أي علاقات بين تونس وفرنسا في 2024؟
مازالت اللغة الفرنسية إلى حد الآن اللغة الأولى للتواصل مع الخارج في تونس ولو أن استعمالاتها في حالة تراجع واضح مقابل دعوات متزايدة الى جعل الإنكليزية اللغة الأجنبية الأولى في البلاد. كما لا تزال فرنسا تشكل الوجهة الأولى للطلبة التونسيين الذين يرغبون في مواصلة دراستهم الجامعية في الخارج.
تضافرت الأحداث الأسبوع الماضي لتضع علاقة تونس بفرنسا تحت المجهر، وتعيد إلى السطح تساؤلات عدة حول وضع هذه العلاقة وآفاقها.
تحولت الأنظار إلى باريس لمناسبة وصول رئيس الحكومة التونسي أحمد الحشاني إليها في الزيارة الأولى له لفرنسا منذ تعيينه في آب (أغسطس) الماضي. ما لم يكن منتظراً هو أن يرافق الزيارة جدل شديد في تونس بعدما أعلنت قناة "إم 6" (وهي قناة فرنسية خاصة) أنها ستبث بعد أيام تحقيقاً ينتقد الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد. وفعلاً بثت القناة هذا التحقيق مساء الأحد، وتضمن مثلما كان منتظراً انتقادات لتدهور الوضع المعيشي وطريقة الحكم في تونس. لكن الريبورتاج لم يتضمن في الواقع معلومات جديدة أو مآخذ لا يعرفها التونسيون، إذ غلبت عليه الكليشيهات ومقاطع الأرشيف.
أثار إعلان "إم 6" الكثير من ردود الفعل لدى الأوساط الإعلامية والسياسية في تونس التي لم تنتظر بث البرنامج لتدلي بآرائها فيه، وكان أولى بها أن تنتظر.
كانت المواقف متباينة، إذ كان هناك من جهة المدافعون عن نظام الحكم في تونس الذين اعتبروا البرنامج جزءاً من حملة غير بريئة تسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في الخريف القادم. وعاضد هؤلاء المنتصرين للنظام شق من التونسيين رأوا في التحقيق الصحافي الفرنسي استهدافاً للدولة التونسية وليس فقط للسياسات المتبعة من السلطات. وفي الجانب المقابل، كان هناك معارضو النظام ومنتقدوه الذين وجدوا في الموضوع فرصة لتصفية حساباتهم مع أهل السلطة والقرار في تونس.
لكن ما كان لافتاً أكثر من النقاشات التي احتضنتها المنابر الإعلامية والمنصات الإلكترونية، هو الاهتمام البالغ بالموضوع من جانب السلطة ومكوّنات الطبقة السياسية القريبة منها.
قد يكون ذلك الاهتمام ناتجاً من توجس معلن وغير معلن من دور محتمل لبعض النشطاء والمسؤولين السابقين المقيمين في فرنسا في تحريض وسائل الإعلام الفرنسية على انتقاد السياسات الحكومية في تونس.
كان التحقيق الإخباري يمكن أن يمر من دون أن ينتبه إليه أحد، لولا اللغط الذي أثير حوله. أوحى ذلك للمراقبين بأن المواقف الإعلامية والسياسية الفرنسية تجاه تونس لم تفقد "قيمتها المرجعية" لدى قطاعات واسعة من التونسيين. قبل ذلك كان الانطباع السائد هو أن متابعة أفراد النخبة والجمهور الواسع في تونس على حد سواء لما يقال عن بلادهم في باريس قد تقلصت، مقارنة بما كانت عليه قبل سنة 2011.
رئيس الحكومة نفسه أثار الموضوع في قصر ماتينيون مقر رئاسة الحكومة في باريس. قال الحشاني بعد مباحثاته الرسمية مع نظيره الفرنسي غابريال أتال إن بعض الأطراف سعت من وراء هذا التحقيق الصحافي إلى عرقلة تطور العلاقات الثنائية. ولكنه أضاف أنه لا يعتقد البتة أن "الأصدقاء الفرنسيين" (أي الأوساط الرسمية) لها يد وراء هذا البرنامج الصحافي.
وكان الرئيس قيس سعيد نفسه قد تحدث عشية سفر الحشاني إلى باريس عن محاولة بعض الأطراف التي لم يسمها، الترتيب لبرامج تلفزيونية في إطار تحركات إعلامية ترمي إلى إرباك الوضع في تونس.
زيارة الحشاني أعادت إلى دائرة الضوء وضع العلاقات التونسية مع فرنسا عموماً. قال رئيس الحكومة التونسي إن هذه العلاقات مرت بـ"مرحلة برود"، ولكنها تشهد اليوم - بحسب قوله - "انطلاقة" جديدة.
أكد أتال، من ناحيته، رغبة بلاده في توسيع العلاقات مع تونس اعتباراً لأهميتها "الاستراتيجية" بالنسبة إلى فرنسا، وللوشائج التقليدية التي تربط بين البلدين في مختلف المجالات، بدءاً بالعلاقات الإنسانية الوثيقة.
كان يلمح بكلامه إلى احتضان فرنسا نحو مليون مهاجر تونسي، من بينهم عدد كبير يحملون الجنسية الفرنسية. وهناك من ناحية أخرى نصف مليون فرنسي يزورون تونس للسياحة كل عام. هذا بالإضافة إلى أن الكثير من الفرنسيين لهم علاقات خاصة بتونس، ومن بينهم رئيس الحكومة الفرنسي نفسه الذي يتحدر من عائلة كانت تقيم في تونس في أوائل القرن الماضي.
لم يفت أتال بالطبع أن يؤكد اهتمام بلاده بمكانة اللغة الفرنسية في تونس، وذلك في ضوء استضافتها القمة الفرنكفونية في جربة العام الماضي، وتأهبها الآن لتسليم مشعل رئاسة منظمة الدول الناطقة بالفرنسية إلى فرنسا. وما كان ليفوته ذلك ورئيس الحكومة التونسي نفسه كان يخاطبه بالفرنسية خلال الموكب الرسمي الذي يجمعهما.
ما زالت اللغة الفرنسية إلى حد الآن اللغة الأولى للتواصل مع الخارج في تونس، ولو أن استعمالاتها في حالة تراجع واضح مقابل دعوات متزايدة إلى جعل الإنكليزية اللغة الأجنبية الأولى في البلاد. كما لا تزال فرنسا تشكل الوجهة الأولى للطلبة التونسيين الذين يرغبون في مواصلة دراستهم الجامعية في الخارج.
لكن عدم الإعلان خلال زيارة الحشاني عن اتفاقيات اقتصادية مهمة أثار العديد من التساؤلات، بخاصة أن الملف الاقتصادي كان بالضرورة من أبرز اهتمامات رئيسي الحكومتين. ما يشار إليه هو أن فرنسا أضحت مجدداً سنة 2023 أول شريك تجاري لتونس، بالإضافة إلى كونها تؤوي مقار ما يزيد عن 1500 شركة فرنسية. أما بالنسبة إلى تونس، فإن فرنسا تمثل أكبر مصدر أوروبي للاستثمارات والسياح نحو تونس.
رغم هذه الاعتبارات لم تتطور العلاقات الاقتصادية بما يتواءم تماماً وظروف تونس الصعبة خلال الأعوام الأخيرة. ولم تهرع باريس لنجدة تونس المكبلة بالديون وشح التمويلات الخارجية، بما كان يمكن أن يعكس "الشراكة الاستراتيجية" بين البلدين مثلما كان يأمل البعض في تونس.
أما من الناحية السياسية، فقد بقي موقف حكومة ماكرون ضبابياً. لم تورط باريس نفسها في أي انتقادات حادة للمسارات التي اتبعها قيس سعيد منذ 25 تموز (يوليو) 2012 وأنهى بها مرحلة "الانتقال الديموقراطي" لما بعد 2011. ولكنها في الوقت نفسه نأت بنفسها عن مواقف عواصم غربية أخرى أشد انتقاداً لسياسات تونس في ظل حكم قيس سعيد، وإن كانت لم تعبر في الوقت نفسه عن دعمها مقاربات الرئيس التونسي.
بدت إيطاليا بقيادة جيورجيا ميلوني أكثر تفهماً لهذه المقاربات وأكثر استعداداً لتقديم المساندة للسلطات التونسية. ومما يذكر أن فرنسا لم تكن ممثلة ضمن الوفد الأوروبي الذي وصل إلى تونس في تموز الماضي من أجل إبرام مذكرة تفاهم حول التعاون في مجالي الاقتصاد والهجرة، وكانت رئيسة الحكومة الإيطالية حاضرة.
هناك عموماً تباعد متزايد في المواقف حول القضايا الدولية، ومن بينها بالخصوص الموقف من الحرب في غزة. وقد كان البون شاسعاً بهذا الخصوص بين البلدين على الصعيدين الرسمي والشعبي. ولم يقبل الرأي العام التونسي تبريرات فرنسا لمواقفها غير المتوازنة خلال الأسابيع الأولى للحرب. وتفاقم لدى المهاجرين التونسيين في فرنسا الإحساس بالضيق نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة من قبل باريس ضد كل مظاهر الاحتجاج على الحرب. وأجّج ذلك لدى الكثيرين من أصحاب الكفاءات، حتى من يحمل منهم الجنسية الفرنسية، الإحساس بعدم الانتماء وعدم الراحة في بلاد إقامتهم جعلهم يفكرون، ليس في العودة إلى بلادهم (إذ لم يعد لدى معظمهم مثل ذلك الخيار) بل في البحث عن بلاد أخرى يستقرون فيها.
بدت الدبلوماسية الفرنسية عامةً، رغم انشغالها بفقدان مناطق نفوذها في أفريقيا، وكأنما هي تتخلى عن سياساتها العربية وتوجهها نحو جنوب المتوسط، إلا في ما يتعلق بتأمين حاجياتها من النفط والغاز والبحث عن أسواق لمنتجاتها.
وفي الوقت نفسه ابتعد جنوب المتوسط عن فرنسا وأضحى يبحث له عن بدائل في نطاق تنويع شراكاته.
وفيما أظهرت فيه سياسات ماكرون ميولاً أطلسية متزايدة (كان من آخر تجلياتها مقترح باريس الداعي إلى إرسال قوات من الدول الغربية إلى أوكرانيا لمواجهة الغزو الروسي)، سعت تونس بالذات إلى توطيد علاقاتها مع روسيا والصين، بعدما تضررت اقتصادياً من الحرب الأوكرانية.
ولا شيء في الواقع يبرز التباين في وجهات النظر والتناقض في المصالح أكثر من الموقف من موضوع الهجرة.
فباريس لم تتوقف عن ممارسة سياسة "شفط الكفاءات" التونسية كما أسماها أحد المعلقين. الآلاف من المهندسين والأطباء وسائر الكفاءات العليا غادروا وما زالوا تونس للاستقرار في فرنسا، فيما تواصل باريس تشددها تجاه المهاجرين الآخرين وطالبي التأشيرة، في محاولة لاستباق مطالبات أقصى اليمين. وقد بدأت بعدُ طبقاً للقانون الجديد حول الهجرة في ترحيل الإسلاميين التونسيين الذين تتهمهم بالتطرف إلى بلادهم الأصلية.
كل هذا صحيح. لكن مصلحة تونس تُحتّم عليها في الظرف الحالي الذي تمر به البحث عن مسوغات لتعزيز تعاونها مع فرنسا — أو على الأقل الحفاظ على مستواه الحالي — بوصفها الشريك الاقتصادي الأول وليس الدفع نحو مزيد الابتعاد عنها.
ويجب ألا يغير من هذا المعطى الأساسي تحقيق تلفزيوني، مهما كان موغلاً في السطحية والسلبية، أو "فترة برود" ظرفية مهما كانت مسبّباتها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض