غزة تلاحق كير ستارمر زعيم حزب العمال البريطاني، منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر). كشفت عن انحيازه إلى إسرائيل مرة تلو مرة، فأحرجته أمام قطاع كبير من أعضاء حزبه وغيرهم. إلا أن هذا لم يردعه. وبقي يدعم تل أبيب حتى حين قطعت الماء والكهرباء عن الغزاويين ومضت تعاقبهم معاقبة جماعية، وذلك بذريعة حق دولة الاحتلال بالدفاع عن نفسها ضد ضحاياها الفلسطينيين.
وغزة كادت توجه له أكثر الضربات التي تلقاها حتى الآن إيلاماً. فقد كان من المتوقع أن يواجه تمرداً غير مسبوق في جلسة مناقشة مذكرة "الحزب القومي الإسكتلندي" الداعية إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة. وتردد أن التمرد هذه المرة سيكون أكبر من سابقه في تشرين الثاني (نوفمبر) حين صوت 56 من النواب العماليين، لمصلحة اقتراحات مشابهة، خلافاً لتعليمات زعيمهم، ما قلّل من هيبته. لذا عوّل على إمكان التلاعب بقضية غزة في خطة مزدوجة، تحميه من الظهور بمظهر القائد الذي لا يأتمر جنوده بأمره!
أولاً، تظاهر بالتراجع عن الموقف الذي تشبث به بعناد منذ اندلاع الأزمة، فطرح مذكرة طالبت بوقف فوري لإطلاق النار. لكن هذا كان مشروطاً بعدد من العناصر التي يصب بعضها في مصلحة إسرائيل. مثلاً حضّت مذكرة ستارمر على "وقف لإطلاق النار الفوري والدائم"، ما يجيز بصورة غير مباشرة لإسرائيل مواصلة القتال لأن دوام الهدوء في رأي رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لا يتحقق إلا بالقضاء على "حماس"! إذاً، لقد أُفرغت المطالبة العمالية بوقف آني لإطلاق النار سلفاً من محتواها!
ودعت المذكرة إلى إقامة دولة فلسطينية وهو أمر عارضه ستارمر طويلاً. فقد ألغى التزاماً سابقاً للحزب بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، متذرعاً بأنه فعل ذلك للتخلص من سياسات سلفه جيرمي كوربين. وفي هذا اجتزاء للحقيقة لأن صاحب هذه السياسة هو (اليهودي) إد ميلباند الزعيم الأسبق، عضو حكومة الظل الحالية!
أما الشطر الثاني من الخطة فتمثل في محاولة القفز على الأعراف البرلمانية. ويُقال إنه هدد رئيس مجلس العموم ليندسي هويل بإقالته بعد الانتخابات المقبلة، إذا لم يسمح بمناقشة المذكرة العمالية، خلافاً للمعتاد. وبرضوخ الأخير، ارتكب غلطة قد تكلفه منصبه. وسمح للعمال بخطف الجلسة من صاحبها الشرعي الحزب القومي الإسكتلندي، وسادت الفوضى في مشاهد لا تليق بمجلس العموم. وبدلاً من البحث عن سبل إخماد الحرب في غزة نشبت "حرب" تحت قبة البرلمان، انتصر فيها ستارمر على خصومه وعلى غزة التي تم تجاهل محنتها تماماً.
وقبل ذلك بأيام، أتاحت غزة فرصة لتسليط الضوء على مدى صرامة معارضته لمعاداة السامية. بدأت الحكاية بالكشف عن ترويج أزهار علي مرشح العمال في روتشديل نظريات مؤامرة عن إسرائيل، فهبّ قياديون للدفاع عنه بادئ الأمر. وبعد مماطلة دامت نحو يومين، اضطر الزعيم إلى إلغاء ترشيحه حينما أُذيعت تصريحات مختلفة له معادية للسامية بشكل صارخ. وهنا انتهى الأمر بالحزب في وضع أشبه بمسرح اللامعقول، إذ لم يعد أزهار مرشحه الرسمي، مع أن اسمه يظهر على الأوراق الانتخابية والمنشورات كافة وبجانبه الوردة الحمراء النضرة رمز حزب العمال!
وعوقب مرشح آخر، هو النائب السابق غراهام جونز، لأنه تفوه بعبارات نابية عن إسرائيل لا تختلف كثيراً عن تلك التي أشيع أن الرئيس جو بايدن قالها حينما ضاق ذرعاً بعناد نتنياهو. لكن ليس في كلمات جونز ما يسمح باتهامه بالعداء للسامية. مع ذلك تمت التضحية به بسرعة.
هكذا أخفق ستارمر في انتهاز الفرصة السانحة لرفع أسهمه. فالزعيم، الذي حمل لواء مكافحة العداء للسامية منذ انتخابه لكي يبرهن أنه قائد لا يقبل المساومة على المبادئ من جهة، وحتى يصفي حساباته مع منافسين وأعداء أيديولوجيين، ويبيّض صفحته مع أصدقاء إسرائيل النافذين، من جهة أخرى، كان بطيئاً بشكل يدعو إلى السخرية في محاسبة أزهار، وتسرع للغاية في محاسبة جونز.
وهذه ليست المرة التي يضرب فيها بهذا السيف. فقد جمّد عضوية النائبين اليساريين آندي ماكدونالد وكيت أوسامور، في غضون ساعات من ارتكاب كل منهما مخالفة "معادية للسامية" في رأيه، وليس بعد يومين كما كانت الحال مع الرفيق أزهار! وسبب هذا اللين الملحوظ يرجع إلى كون الأخير ينتمي إلى جناح اليمين في الحزب، وكان مستشاراً لكل من زعيميه السابقين توني بلير وغوردون بروان!
تعرض الزعيم لانتقادات واسعة بسبب هذا الأداء الذي أجّح الجدال المحتدم سلفاً في أوساط الحزب حول العداء للسامية، وقد يخسر بسببه مقعداً برلمانياً كان من المرجح أن يفوز به. لكن لم يعد ذلك ممكناً على الأغلب، خصوصاً أن جورج غالاواي، النائب العمالي السابق، سارع إلى ترشيح نفسه في روتشديل مستغلاً "الكوميديا" الحزبية. وهو أثبت فعاليته في مناسبات سابقة مماثلة حين استطاع تجريد العمال مرتين من مقعد برلماني كان من المفترض أن يحتفظوا به.
يوحي تعامل ستارمر المتردد مع غزة وتخبطه في مواجهة نزعة العداء للسامية، بعدم الكفاءة والعجز عن معرفة ما ينبغي فعله. وهو متهم منذ صار زعيماً بعدم القدرة على الحسم واتخاذ القرار السريع، ناهيك بالصائب والحيادي. ويعود بعض تردده إلى خوفه القاتل من خسارة الانتخابات.
لكن، هل السلطة هي كل شيء؟ ليز تراس، صارت رئيسة وزراء. إلا أنها أُزيحت في غضون 50 يوماً، تاركة سيرة غير عطرة، أقل سيئاتها أنها جعلت تراس موضع سخرية مُرّة كلما فتحت فمها!
من ناحية أخرى، هو ليس فاعلاً بما فيه الكفاية في قضايا جوهرية تخص المجتمع الذي يبذل كل ما في وسعه لقيادته. ويتجلى هذا في تعاطيه مع قضية العداء للسامية. صحيح أنه يحاول استغلالها لمصلحته، لكنه يتبع موجة المكافحة المزعومة ولا يساهم في توجيهها.
تشتمل هذه الحملة على قيود لغوية لا ترحم، تشكل ما يمكن أن يسمى "ديكتاتورية اللغة" التي تفرض حدوداً صارمة للفصل بين ما يقال عن إسرائيل واليهود وما لا يقال. وتخلط القيود بين العداء للسامية، والعداء للصهيونية، معتبرة انتقاد إسرائيل تحاملاً على اليهود من دون أن تفرق بين شجب سياسة تل أبيب الخارجية مثلاً، وبين التهجم على فكرة الوطن القومي لليهود أو الإساءة لليهود كأتباع دين لا علاقة له بالسياسة.
الزعيم العمالي، الذي كان يوماً مؤيداً للحق الفلسطيني، ينفذ ما تمليه هذه المعايير التي تفتقر إلى الموضوعية، لنيل رضا القوى التي يعتقد أنها ستوصله إلى الحكم. لكن قد لا تطول إقامة من يصل إلى 10 دوانينغ ستريت على طريق معبد بالأخطاء والمساومات!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض