النّاتو... هل يتحرّر من التّبعية؟
يُعرف المرشح بـ "مروّض ترامب" بعدما نجح في كبح جماحه في اجتماع خاص بالناتو قبل سنوات حضره زعماء منهم الفرنسي ايمانويل ماكرون والألمانية أنغيلا ميركل. وبعد الهجوم الأخير، الذي ارتعدت له فرائص بعض الأوروبيين علّق روته على موقف الرئيس الأميركي السابق بهدوء.
قيل إن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أطلق سيلاً من الشتائم حينما حاول مستشار الأمن القومي الأسبق جون بولتون التخفيف من قسوته على حلف شمال الأطلسي (ناتو). مرت سنوات، ولم يلنْ بعد الرئيس الحالم بالعودة إلى المكتب البيضوي. فقد أدلى أخيراً بتصريح ناري عن نيته "تشجيع" روسيا على "فعل ما تريده" مع الدول الأعضاء التي لا تفي بالتزاماتها المالية تجاه التحالف العسكري الأقدم (75 عاماً) والأكبر (31 دولة) في العالم.
ثورة الزعيم الشعبوي الذي يتفنن بإثارة الجدال لم تكن مفاجئة، فهو منسجم مع نفسه. الاستهجان الواسع النطاق الذي لقيته كلماته، طمس نقطة مهمة، وهي أنه ليس أول المحتجين على أداء بعض الدول الأعضاء في الناتو. لقد أثار الموضوع نفسه وزير الدفاع الأسبق روبرت غيت في 2011. كما أن التساؤلات عن جدوى التحالف وآفاق استمراره كانت مطروحة، حتى قبل أن يصفه إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي بأنه "ميت دماغياً" في 209 بوقت طويل.
وجاء تدخل سيد البيت الأبيض السابق في غمرة البحث عن أمين عام جديد للناتو قبل موعد قمة الحلف المقبلة في حزيران (يونيو) المقبل. فهل كان من قبيل الصدفة المحضة أن الأوفر حظاً في الفوز بالمنصب، هو مارك روته، رئيس الوزراء الهولندي المنتهية ولايته، الذي يعتبر من أقدر الزعماء الأوروبيين على التعاطي معه؟
يُعرف المرشح بـ"مروّض ترامب" بعدما نجح في كبح جماحه في اجتماع خاص بالناتو قبل سنوات حضره زعماء، منهم الفرنسي إيمانويل ماكرون والألمانية أنجيلا ميركل. وبعد الهجوم الأخير، الذي ارتعدت له فرائص بعض الأوروبيين، علّق روته على موقف الرئيس الأميركي السابق بهدوء. فقد دعا إلى الكف عن الشكوى والتململ القلق بسبب تصريح ترامب، والتركيز بدلاً من هذا على "الاستثمار في إنفاقنا الدفاعي" وزيادة إنتاج الأسلحة ومن ثم "بذل (جهد) هائل لدعم أوكرانيا".
وطبيعي أن يبدي تفهمه لضرورة الحفاظ على علاقات طيبة مع واشنطن. فهو زعيم صقلت التجربة قدرته على تدوير الزوايا، وإلا لما استطاع البقاء 14 عاماً على رأس السلطة في هولندا التي تحكمها على الدوام تحالفات معقدة تتسع الفجوة بين أطرافها. من جهة أخرى، استطاع نيل إعجاب الرئيسين الأميركيين السابق والحالي، ولا بد من أن يتمتع من يقدر على الجمع بين صداقتي هذين النقيضين بمهارات باهرة.
صحيح أنه يعتبر الخيار الأفضل لجهة التعاطي مع واشنطن. إلا أن هناك شكوكاً في قدرته على تطوير العلاقات الأوروبية معها في إطار الناتو. لماذا تحتاج أوروبا إلى الولايات المتحدة لكي توفر لها الأمن عن طريق الحلف الذي تتزعمه، وأوروبا أكبر حجماً منها وأغنى. وماذا يمنع أوروبا من الاعتماد على نفسها للدفاع عن أراضيها من أي اعتداء محتمل؟ هذا ما قاله الفرنسيون وما زالوا يقولونه منذ انسحبوا من الناتو حفاظاً على سيادتهم التي لم يريدوا أن تكون رهناً لمشيئة الأميركيين أو غيرهم 1966. وهذا ما قاله روته أخيراً.
هل من الممكن تحقيق هذا "الاستقلال" من حيث المبدأ، فيما لا تزال دول القارة تنتسب إلى حلف شمال الأطلسي الذي عودها على الحماية الأميركية؟ من جهة أخرى، يقود بلاده بصورة موقتة، ومن سيحل محله، كما يعتقد هو خيرت فيلدرز الذي يؤيد روسيا ويعارض الناتو والاتحاد الأوروبي، ككثير من رفاقه الأيديولوجيين من اليمين المتطرف الذين يتعاظم نفوذهم باطراد في أوروبا.
في كل الأحوال، لننتظر أولاً انتصار رئيس الوزراء الهولندي المرجح الذي يبدو طريقه غريباً يكتنفه الغموض. فالتحالف العسكري لدول تتباهى بنظمها الديموقراطية، بعيد كل البعد عن الديموقراطية. يجب أن يكون المرشح رئيساً سابقاً للوزراء أو للدولة العضو التي ينبغي ألا يقل إنفاقها الدفاعي عن 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ليست هناك ترتيبات محددة أو إجراءات تنظم عملية اختيار شفافة، بل يتم هذا بالتداول بين الأعضاء الـ31. وبطبيعة الحال تلعب أميركا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا دوراً مهماً في تعيين الأمين العام الذي يجري بالإجماع لولاية أربع سنوات.
هناك عقبات تجعل التوصل إلى الإجماع غير ممكن بصرف النظر عما إذا كان المرشح يحظى بدعم الأربعة الكبار أو لا. وثمة صعوبات هذه المرة لكن من المرجح أنها لن تمنع ينس ستولتنبرغ، رئيس الوزراء الدنماركي الأسبق، من التنحي بعد 10 سنوات على رأس الناتو، وهو الذي يهمّ بالخروج منذ 2018، بيد أن عدم العثور على بديل مناسب لجميع الأعضاء والغزو الروسي لأوكرانيا منعاه من ذلك.
هناك أصوات تدعو إلى اختيار الأمين العام الجديد من دول أوروبا الشرقية. وفي هذا المطلب قدر من الإنصاف. هذه دول كانت في الماضي أعضاء من الدرجة الثانية في حلف وارسو الذي هيمن عليه الاتحاد السوفياتي. فهل ينبغي أن تبقى تابعة لا يحق لأحد سياسيها قيادة حلف الناتو الذي يدعي الديموقراطية؟
لقد شغل المنصب حتى الآن عشرة رجال أوروبيين غربيين، بينهم ثلاثة هولنديين، فلماذا لا يأتي هذه المرة دور دول أخرى؟ كما أن الإنفاق الدفاعي في هولندا أقل مما يجب. والواقع أن روته مسؤول مباشرة عن هذا التقصير باعتباره رئيس الوزراء منذ 2010. غير أن منافسيه الرئيسيين هما كريسيانيس كارنز، وزير خارجية لاتفيا ورئيس وزرائها السابق، وكاياك الاس رئيسة وزراء إستونيا التي ستكون أول سيدة تقود الناتو في تاريخه المديد إن تم اختيارها. وتقترب نسبة الإنفاق الدفاعي في كل من دولتي البلطيق هاتين من 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وأمامه عقبة أكبر من كل هذا، وهي موقف هنغاريا وتركيا من تعيينه. لم تعارض تركيا ترشيحه حتى الآن، وإن كانت قد طلبت توضيحات وتجنب رئيسها رجب طيب أردوغان تلبية رغبته بلقائه. لكن على الأغلب أن فيكتور أوربان، رئيس الوزراء الهنغاري الذي اشتبك مع نظيره الهولندي مرات عدة، سيكون أكثر تشدداً من الرئيس التركي.
وإذا صار روته الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، فلن ينعم بالهدوء مع استمرار الأزمة الأوكرانية التي وضعها في أعلى سلّم أولوياته، و"الإرهاق" الذي أخذت علاماته تظهر بوضوح على داعمي كييف الغربيين. وهل يملك هو الذي كان سبّاقاً إلى الإعراب عن تأييده لإسرائيل في أعقاب طوفان الأقصى، وإلى المساهمة في ضرب مواقع الحوثيين، أن يتجاهل الشرق الأوسط وحروبه، ناهيك بالصين وشمال شرق آسيا؟
سيحتاج الأمين العام للحلف إلى عصا سحرية لكي يشفيه من "موته الدماغي" ويحرره من تبعيته قبل وصول ترامب المحتمل إلى البيت الأبيض؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض