29-02-2024 | 06:40

الرّياض تنظر إلى مستقبلها بعيني إنسانها

السعودي المعاصر لا ينظر إلى العالم باعتباره مقياسا لعلاقته بالحياة بقدر ما ينظر إلى نفسه وهي تخوض غمار التجربة المغايرة. يقول لك "نحن بدأنا منذ ثلاثة قرون وها نحن نبدأ من جديد"، كل ما رأيته وكل ما سمعته وكل ما أحسست به وعشته في الرياض هو تجسيد لعالمية بمزاج سعودي.
الرّياض تنظر إلى مستقبلها بعيني إنسانها
Smaller Bigger


كنتُ في الرياض من أجل حدث فني فإذا بي أخوض مغامرة اكتشاف لا ينفصل فيها الجانب الفني الثقافي عن الجانب الاجتماعي السياسي. ما سمعته وما قرأته عن التحولات الجذرية التي تشهدها المملكة كان أقل بكثير مما رأيته وعشته، وأكسبني خبرة في النظر بطريقة مختلفة إلى المستقبل. فبعد كل أسباب اليأس التي أحاطت بنا عبر العقود الأخيرة، يشعر المرء في الرياض الجديدة بأن الأمل لم يعد مجرد فكرة، بل هو حقيقة عيش راهن.
 
كنت محظوظاً حين بدأت رحلتي بالفنون وهي أرقى مستويات الأداء الإنساني التي لا يمكن الوصول إليها إلا بعد اكتمال أسباب العيش الهادئ والمستقر والإيجابي. الفنون ترف لا يهنأ به أصحابه إلا إذا كان فهم الحياة مستنداً إلى قيم نبيلة وسامية. لذلك فإن الرياض حين تتحول إلى مدينة للفنون الحديثة والمعاصرة إنما تشير في أكثر المعاني بساطة إلى أن إنسانها، وقد أتاحت له الإرادة السياسية عملية الخروج إلى العصر بمفهوم المشاركة الإيجابية، قد استنهض من أعماقه كل معاني القوة الناعمة التي تؤسس لمستقبل متوازن، لا تشكل الضمانات الاقتصادية إلا جزءاً من البناء الذي يحمل في كل جانب منه بصمات إنسان سعودي جديد. وحين نقول "هذه رياض أخرى" فذلك إنما يشكل واجهة لجوهر ينطوي على الثقة بأن هناك إنساناً سعودياً آخر، هو وليد التحولات التي صنعها بنفسه. من الفنون يمكن للمرء أن يهبط على سلّم القيم ليصل إلى تفاصيل صغيرة، تشكل بتشابكاتها منظومة يستند إليها معنى جديد للحياة. 

اليد التي أطلقت مياه الينبوع
"أوضاع المرأة في مجتمع ما هي إلا واحد من أهم المعايير لقياس درجة تطور ذلك المجتمع". وحين يتجول المرء في شوارع الرياض ويتنقل بين أسواقها ومخازنها ومقاهيها ومطاعمها ومكتباتها وقاعاتها الفنية، لا يمكن أن يفوته حضور المرأة اللافت. وهو حضور يضفي على المشهد لمسة إنسانية تشهد على التحول الذي تشهده المملكة. أنا أعرف من خلال تجربتي الشخصية المباشرة أن المرأة السعودية كانت كثيرة الاهتمام بالثقافة، منتجة ومشاركة ومتلقية، حتى يمكن القول إنها كانت الأكثر استهلاكاً للنتاج الثقافي، غير أن سقوط القيود التي كانت تحد من حركتها فتحت أمامها الأبواب في اتجاه الإعلان عن موقفها الثقافي باعتباره جزءاً من مشروع التغيير الذي لم يكن ليتحقق إلا من نقطة تحريرها.
 
قبل أكثر من عقد التقيت في البحرين ناشطات سعوديات شاركن في مسيرة كان هدفها إنهاء حظر قيادة المرأة للسيارة. أما اليوم فإن مشهد امرأة سعودية تقود السيارة صار أمراً طبيعياً. أنا على يقين بأن أولئك النسوة لم يحلمن بقيادة السيارة بقدر ما فكرن في دورهن في قيادة المجتمع. وبقدر تعلق الأمر بي فقد رأيت فنانات وباحثات في مجال الفنون البصرية (ندى الركف وموضي الهاجري على سبيل المثال) يمثلن شريحة كبيرة من مجتمع صار يفكر بطريقة يغلب عليها التنوع والبحث عن حلول جمالية لوجوده لم تكن مطروحة في الماضي. وليس مفاجئاً أن يتحول المجتمع بسرعة قياسية. ذلك لأن الأمير الشاب كان قد وضع يده على المكان المضبوط الذي تقيم فيه روح الشعب. هناك حيث تقف المرأة في الانتظار القلق. 

عالمية بمزاج سعودي
"يوم بدينا. ثلاثة قرون من العز والفخر"، قرأت تلك الجملة على ملصق في غير مكان من الرياض. وإذا ما تأملنا بالعين المحايدة الطريقة التي يعبر من خلالها المجتمع السعودي عن حيويته، فإن ذلك الشعار يعني الحاضر أكثر مما يشير إلى الماضي، وإن كان هناك حرص على الإبقاء على خيط الارتباط التاريخي مشدوداً بإحكام. لقد بدأت المملكة وهي تبدأ من جديد في كل لحظة تحول. لا تكمن الحكمة في النظر إلى الماضي، بل تكمن في مواجهة الماضي بأدوات الحاضر لا من أجل القفز عليه بل من أجل تأكيد قوة الفكرة التي يستند إليها. وهي فكرة التأسيس. مَن يرى الرياض اليوم ويعيش أجواءها ويحاور أبناءها لا بد من أن تُدهشه فكرة التأسيس التي صارت بمثابة منطق تجتمع من حوله رؤى متغيرة.
 
فالسعودي المعاصر لا ينظر إلى العالم باعتباره مقياساً لعلاقته بالحياة بقدر ما ينظر إلى نفسه وهي تخوض غمار التجربة المغايرة. يقول لك "نحن بدأنا منذ ثلاثة قرون وها نحن نبدأ من جديد"، كل ما رأيته وكل ما سمعته وكل ما أحسست به وعشته في الرياض هو تجسيد لعالمية بمزاج سعودي. الرؤية السعودية للمستقبل والتي لخصها ولي العهد برؤية 2030 تسعى إلى العمران، لكن من خلال التنمية البشرية. الإنسان السعودي أولاً من منطلق كونه أداة التغيير وهدفه. مَن يلتقي مثقفين سعوديين لا بد من أن يلمس أثر السعادة في تفكيرهم وهم يخوضون تجربة التغيير. مثقفون سعداء لا لأن الدولة اعترفت بمكانتهم بل لأنهم صاروا على ثقة بأن حريتهم في التعبير صارت جزءاً من مشروع التأسيس. 

الإنسان هو المأثرة

ولأن السعوديين متواضعون في إقبالهم على الفهم في ظرف سياسي عالمي يحيطهم بسوء الفهم، فإنهم يعرفون أن أسلحتهم الناعمة تكفي لصنع حضارة تشبههم. حضارة من طراز خاص. لقد أطلقت المملكة العربية السعودية بتأثير من قرارات أميرها الشاب قواها الثورية التي اختصرت المسافة ما بين ما هو نظري وما هو عملي. تلك معجزة سعودية يجدها زائر عابر مثلي مجسدة في مكان وزمان قد لا يعثر عليهما مرة أخرى. ومثلما جدد السعوديون المكان الذي اكتشفوا فيه أثاثهم الروحي، فإنهم جددوا زمانهم فصاروا يحتفلون بالماضي في اللحظة التي يحتصنون فيها المستقبل. لقد رأيت مجتمعاً يقوي صلته بالحاضر كما لو أنه يولد في كل لحظة. "هذا مجتمع يتحدى نفسه قبل أن يتحدى العالم" قلت لنفسي. فالأجمل أن تمتزج أصوات السعوديات والسعوديين بما تراه العين من مبان، ليدرك المرء أن المأثرة الحقيقية إنما تكمن في الإنسان الذي صار يصنع حياة تليق به وبفكرته عن الحرية. 
      
      

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.