27-02-2024 | 04:00

الدولة الجزائرية وأشباح الرداءة والتسلّط والبيروقراطية

أشار الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، الأسبوع الماضي، إلى عدم تخلّص الجزائر حتى الآن من الرداءة والتسلّط والبيروقراطية.
الدولة الجزائرية وأشباح الرداءة والتسلّط والبيروقراطية
Smaller Bigger
أشار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الأسبوع الماضي، إلى عدم تخلّص الجزائر حتى الآن من الرداءة والتسلّط والبيروقراطية. جاء ذلك في كلمته التي نشرتها وسائل الاعلام الجزائرية بعدما ألقاها نيابة عنه وسيط الجمهورية مجيد عمور أثناء افتتاح أشغال الملتقى الوطني الذي انعقد يوم الثلثاء الماضي في المدرسة الوطنية للإدارة تحت شعار "وسيط الجمهورية... مكسب من أجل خدمة المواطن".
 
ومن أهم ما جاء في كلمة الرئيس تبون، أنّه يجب "الاستجابة لتطلّعات الشعب الجزائري الذي تمكّن منه الإحباط لسنوات طويلة وأفقدته الانحرافات المتراكمة الثقة في المؤسسات وفي الدولة ورموزها".
 
في هذا السياق، يفسّر المراقبون السياسيون الجزائريون أهداف الرئيس الجزائري من وراء هذا الاعتراف الرسمي، بأنّه تدخّل في إطار تهيئة المناخ السياسي تمهيداً للانتخابات الرئاسية المقبلة التي يُنتظر أن تشهدها البلاد بمشاركة عدد من المرشحين سواءً عن الأحزاب السياسية المعروفة بالموالاة أو عن تلك المحسوبة على المعارضة.
 
ولكن من الواضح أنّ الرئيس تبون لم يحدّد  المسؤولين الذين يمارسون التسلّط والبيروقراطية في مؤسسات وأجهزة الدولة، ويتسببون في نشر الرداءة في البلاد، علماً أنّه يُعتبر من الشخصيات التي تعرف الصغيرة والكبيرة ضمن فضاء الإدارة الجزائرية، بحكم تخرّجه من المدرسة الوطنية للإدارة ثم تمرّسه في العمل الإداري على مدى أكثر من 30 سنة، وذلك منذ أن كان أميناً عاماً ولائياً ثم والياً، فوزيراً مرات عدة ثم وزيراً أول على رأس الحكومة الجزائرية لفترة وجيزة، قبل أن يصل إلى سدّة الحكم كرئيس للبلاد.
 
في هذا الإطار، ينبغي التذكير أنّ هناك اعتقاداً سائداً لدى المواطنين، وهو أنّ انحراف الادارة الجزائرية سواءً في الأجهزة الادارية المركزية (الوزارات والمديريات المركزية) أو على مستوى البلديات والدوائر والولايات (المحافظات) في الجزائر العميقة، ليس سوى عرض للأزمات السياسية العميقة المضمرة حيناً والمعلنة أحياناً كثيرة، والتي ما فتئت تعاني منها البلاد منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، بدءاً بتداعيات الانقلاب العسكري الذي قاده الرئيس الراحل هواري بومدين، ومروراً ببراغماتية مرحلة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد الذي حطّم الخيار الاشتراكي المعتدل وهياكله الإدارية في الجزائر وفتح المجال للرأسمالية المتوحشة المستوردة، وانتهاءً بمرحلة العشرية الدموية التي عاثت فساداً في السياسة والإدارة معاً، ثم تُوّجت بحكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة الذي ساهم في تكريس الحكم الفردي ووضع مصير الدولة بين أيدي شلّة معروفة بالفساد المالي والاداري، والتخريب السياسي الذي أطاح ببعض أقطابه الحراك الشعبي، وليس بالذهنية التي خلقت هذا النوع من الحوكمة الفاسدة.
 
ويُلاحظ أنّ التغييرات الطفيفة التي تشهدها البلاد راهناً، لم تمسّ جوهر الأسباب التي خلقت المشكل البنيوي المزمن، الذي ما فتئ يخنق ويحبط التنمية ويرسّخ الممارسات البيروقراطية ومختلف أشكال الرداءة في تسيير شؤون المواطنين، وفي المقدمة بقايا حراس النظام السابق الذين لا يزالون متغلغلين في كل أجهزة الدولة السياسية والدبلوماسية والادارية، وهلّم جرَّا، فضلاً عن أخطاء جديدة ارتُكبت جراء تعيين مسؤولين جدد كبار تعوزهم الكفاءة وبخاصة أولئك الذين عُيّنوا على رأس عدد من الوزارات والمديريات المركزية والولايات في الجزائر العميقة.
 
وفي الحقيقة، فقد عمَّقت ظاهرة التسلّط  والبيروقراطية إسناد مهمّة الإعلام إلى مسؤولين لا يتمتعون بالخبرة والجرأة الأدبية، الأمر الذي خنق وسائل الإعلام الرسمية والتابعة للقطاع الخاص وجعلها تحيد عن مهمّتها الحقيقية جراء اختزال مهامها، إما في مدح الملك أو في طلب عفوه، كما يقول المثل السائد.
 
وفي هذا الخصوص، يُلاحظ أنّ سلب الإعلام العام والخاص خاصية النقد قد أدّى ولا يزال يؤدي إلى قص أجنحة مختلف المنابر الاعلامية داخل البلاد، وقد تمّ ذلك بواسطة الترغيب عن طريق التمويل المالي من خزينة أموال الشعب مرة، وثانية عن طريق تعيين أشخاص معروفين بالتبعية للنظام ومدربين على آليات تكبيل الإعلاميين وعدم السماح لهم بنشر مقالاتهم وتحقيقاتهم النقدية التي تكشف شتى أنماط تلاعب المسؤولين بالتنمية وبحاجيات المواطنين، وبسبب ذلك لم تعد هذه المنابر أدوات لكشف الحقائق، وتشكيل الرأي العام الوطني، فضلاً عن محاسبة المسؤولين المخلّين بتنفيذ مشاريع التنمية المستدامة وفق معايير الحداثة والعصرنة في المدن والأرياف البعيدة.
 
ورغم الجهود الكثيرة التي يبذلها الرئيس عبد المجيد تبون لتصفية "خزان" العصابة التي فرّغت الخزينة الوطنية وكرّست الفساد المالي والسياسي والاداري، فإنّه يُلاحظ أنّ مرحلته لم تعالج حتى الآن كل ذيول البنية الادارية الموروثة عن المراحل السابقة وبخاصة الثالوت الذي يتمثل في تركيبة رئيس البلدية، ورئيس الدائرة، والوالي (المحافظ الاداري) الموروثة عن الاحتلال الفرنسي.
 
والحال، أنّ هذه التركيبة ومَن وراءها، تمثل مجتمعة المصدر الحقيقي لتقاطع المسؤوليات وتنافرها بدلاً من تكاملها، وبالتالي للبيروقراطية المنتشرة عبر مختلف المصالح الادارية في البلاد. وفي هذا الشأن بالذات، يرى المتخصصون في علم الادارة الديموقراطية والعصرية، أنّ التخلّص من بؤر البيروقراطية التي تُنهك المجتمع الجزائري مشروط جدلاً بالقضاء الحاسم على هذا الثالوت الكولونيالي الموروث، وتعويضه بهيكل أكثر تطابقاً مع المزاج الشعبي والمصلحة الوطنية وتقاليد نمط الانتاج الجماعي الذي يميّز تاريخ المجتمع الجزائري، وهو هيكل البلدية المتطورة والممثلة للشعب والمسؤولة أمامه، وذلك من أجل تحقيق هدف التسيير الحسن لشؤون التنمية المحلية والإدارة السلسة المؤسسة على عنصري علم الجماليات والحضارة والاستجابة الفورية لمتطلبات المواطنين الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة