21-02-2024 | 05:20

تونس: الخمول مضرّ بالصّحة

من الواضح للعيان أن المساحات الخضراء والساحات والميادين الترابية التي كان المراهقون والشباب اليافعون يستغلونها كملاعب لكرة القدم ابتلعتها المساكن والعمارات والمتاجر، وذلك في غياب التخطيط العمراني المتكامل وطغيان اعتبارات الربح المادي على المصلحة العامة خلال العقود الأخيرة.
تونس: الخمول مضرّ بالصّحة
Smaller Bigger
درج التونسيون على ترديد مثل شعبي يقول: "الحركة بركة" كناية عن تفاؤلهم بكل ما يوحي بالابتعاد عن الجمود والبحث عن التغيير.

لكن المواطن العادي لا يبدي اقتناعاً بأن هذا المثل ينطبق على سلوكياته الشخصية، بما يعني ممارسة نشاط رياضي أو بذل أي جهد بدني. 

يثير ذلك قلق الأطباء وخبراء التغذية المنزعجين عموماً من ضعف الوعي الصحي للتونسيين، واتباعهم نمط حياة وأنظمة غذائية تعرضهم للأمراض المزمنة وتعرض المنظومة الصحية وموازنات الدولة لضغوط إضافية تفاقم مصاعبها الحالية.

ليس هناك من مثال أكثر تعبيراً عن هذه الظاهرة من انتشار مرض السكري. بلغت نسبة الذين يعانون هذا الداء نحو 20 في المئة إن لم يكن أكثر، إذ إن الكثيرين لا يدرون بإصابتهم أو هم لا يرغبون في معرفة ذلك.

المسألة ليست هامشية أو شاغلاً يجب أن يبقى محصوراً في من يعنيه الأمر مباشرة، من مرضى وأطباء، مثلما قد يتبادر إلى الذهن. فمضاعفات المرض تهدد حياة الكثيرين وتشغل معظم العائلات وتكلف موازنة الدولة مصاريف مرتفعة.

تعلمنا من التاريخ أن هناك مجتمعات مثل مجتمع الهنود الحمر، السكان الأصليين للولايات المتحدة الأميركية، دمرته حروب الإبادة والتهجير وكذلك موجات الانتشار الرهيب لداء السكري، وذلك نتيجة تقويض الأنظمة الغذائية لهذا المجتمع وفرض أنماط حياة عليه لم يكن متعوداً عليها أو هي متناسبة مع حاجاته. بل إنه قبل قدوم الرجل الأبيض إلى أميركا لم يكن داء السكري موجوداً بتاتاً في مجتمع الهنود الحمر ولم تكن في قاموس قبائله مفردة تعني هذا المرض.

قلة الوعي تتسبب أحياناً في تداعيات على المستوى نفسه من الخطورة من المرض نفسه. وما يدعو إلى القلق في تونس هو النسق المتسارع لانتشار المرض وما يتبعه من مضاعفات. يخشى الخبراء أن تبلغ نسبة المصابين بمرض السكري في تونس ما يقارب 25 إلى 30 في المئة خلال سنوات قليلة فقط.

ومن المؤشرات إلى سرعة انتشار هذا المرض أن المعهد الوطني للتغذية، وهو مستشفى جامعي متخصص تأسس في تونس في أواخر ستينات القرن الماضي بغرض العمل على تلافي الانعكاسات الصحية المنجرة عن نقص التغذية، تحول إلى مركز همه الأساسي معالجة ما تتسبب فيه فوضى التغذية من أمراض مثل السكري وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم ومن انتشار السمنة في كل الأعمار. ويقول الأطباء إن نسبة مهمة من المرضى الذين يعالجونهم نتيجة إصابتهم بالصنف الثاني من مرض السكري أصبحوا من المراهقين، بعدما كانوا في السابق أساساً من الكهول.

للمشكلة أبعاد مختلفة متشابكة، وهي مرآة لتطور نمط حياة التونسيين وتداخل الأزمات التي يواجهونها.

أول العوامل قد يكون الوضع الاقتصادي الصعب لشرائح واسعة من المجتمع. فمع قلة الإمكانات المادية يصبح المواطن البسيط مضطراً للبحث عن الوجبات التي تزوده بالطاقة نتيجة احتوائها على سعرات حرارية مرتفعة، من دون أن تكون مكلفة. وهناك مئات الآلاف من العاطلين من العمل وصغار الموظفين وضعاف الحال ممن يجدون أنفسهم مضطرين لاستهلاك الوجبات السريعة غير المتوازنة غذائياً في الشارع. وأصبح ذلك هو النمط الغذائي المتبع من الكثيرين، بخاصة مع ارتفاع أسعار اللحوم والأسماك وسائر المنتجات الزراعية.
 
وترسخ هذا النمط كذلك نتيجة اشتغال الأب والأم خارج البيت كامل اليوم، وتفاقم العادات الغذائية غير السليمة مثل الاستهلاك المفرط لمشتقات الحبوب والعجائن والمواد الدسمة والسكريات والمنتجات المحلاة. ومما يذكر أن كل تونسي يستهلك في المعدل 74 كيلوغراماً من الخبز و15 كيلوغراماً من السكر في السنة. والتونسي يتعكر مزاجه طبعاً لما تنقطع هذه المواد من الأسواق.

يضاف إلى هذا وهن المنظومة الصحية العمومية التي أظهرت هشاشتها بما لا يترك مجالاً للشك خلال جائحة كورونا. ويشتكي الكثير من المرضى من عدم توافر الأدوية أو ارتفاع ثمنها ومن اكتظاظ المؤسسات الاستشفائية.

كما أن المؤسسات الحكومية للتأمين على المرض، التي تواجه هي نفسها أزمات مالية خانقة، لا تعتبر الوقاية من الأمراض على ما يبدو ضمن أولوياتها. وهي تكتفي فقط بتغطية جزء من مصاريف العلاج. هذا بالإضافة إلى أن الكثير من الأشخاص من بين الذين يتم تشخيص المرض لديهم يتهاونون بمتابعة العلاج أو النظام الغذائي الملائم.

والمصدر الإضافي للانشغال هو تزايد معدلات السمنة لدى الأطفال، بما يوحي بأن نسبة انتشار المرض لن تتراجع قريباً. والنشاط الرياضي لا يمثل أولوية في المناهج التربوية في المدارس، بعكس ما هي الحال في البلدان المتقدمة. بل إن نسبة الأطفال الذين يمارسون الرياضة بين سن الثامنة والثانية عشرة، على وجه التحديد، لا تتجاوز 12 في المئة حسب الأرقام الرسمية.

ومن الواضح للعيان أن المساحات الخضراء والساحات والميادين الترابية التي كان المراهقون والشباب اليافعون يستغلونها كملاعب لكرة القدم ابتلعتها المساكن والعمارات والمتاجر، وذلك في غياب التخطيط العمراني المتكامل وطغيان اعتبارات الربح المادي على المصلحة العامة خلال العقود الأخيرة.

تحدث وزير الرياضة أخيراً عن ضرورة العناية بملاعب الحارات والأحياء. وكان بذلك يعبّر عن بداية وعي بمشكلة لم تحظ بالاهتمام الكافي. ولكن بداية الوعي هذه جاءت متأخرة نوعاً ما. فقد اكتسحت البنايات الأخضر واليابس في ظل هوس التونسيين بالبناء واستغلال أصحاب المشاريع العقارية لهذا الهوس وتساهل المجالس البلدية أمام الزحف الإسمنتي في كل الاتجاهات.

فاقم المشكلة تهالك المنشآت الرياضية التي تحتضن الأندية والمنتخبات. والأمثلة كثيرة على ذلك. إذ لم تعد هناك تقريباً ملاعب كرة قدم جاهزة لاحتضان المباريات الدولية. وأضحت نسبة 70 في المئة من المسابح مغلقة بسبب الأعطاب وعدم توافر الإمكانات اللازمة لأشغال الصيانة.

الأسر الموسرة فقط تستطيع إنقاذ أبنائها وبناتها من الخمول بتسجيلهم في مراكز رياضية خاصة تشترط دفع معاليم مرتفعة مقابل الاشتراك.

أكيد، أن كل هذه العوامل الموضوعية تشكل أرضية خصبة لانتشار المرض بنسق سريع، لكن هناك أيضاً مسؤولية تتحملها أغلبية التونسيين بنفورهم من الجهد البدني. إذ تقول الأرقام الرسمية التي تضمنها استطلاع المرصد الحكومي للرياضة الصادر لسنة 2022 إن أغلبية التونسيين بنسبة 84 في المئة لا يمارسون الرياضة.

ولا شيء ينبئ اليوم بأن التونسي العادي، وبخاصة الشباب منه، سوف يسعى لتحمل مسؤوليته تجاه نفسه بالجدية اللازمة. الكثيرون سوف يحاولون إقناعك بأنهم لا يستطيعون اقتطاع جزء يسير من الوقت الذي يخصصونه للجلوس في المقاهي وتدخين النارجيلة ومتابعة البرامج التلفزيونية من أجل ممارسة أي نشاط رياضي ولو كان مجرد المشي نصف ساعة.

ليس للتونسي ترف غض الطرف عن ضرورة التخلص من بعض عاداته السلوكية والغذائية المضرة بالصحة والمكلفة للدولة والمجتمع. وليس للبلاد كذلك ترف إهمال أزمتها الصحية، حتى إن تعددت أمامها الأزمات.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية