بريطانيا.. تستلهم النّعامة لمواجهة "الإسلاموفوبيا"!
استعمل سوناك أسلوب التشويه والتحريض نفسه الذي لطالما لجأ إليه المتشددون في حزبه، إذ اعتبر أن من يخرجون لنصرة غزة مجرد "رعاع" إسلاموي يعبثون بديموقراطية بلاده. ولوح بمنع التظاهرات، فيما ذكرت تقارير أنه يدرس اقتراحات للنائب السابق جون وودكوك، توصي بمنع النواب من التعامل مع منظمات في طليعتها "حملة التضامن مع فلسطين".
"الإسلامويون" يسيطرون على لندن التي "أعطاها" العمدة صادق خان "لأصحابه" المتشددين، على حد تعبير النائب لي أندرسون الذي كان حتى أسابيع، نائباً لرئيس حزب المحافظين الحاكم. والرجل الذي اشتغل في المناجم سابقاً وناضل في صفوف حزب العمال، يقول ما يخطر له مهما كان صادماً. لا بل ربما يتعمد أن يصدم الآخرين لأنه يعمل في تلفزيون "جي بي" الذي يوفر منبراً مهماً لأمثاله من المتطرفين.
الغريب أن كل ما قاله هو عكس الحقيقة. ولعله يمثل رأس جبل الجليد في ظاهرة لها جذورها العميقة في الحزب الحاكم. فهناك أعضاء أرفع مستوى منه يرددون ادعاءات مشابهة ذات طابع عنصري منافية للحقيقة إلى درجة مضحكة.
والأغرب أن ريشي سوناك يسير على خطاه لناحية قلب الحقائق رأساً على عقب. ففي تعليق له على الاحتجاجات الدورية التي تنظم في لندن دفاعاً عن حق غزة بالحياة، رأى رئيس الوزراء أن "حكم الرعاع يحل محل الحكم الديموقراطي"! إذاً هو يرى أن المطالبين بوضع حد لعمليات الإبادة الحالية، "زعران" يهددون قراراته "الديموقراطية" الداعمة لإسرائيل. أما رفاقه الديماغوجيون الذين يشيعون الفوضى في الحزب وخارجه، فلا غبار عليهم! لذا ترك لهم الحبل على غاربه ليسيئوا للمحافظين وقيم بريطانيا وتاريخها.
فهو انتقد أندرسون بنعومة قبل أن يجمّد عضويته. لكنه لم يجرؤ على طرده نهائياً. ولم يقوَ حتى على التحفظ عن سويلا برافرمان وزيرة الداخلية السابقة الملقبة بـ"وزيرة الكراهية"، التي استأنفت هجماتها الظالمة على التظاهرات المدافعة عن الفلسطينيين بنبرتها العنصرية المعهودة. وزعمت أن "الإسلامويين يتنمرون على بريطانيا لإجبارها على الخضوع"، معتبرة أن تظاهرات المتعاطفين مع غزة لا تضم سوى أعداء السامية الذين يسيطرون على المملكة المتحدة!
وادعاءات برافرمان تشبه هذيان ليز تراس رئيسة الوزراء السابقة، من منبر اليمين الأميركي الترامبي، عن "حزب جهادي راديكالي" سيفوز في انتخابات فرعية وشيكة. وفي تلك المناسبة، لم يرف لها جفن حينما وصف ستيف بانون، اليميني المتطرف مستشار دونالد ترامب سابقاً، تومي روبنسون الذي يحترف معاداة المسلمين والتحريض عليهم، بأنه "بطل" لوقوفه المزعوم في وجه جهاديين مجهولين!
هكذا حاولوا تشويه سمعة المسيرات المؤيدة للحق الفلسطيني بفبركة اتهامات لها مناقضة للحقيقة، فزاد الإقبال عليها. وكانت في الغالب سلمية عموماً حتى حين تعرضت للاستفزاز. وهي تضم بانتظام الكثير من اليهود المعادين للصهيونية، ناهيك بمسيحيين وبريطانيين بيض البشرة، ليس بينهم من يريد تطبيق الشريعة الإسلامية بقوة السلاح!
وتحمس أنصار إسرائيل، بدعم من منظمات بريطانية تلعب دوراً مثيراً للجدل في الدفاع عن الصهيونية، للحديث باستفاضة عن شعور اليهود بالقلق من هذه الاحتجاجات وتعرضهم أحياناً للاعتداء على أيدي مساهمين فيها.
ومن جهته، استعمل سوناك أسلوب التشويه والتحريض نفسه الذي لطالما لجأ إليه المتشددون في حزبه، إذ اعتبر أن من يخرجون لنصرة غزة مجرد "رعاع" إسلاموي يعبثون بديموقراطية بلاده. ولوح بمنع التظاهرات، فيما ذكرت تقارير أنه يدرس اقتراحات للنائب السابق جون وودكوك، توصي بمنع النواب من التعامل مع منظمات في طليعتها "حملة التضامن مع فلسطين". ونزاهة هذه المقترحات هي موضع شك، لا سيما أنها صادرة عن سياسي معروف بصهيونيته ورئيس أسبق لجماعة الضغط القوية "أصدقاء إسرائيل في حزب العمال". والغريب هو اتخاذ الحكومة شخصاً له هذه الخلفية مستشاراً لها حول قضايا العنف السياسي!
المبالغات المضحكة التي عودتنا عليها تراس، أو التخويف المُفتعل الذي دأبت عليه برافرمان، ساهمت مع تصريحات أندرسون، في تعميق الهوة بين المسلمين وغيرهم في البلاد. وهي ليست سوى تعبيرات عن "معاداة المسلمين" أو ما اصطلح عليه بـ"إسلاموفوبيا". مع ذلك يرفض سوناك استعمال هذا المصطلح المتداول محلياً وعالمياً لتوصيف كراهية المسلمين، ما يضع إشارات استفهام كبيرة أمام موقفه.
قد يدل الإصرار على رفض المصطلح في الوقت الذي لا يكف المحافظون عن إدانة "معاداة السامية"، إلى ازدواجية المعايير. وطبيعي أن المسلمين البريطانيين باتوا يشعرون أنهم أقل قيمة من المثليين والمتحولين جنسياً واليهود الذين تهب الدولة للبطش بكل من تسوّل له نفسه استهداف أي من هذه الفئات.
ويؤشر ذلك الرفض إلى عجز الحزب عن التعاطي مع أحد أشكال الكراهية الذي يحظى بتأييد واسع بين أعضائه. وقد يفسر هذا تخبط سوناك في معالجة ظاهرة معاداة المسلمين الرائجة في حزبه، على افتراض أنه يخالفهم الرأي. فهو لا يريد أن يجازف بخسارة أصوات يظن أنها قد تبقيه في الحكم. لذا يفضل عدم تسمية المشكلة باسمها كي لا يعترف بوجودها، وكأن الشر يختفي حين لا نراه. وليتهمه من يشاء بأنه يتعامل مع كراهية المسلمين على طريقة النعامة!
إن علة "العنصرية" تسمم حزب المحافظين. فقد حولته إلى مجموعة من الفصائل المتشددة التي تمعن في تفتيته ليصبح مجموعة من الأصوات العديمة التأثير بعدما حكم البلاد نحو مئة عام واستقطب بعض كبار الليبراليين المستنيرين في بريطانيا. وبدأ تدهوره مع استفتاء البريكست في 2016 الذي أعطى شارة البدء لحروب ثقافية يستهدف أشرسها المسلم والمهاجر، فهما يمثلان الآخر الذي يزعم بعضهم أنه يهدد سلامة البلاد وأمن أهلها. وهناك في الحزب الحاكم من يعتقد أن التشديد على ما يفرّق المجتمعات المختلفة وترهيب الناس من جيرانهم المسلمين، هما وسيلة ناجعة للفوز بالسلطة.
الحق أن هذه العلة، متفشية في البلاد برمّتها، ولا تقتصر على الحزب الحاكم ومن يدورون في فلكه. ويتردد أن موقف أندرسون يلقى تأييداً كبيراً في دوائر "الجدار الأحمر" الانتخابية. وهذه صوتت تاريخياً للعمال قبل أن ترتمي في أحضان خصومه المحافظين، حينما بلغوا بقيادة بوريس جونسون ذروة شعبويتهم، وحققوا بفضل أصوات "الجدار الأحمر" فوزاً ساحقاً في انتخابات 2019. وسوناك يستميت للاحتفاظ بدعم هؤلاء الناخبين.
وعلى أي حال، غزة التي أدار ريشي سوناك ظهره لمأساتها، تحول حياته إلى جحيم وتسرّع وتيرة تلاشي حزبه العظيم. والمضحك المبكي أنه تصالح مع التحريضيين المتطرفين، على أمل أن يكسب ثقتهم فإذا بهم يتعودون على ابتزازه. وهو لم يعد قادراً على التصدي لهم حتى حين يبالغون بنشر الكراهية كما يفعلون حالياً مع فلسطين وأنصارها. إلا أنه لا يبالي، إذ يبدو أنه يرى بقاءه في الحكم، أهم من وحدة الحزب ومن صورة البلاد. لكن يحسُن به أن يتأمل أين انتهى الأمر بأسلافه الزعماء الذين وضعوا مصلحتهم فوق كل المصالح!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض