لا أدري لماذا ذكّرني النقاش الدائر حالياً في الولايات المتحدة حول أهلية الرئيس جو بايدن للترشح لعهدة ثانية، بالجدل الذي شهدته تونس خلال العقود الفائتة حول سن رؤسائها وأهليتهم لمواصلة الحكم.
يبلغ بايدن اليوم من العمر 81 عاماً، وإذا كتب له الفوز بعهدة ثانية، مثلما يرغب في ذلك، فسيكون عمره عند نهاية حكمه 86 عاماً. استطلاعات الرأي تقول إن 86 في المئة من الأميركيين يرون أن سن الرئيس بايدن تجعله غير مؤهل لتحمل أعباء الرئاسة مجدداً. كما أن 59 في المئة من المستجوبين يطلقون الحكم نفسه على كل من بايدن ومنافسه الجمهوري دونالد ترامب البالغ من العمر 77 سنة، على حد السواء.
زار بورقيبة البيت الأبيض في حزيران (يونيو) 1985 والتقى الرئيس الأميركي رونالد ريغان. كان الرئيس التونسي آنذاك في الثانية والثمانين من عمره وكان ريغان في الرابعة والسبعين. ما زلت أتذكر، وكنت وقتها من بين الحضور، لحظة خروج ريغان من المكتب البيضوي لتبادل الكلمات مع الرئيس التونسي الراحل. كان ريغان يبدو شاباً متقد الحيوية وهو يساعد بورقيبة على المشي ثم الجلوس أمام وفدي البلدين الواقفين أمامه.
كان الموقف بالنسبة إلى التونسيين تجاه بورقيبة خلال خريف عمره مزيجاً من الإحراج أمام العالم الخارجي والرأفة بـ"المجاهد الأكبر" الذي لم ينسوا أبداً ولو في أقسى اللحظات ماضيه التاريخي.
غادر بورقيبة السلطة بعد زيارته البيت الأبيض بسنتين. كان ذلك منذ نحو 37 عاماً. وكان عندها في سن الرابعة والثمانين.
ولكن الذاكرة الجماعية للتونسيين ما زالت تستبطن الإشكاليات التي طرحتها الحقبة الأخيرة من عهد بورقيبة، ليس فقط لأنه بقي في السلطة أكثر من ثلاثين عاماً، بل نظراً إلى حالته الصحية والصراع الذي احتدم على خلافته في أواخر سنوات حكمه.
سنة 1987، أزاح بن علي بورقيبة من السلطة. وفي تبريره لذلك استند إلى "طول شيخوخة" هذا الأخير "واستفحـال مرضه" اللذين جعلاه - بحسب قوله - "عاجزاً تماماً عن الاضطلاع بمهمات رئاسة الجمهورية".
طفت إشكاليات المرض وكبر السن مجدداً على سطح السياسة في تونس في أواخر حكم الرئيس الباجي قايد السبسي سنة 2019. غادر هذا الأخير السلطة وهو في سن الثانية والتسعين، وكان عندها أكبر رئيس جمهورية في العالم سناً. ومع ذلك فإن سنه لم تكن تثير جدلاً كبيراً حول أهليته للحكم، بل إن احتمالات ترشحه لعهدة ثانية كانت مطروحة جدياً. غير أن ظروف وفاته لاحقاً (والملابسات الصحية والسياسية التي حفت بها) جعلت سنه موضوعاً لتساؤلات الرأي العام والطبقة السياسية.
بقي أن الإشكاليات التي طرحها حكم بورقيبة وبن علي كانت مختلفة تماماً عن تلك التي رافقت حكم قايد السبسي (أو تلك التي تشغل اليوم بال الأميركان بخصوص بايدن وترامب). كان الأمر خلال عقود من القرن الماضي يتعلق أساساً بتشبث بورقيبة وبن علي بالبقاء في سدة الحكم وبعدم رغبتهما في إدخال إصلاحات ديموقراطية كان يمكن أن تجعل خلافتهما أكثر سلاسة وشفافية. وكان يمكن أن تكفي البلاد مؤونة المخاوف والهزات التي اعترت نهاية حكمهما، وإن كانت الملابسات التاريخية للحالتين مختلفة تماماً.
برحيل بورقيبة وبن علي انتفت لدى الطبقة السياسية، التي كانت بيدها قيادة البلاد ومسؤولية سن تشريعاتها بعد 2011، الحاجة إلى النص على السن القصوى للرئيس، بخاصة أن بعض قيادات حزبي "النهضة" و"نداء تونس" الفاعلين أيامها على الساحة السياسية كانت متقدمة في السن وتحدوها طموحات رئاسية. لذا لم ينص دستورا 2014 و2022 في نهاية المطاف على سن قصوى للترشح لرئاسة الجمهورية.
في المقابل، حدد دستور 2014 السن الدنيا في الخامسة والثلاثين وحدد دستور 2022 السن الدنيا في الأربعين. ولا أدري إن كان هناك معيار موضوعي لتحديد سن الرشد السياسي والأهلية لحكم أي بلاد.
لم تنتف الحاجة في أذهان السياسيين بعد 2011 للتوقي من إطالة الرئيس فترة حكمه أكثر من اللزوم. فقد حدد الدستوران مدة بقاء رئيس الجمهورية في السلطة بعهدتين، مدة الواحدة خمس سنوات على أقصى تقدير.
لم ينس أحد كيف أن فترتي حكم بورقيبة وبن علي كانتا مليئتين بالتنقيحات الرامية لمواءمة نص الدستور مع تطور سن الرئيسين ورغبتهما في البقاء في السلطة. بقي السباق مستمراً لمدة عقود بين تقدم السن ومقتضيات الدستور.
لم ينص الدستور الأول للجمهورية بعد الاستقلال (الذي تمت المصادقة عليه سنة 1959) على سن قصوى للترشح لرئاسة الجمهورية وإن حدد السن الدنيا في الأربعين. ولكنه حدد الفترة القصوى للحكم بأربع عهدات طول الواحدة خمس سنوات. تغيرت كل المعطيات عندما اقترب بورقيبة من سقف العشرين عاماً في الحكم فبادر إلى تحوير الدستور سنة 1975 ليسمح له بالرئاسة مدى الحياة.
وبعد تسلمه السلطة مكان بورقيبة سارع زين العابدين بن علي إلى إلغاء الرئاسة مدى الحياة وحدد السن القصوى للترشح في السبعين وعدد العهدات التي يمكن أن يشغلها الرئيس إلى ثلاث، مدة كل واحدة خمس سنوات. ولكنه مع تقدمه في السن ومع رغبته في البقاء في الحكم بادر إلى تنقيح الدستور سنة 2002، ملغياً أي تحديد لعدد العهدات ومرفّعاً في الوقت نفسه السن القصوى للترشح لرئاسة الجمهورية إلى الخامسة والسبعين. كان عمره 73 عاماً آخر مرة ترشح فيها للرئاسة، وكان ذلك سنة 2009. غادر بن علي الحكم بعد ذلك بسنة واحدة معلناً قبل رحيله وفي خضم انتفاضات الشوارع أنه لن يترشح مرة ثانية.
إن كان عامل السن لعب دوراً محورياً أيام حكم بورقيبة وبن علي فقد كان ذلك بكل تأكيد على خلفية واقع سياسي مختلف تماماً عن الواقع السياسي في أميركا. كانت هناك دوماً مسافة شاسعة تفصل بين أنظمة الحكم في تونس والولايات المتحدة، أكثر من المسافة الجغرافية القائمة بين البلدين. من أهم تجليات هذه المسافة أن لا أحد يتجرأ في أميركا على تطويع الدستور لرغبة دفينة في البقاء في السلطة.
من بين الفروقات أيضاً أنه خلافاً للأميركيين، لم تكن الضوابط السياسية أيام بورقيبة وبن علي تسمح للتونسيين بالتدقيق علناً في الحالة الصحية للرئيس. ولم تكن السلطة عندها ترى أن إصدار البيانات الطبية التفصيلية حق مشروع للمواطن.
إضافة إلى ذلك كانت الثقافة التقليدية السائدة — ولا تزال إلى حد اليوم — تعامل الكبير في السن بحد أدنى من الاحترام. وليس رئيس الدولة استثناءً ما لم يصبح عاملا السن أو المرض أو كلاهما عائقاً أمام قدرة الرئيس على الحكم وعنصراً مؤججاً للأزمات السياسية نتيجة التشبث بالسلطة.
تبدو هذه الإشكاليات بعيدة من الأذهان والبلاد تستعد هذا العام لانتخابات رئاسية جديدة سوف تتزامن تقريباً مع الانتخابات الأميركية. ولا شيء غير التزامن يربط بين الاستحقاقين الرئاسيين في البلدين.
منذ أسبوعين أعلن رئيس تونس الحالي قيس سعيد أن الانتخابات سوف تجري في موعدها المقرر الخريف المقبل. ويتوقع الجميع أن يترشح سعيد لعهدة ثانية. ولكن الرؤية لا تزال غير واضحة بعدُ حول من سينافسه على المنصب وكيف سيدور السباق نحو قصر قرطاج. ومهما كانت الاعتبارات فلن يكون سن الرئيس من بينها، وذلك ليس فقط لأن قيس سعيد لم يتخط بعدُ السادسة والستين من العمر، بل لأن الدستور الجديد الذي تمت المصادقة عليه (في استفتاء شعبي السنة الماضية) لا ينص على سن قصوى للترشح للرئاسة.
ستكون هذه السنة أيضاً سنة انتخابات بامتياز في أكثر من 50 دولة من دول العالم، بما فيها تونس وأميركا، وسيكون بين المترشحين من بلغ به السن عتياً ومن يسمح له دستور بلاده بالترشح وهو في سن الشباب.
وأهم من اعتبار السن سوف يتحدد اختيار الرئيس في معظم بلدان العالم بحسب قدرة المترشح على إقناع الناخبين بأنه أهل للحكم وأنه لن يتمسك بالكرسي عندما تنتهي عهدته.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض