تنشر الأم تدوينة بريئة عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، ربما لتبث بعض الضحكات في يومها المعبأ بالمهام والمسؤوليات، وتتسلّى بتبادل القفشات و"الميمز". تنقل –مثلاً- تعليقاً هستيرياً لطفلها عمّا يشاهده عبر "الآيباد"، أو تتذمّر من إسقاطه لقطعة البسكويت في الهاوية السوداء خلف الكنبة.
إنّها تدوينات اعتيادية في ظاهرها، ولكن الردود عليها أصبحت أشدّ مظاهر "السوشيال ميديا" إثارة لهلعي.
"ولماذا تسمحين لطفلكِ باستخدام "الآيباد؟"، إنك تُنشئين كائن "نيانديرتال" بمخيلة ضامرة"، ستكتب إحداهن، "أعطيتيه قطعةً من البسكويت؟ أتدعين طفلكِ يتناول السكريات؟ ألم تسمعي بأضرارها؟"، سيعقّب ثانٍ. وثمة عبقري ثالث سيتفطّن على هامش التدوينة بأنّ الساعة ما زالت الـ10 صباحاً، مما يعني تغيّب الطفل عن الحضانة أو المدرسة، وسيفتح النار على الأم التي لا بدّ وأنّها لا تكترث لمستقبل ابنها.

من الملاحظ أنّ مرتدي وسائل التواصل الاجتماعي يضعون كل التفاصيل تحت مشرطهم الجارح، حينما تشارك الأمهات تجاربهن وإخفاقاتهن ومخاوفهن وهمومهن وأحزانهن، اللاتي غالباً لا يشعرن بالأريحية للتعبير عنها لمحيطهن المباشر. إنّهن غالباً نساء غير شهيرات، وغير منتفعات مادياً وإعلامياً من وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أنّ كثيراً منهن لا يكشفن عن هوية أطفالهن أو هوياتهن، ولكن "التايملاين" يصبح حريصاً أيما الحرص على جعل كل ما يقمن به، ويصرّحن به، ويفكّرن به، عرضةً للانتقاد والانتقاص والمحاسبة والتشكيك.
التدخّل في تربية الأمهات ليس ظاهرة افتراضية طبعاً، فلطالما تكفّل بها الجدّان والحماوان والأشقاء وأزواج وزوجات الأشقاء والأقارب والجيران وأصدقاء الجيران الزائرين وصاحب البقالة.
ولكن نطاق "هيئة المحلّفين" التي كانت تمثل الأم أمامها للدفاع عن نفسها ظلّت دائما ضيّقةً ومحدودةً. ومعروفة أيضاً، وذات دوافع مفهومة.
أما ما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي، فأشعر بأنّه يفوق قدرة العقل البشري أصلاً على الاستيعاب، إذ لم تعهد الأم –طوال 300 ألف عام من عمر إنسان "الهوموسابيان"- على مواجهة هذا الكمّ الفلكي، وغير المنقطع، وغير القابل للتصوّر، من "المقيّمين" لجدارتها.
تتحوّل أبسط التدوينات حتى، عن أتفه مهام الأمومة وأشدّها روتينية، إلى "حفلة" من التبرير والشرح والإيضاح أمام الغرباء. فها هي الأم تقسم لمن لا يعرفون سير حياتها اليومية، ولا يلمّون بظروفها، ولم يقاسموها السهر حتى الـ4 فجراً وأعباء التنظيف والطبخ، بأنّها لم تسمح لطفلها باستخدام "الآيباد" سوى لساعة، وتتعهّد لآخرين بأنّها ستراقب ما يشاهده. إنّها تعتذر بشدّة للغرباء، وتتوسل تفهّمهم، ولكنها في أمسّ الحاجة لإلهائه حتى تنهي بحث الدكتوراه.
ولأنّهم غرباء، فلكم أن تتخيّلوا كم من أولئك الذين يعاقبونها على إعطائها طفلها قطعة من البسكويت، ليسوا أولياء أمور أساساً، ولم يربّوا أطفالاً، ولم يختبروا استحالة مفاوضة طفل في الثانية على تأجيل رغبته المستعرة في قطعة من البسكويت.
قيل بأنّ تربية طفل تتطلّب قرية، ولكن القرية استُبدلت بأمم كاملة لا تقدّم سوى الأحكام القاسية.
نبض