها مع بعض الآيسكريم.
تضع صديقة العائلة المقرّبة ألواح شوكولاته مُختارة بعناية في عربتها التسوقية، وأنواعاً أشبه بالأخشاب من البسكويت، ورقائق فطور قررت بنظرتي الطفولية أنها تماثل طعام العصافير. أميل تارة بجذعي القصير فوق العربة – إذ كنت في الـ9 آنذاك - وأرتفع على رؤوس أصابعي تارة أخرى لأطل على الرفوف، لأجد عبارة "خالية من الذنب" المكتوبة باللغة الإنكليزية مطبوعة على معظم هذه المنتجات.
وتعزيزاً للنظرية القائلة بأن الأطفال سايكوباثيون، لم أستوعب شعور البالغين بالذنب تجاه الأطعمة اللذيذة. لماذا "الذنب"، بحدّته وعذاباته وبشاعته؟ لماذا تلك المفردة التي تعلمت أنها تتلو الآثام والمحرمات؟ وتخيلت حينها صديقة العائلة وهي تقضي ليلها في الاستغفار لأنها "خانت" حميتها مع بعض الآيس كريم.
تأتي عطلة نهاية الأسبوع، فأرى وجه صديقة العائلة متهللاً، ـ وأخيراً - تدعونا إلى الغداء في أحد المطاعم في ما تبشّرنا بأنه "يومها المفتوح"، والذي يسمح لها بكسر بعض قواعد حميتها الغذائية.
الأصل في الأكل إذاً – استنتجت في مخيلتي الصغيرة - هو القيد والاختناق والحرمان، مع فسحة موقتة تجعل لعابنا يسيل بشكل مذل فوق طبق الباستا.
بالطبع، كانت أقدام صديقة العائلة تزل أحياناً، فهي لم تكن سوى إنسانة. ننتهي من التهام البرغر في لحظة من التهور، وعلى نقيض الابتسامة الشاسعة والمستمتعة التي ترتسم على وجهي، أُصدم بوجومها. نمسح فمينا، وبينما أحمد الله على "الشبع"، تصف هي ذلك الإحساس بـ"السمنة والاشمئزاز".
لم أتصور أن تلك الطفلة المنطلقة اللامبالية قد تتأثر يوماً، وتشعر –بالمعنى الحرفي - بسميّة كل تلك العبارات التي اعتدنا استخدامها وتداولها للتحدث عن طعامنا وعاداتنا الغذائية، واعتدنا أيضاً أن تطبّعها الشركات المصنّعة للأطعمة والمطاعم ووسائل الإعلام التقليدية والكتب ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي.
جلست في سيارتي لتناول شطيرة "دونر" تركية بعد صيامي طيلة اليوم، وانشغالي عن الأكل، حينما تسرّب إليّ "الذنب" على حين غرة، مثل أحادي أوكسيد الكربون؛ متجرداً من اللون والرائحة، وحتى المبررات. تذكّرت عبارة تتكرر في الأفلام والمسلسلات الهوليوودية الكوميدية، فما إن تمسك البطلة بقطعة الحلوى، حتى تنبهها "الكومبارس" إلى أن السعرات الحرارية سوف تذهب مباشرةً إلى ردفيها.
وهذا "الدونر" سوف يذهب مباشرة إلى شراييني، قلت لنفسي. رحت أتصوّر انسدادها بالضرورة، وانحباس الدم فيها، وانفجارها – ولست أدري إن كان ذلك يحدث فعلاً - حتى وإن كنت أبذل جهداً لتناول الطعام الصحي. وقبل أن أدرك ما أقترفه، رحت أشعر بألم غامض في أطرافي وأصابعي، ونغزات في صدري تصل حتى ظهري وخاصرتي، وحرارة تستعر أحياناً، وتترك المجال للبرودة والتنمّل أحياناً أخرى.
أرجّح اليوم أني مررت بنوبة هلع من نوع ما، وكل تلك الأعراض نبعت من حالتي النفسية ليس إلا. ولكني آنذاك كنت قد اقتنعت كلياً، وبقوة كلماتي وحدها، بأن طعامي كان بصدد قتلي!
ألا يستحق الأطفال واليافعون إذاً أن نكف عن اللغة الضارة التي نحشو بها لقمهم؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض