06-03-2024 | 05:10

لا فكاك للبنان عن غزة

يبدو الانقسام اللبناني حول المشاركة في حرب غزة مضبوطا الى حد كبير حتى الآن ولا يتعدى الخطابات والنداءات، من دون أن يمتد الى الشارع، وكأن هناك اتفاقا ضمنيا على حصر الخلاف على المستوى السياسي طالما لم تتخط مشاركة الحزب والاعتداءات الاسرائيلية على لبنان حدود قواعد الاشتباك التي تتوسع أحيانا ثم تعود الى ضوابطها، وطالما أن الضربات الاسرائيلية تطال حتى الآن بيئة "حزب الله" ومواقعه العسكرية من دون ان تصل الى البيئات الاخرى والمؤسسات الحيوية للبلد.
لا فكاك للبنان عن غزة
Smaller Bigger
بات واضحاً الارتباط الوثيق للوضع اللبناني وأزماته القديمة والجديدة بحرب غزة. ما قيل ويقال وما يطلق من دعوات إلى فصل المسارات لا يعدو كونه تسجيل مواقف للتاريخ أو للاستخدام لاحقاً. الجميع يعرفون أن لا فصل للمسارات ولا حياد للبنان في ظل صراعات المنطقة وتجاذباتها وتوازنات القوى فيها.
 
لبنان المتعاطف كله مع فلسطينيي غزة منقسم سياسياً وشعبياً على مفهوم هذا التعاطف وكيفيته.
 
القوى المسيحية اللبنانية، وتحت غطاء روحي من البطريرك الماروني بشارة الراعي، تبدو متفقة اتفاقاً يكاد يصل إلى شبه الإجماع على رفض ربط لبنان بحرب غزة، وبالتالي الاعتراض على مشاركة "حزب الله" الجزئية بها، وهذه القوى، بمن فيها "التيار الوطني الحر" الحليف "السابق" لـ"حزب الله"، ترفع الصوت يوماً بعد يوم محذرة من الانزلاق إلى حرب ترى فيها دماراً للبنان إذا دخل في حرب "ليست حربنا". قوى طائفية أخرى في لبنان تلتزم الصمت حيال الموضوع أو توازن مواقفها بين بين، فلا هي تؤيد مشاركة "حزب الله" مشاركة كاملة وواضحة، ولا هي تؤيد الانغماس أكثر كالزعيم الدرزي وليد جنبلاط ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فيما يغيب "تيار المستقبل" عن الموضوع، وهو الأكثر تمثيلاً للطائفة السنية المؤيدة تاريخياً لقضية فلسطين ومنظمة التحرير، ولا يخفي سوادها الأعظم حالياً تضامنه مع غزة وفي مواجهة الحرب الإسرائيلية الوحشية عليها.
 
في الجهة المقابلة، يحظى "حزب الله" بتأييد الطرف الثاني في الثنائي الشيعي رئيس مجلس النواب نبيه بري وحركته الأقل تسلحاً "أمل"، ومرشح الثنائي للانتخابات الرئاسية سليمان فرنجية والأحزاب القومية وبعض اليسار والشخصيات السنية والدرزية والمسيحية المتفرقة.
 
يبدو الانقسام اللبناني حول المشاركة في حرب غزة مضبوطاً إلى حد كبير حتى الآن ولا يتعدى الخطابات والنداءات، من دون أن يمتد إلى الشارع، وكأن هناك اتفاقاً ضمنياً على حصر الخلاف على المستوى السياسي ما لم تتخطّ مشاركة الحزب والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان حدود قواعد الاشتباك التي تتوسع أحياناً ثم تعود إلى ضوابطها، وما دامت الضربات الإسرائيلية تطال حتى الآن بيئة "حزب الله" ومواقعه العسكرية من دون أن تصل إلى البيئات الأخرى والمؤسسات الحيوية للبلد. 
 
 
يعرف اللبنانيون جميعاً أن لا طاقة للبلد على تحمل حرب واسعة، لكنهم يعرفون أيضاً أن "المكتوب ما منو مهروب". لم يكن لبنان يوماً مستقلاً عن قضايا المنطقة، رغب في ذلك أو لم يرغب، إنه مربوط بها رباطاً لا فكاك منه. هكذا كان الوضع منذ الاستقلال عام 1943، وحتى من قبله. يبدو هذا قدره، فإذا فك رباط القومية حل رباط الدين. من عبد الناصر إلى الزمنين الفلسطيني والسوري إلى الزمن الإيراني. أوليس الصراع على الهوية صراعاً يتجدد مع كل تطور دراماتيكي في المنطقة؟ الصراع الآن مرتبط أيضاً بالهوية والانتماء. القتال إلى جانب غزة مرتبط ارتباطاً ما بالانتماء إلى فضاء أوسع، ومعارضة القتال مرتبطة في العمق أيضاً بالانتماء إلى هوية.
 
لا تصعب ملاحظة أن "حزب الله" يدير معركته بكثير من الانضباط والصبر، قد يقول قائل إنه خائف من ضربة قاضية له أولاً وللبلد ثانياً، لكنه استطاع حتى الآن تجنّب توسعتها من دون أن يقدم تنازلات أساسية، صحيح أنه فقد أكثر من مئتين من مقاتليه وكوادره العسكرية، عدا الخسائر الكبيرة في الممتلكات في القرى الجنوبية وأزمة النازحين وتوقف العمل والإنتاج، وهو ما عليه تحمّل تداعياته حالياً وفي مرحلة لاحقة، في غياب شبه كلي لإمكانات الدولة اللبنانية على التعويض، وللاعتراض السياسي المتوقع على تدفيع اللبنانيين ثمن حرب سيقولون إن دولتهم لم تتخذ قرار خوضها، لكنه تجنّب إلى حد كبير مواجهات سياسية حادة مع منتقديه وخصومه السياسيين خلافاً لما درج عليه من تصعيد وحدّة في خطابه السياسي عند كل تعارض معهم.
 
مع كل يوم تتصاعد التهديدات الإسرائيلية للحزب وللبنان، إما مباشرة بألسنة نتنياهو وأركان حربه، وإما في حقيبة المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين، أو عبر المبعوثين الفرنسيين والسفراء الغربيين، ويبقى الداخل اللبناني مهجوساً بما سيحمله الغد من تطورات. لكن الأكيد أن الحرب لم تلق كل مفاجآتها بعد، وأن فك لبنان عن غزة ليس أمراً ميسوراً. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية