20-02-2024 | 05:25

أين هي خطة الجزائر للحوار مع إفريقيا؟

رغم التصريحات الجزائرية الرسمية الكثيرة حول الفعالية الدبلوماسية للدولة في إفريقيا، فإنّ النتائج الملموسة على المستوى الميداني ضئيلة جداً
أين هي خطة الجزائر للحوار مع إفريقيا؟
Smaller Bigger
رغم التصريحات الجزائرية الرسمية الكثيرة حول الفعالية الدبلوماسية للدولة في إفريقيا، فإنّ النتائج الملموسة على المستوى الميداني ضئيلة جداً، وذلك جراء اختزال العلاقات الجزائرية - الإفريقية في التنسيق السياسي الموسمي الشكلي، ضمن هيئة الاتحاد الإفريقي، وفي توقيع بعض بروتوكولات التعاون الاقتصادي الذي بقي ضعيفاً جداً ولا يرقى إلى عشر التعاون البريطاني، أو الفرنسي مع دول الكومنولث البريطاني أو المجموعة الفرنكوفونية بقيادة فرنسا.
 
في هذا السياق يتساءل خبراء جزائريون متخصصون في الشأن الجزائري - الإفريقي: لماذا بقيت العلاقات الجزائرية - الإفريقية مجرد شعارات سياسية لم تُترجم حتى الآن إلى ممارسات ميدانية جادة في مجالات تبادل الخبرات، في إطار السعي لبناء آفاق التكامل الثقافي والاعلامي الاقتصادي والتعليمي؟ وكذا تأسيس المشاريع المشتركة التي ترسّخ التبادل المعرفي في ميادين التكنولوجيا والبناء، ومعالجة مشكلات البيئة، وبناء أسواق التبادل التجاري في المناطق الحدودية. ولماذا لم تبادر الجزائر، مثلاً، إلى تكييف المناهج الدراسية في المنظومات التعليمية الإفريقية، بما يفضي إلى تكوين أجيال مشبعة بالوازع التاريخي الحضاري المشترك؟
 
ففي الأسبوع الماضي، تزامن نشر تقرير مختصر جداً في عدد من وسائل الاعلام الجزائرية، عن كمية المِنح الدراسية التي ما فتئت تمنحها الجزائر للطلبة الأفارقة كل سنة، مع الترويج لمشاركة وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف يوم الخميس الماضي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في أعمال الدورة العادية الـ44 للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي.
 
ويُلاحظ أنّ الملف الخاص بتخصيص 2000 منحة دراسية و500 منحة أخرى للطلبة الأفارقة، يبقى دائماً مخفياً في أدراج الوزارات والمديريات المعنية، ولا يعرف الشارع الجزائري عن تفاصيله والغاية منه شيئاً يُذكر.
 
إلى جانب هذا النقص في توصيل المعلومات إلى المواطنين الجزائريين، والأفارقة أيضاً بشكل دائم، من خلال القنوات الإعلامية المتنوعة، فإنّ استبعاد المجتمع المدني الجزائري، والإفريقي من المشاركة سواءً في الدراسة الأولية لهذا النوع من الملفات الحساسة، أو في متابعة تطبيقها ميدانياً، يُبقي العلاقات الإفريقية - الجزائرية ذات طابع رسمي نخبوي محدود، وبذلك تُحرم هيئات ومؤسسات وروابط المجتمعات الجزائرية والإفريقية من إعطاء هذه العلاقات عمقاً شعبياً مستداماً وأكثر فعالية ومردودية.
 
في هذا السياق، ثمة انتقادات كثيرة تُوجّه إلى المسؤولين الجزائريين الذين يتحكّمون في توزيع هذه المنح، على أساس أنّها لا تذهب إلى الطلبة الأفارقة الفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة حقاً، وإنما توهب للجهات الرسمية التي توزعها بدورها على الطلاب الأغنياء، وبخاصة أولئك الذين ينتمون إلى العائلات المتنفذة والمقرّبة من السلطات في الدول الإفريقية المعنية.
 
ومن جهة أخرى، يرى خبراء جزائريون متخصّصون في العلاقات الجزائرية - الإفريقية، أنّ عدد هذه المِنح قليل جداً، وذلك إذا ما قسناه بعدد المؤسسات التعليمية الجزائرية الكثيرة، وبعدد الطلبة الجزائريين الذين يتابعون سنوياً الدراسة رسمياً في مختلف المعاهد والمدارس والجامعات الوطنية، والذي يُقدّر بأكثر من 5 ملايين طالب وطالبة، وذلك بحسب الإحصاءات الرسمية المُعلن عنها من طرف وزارات التعليم الابتدائي والإكمالي والثانوي، والجامعي والمهني.
 
أما الحماس الإعلامي الجزائري الرسمي الذي رافق مشاركة وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في أعمال الدورة العادية الـ44 للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي، التي انعقدت يوم الخميس الماضي في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، فيفسّره المراقبون الدبلوماسيون بأنّه مجرّد عرض ونتيجة للمحاولة الجزائرية أثناء هذه الدورة، إقناع دول الاتحاد الإفريقي الحاضرة فيه للمشاركة الجماعية في مجموعة الـ20، وذلك لضمان الوجود الجزائري في هذه المجموعة، ولو على نحو صوري، للتعويض عن الصدمة النفسية التي هزّت المجتمع الجزائري جراء رفض طلب انضمام الجزائر إلى مجموعة "بريكس"، على أساس عدم أهلية الاقتصاد الجزائري الذي يفتقر إلى تنويع مصادره وتوجّهاته، فضلاً عن عدم معالجة السلطات الجزائرية لمشكلة البطالة المستشرية، وانعدام التوازن الهرموني بين الدخل الفردي للمواطن الجزائري وبين الغلاء الفاحش لأسعار المعيشة في الوقت الراهن.
 
وفي الحقيقة، فإنّ دوران السلطات الجزائرية حول المسائل الهامشية في علاقتها بالعمق الإفريقي مثل كمشة من المنِح الدراسية، واستصدار بيانات التوافق السياسي الهش بين الدول الإفريقية عند انعقاد اجتماعات الاتحاد الإفريقي هنا وهناك، لن يؤدي بطبيعة الحال إلى جعل الجزائر لاعباً محورياً في الحياة الحقيقية على الأصعدة الثقافية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية الإفريقية. ويرجع ذلك إلى أسباب عدة متبادلة الاعتماد.
 
أما على الصعيد العملي الملموس، فإنّ الجزائر لا تملك مؤسسات ومنابر إعلامية موجّهة إلى شعوب القارة الإفريقية بلغاتها الوطنية أو حتَى بلغات الإرث الكولونيالي، وبخاصة اللغة الإنكليزية واللغة الفرنسية المتداولتين في معظم دول القارة السمراء. وإضافة إلى ذلك، فإنّ الجزائر لم تستقطب حتى يومنا هذا المنابر الإعلامية الإفريقية لتعمل في الجزائر، بهدف التعريف بثقافات وحضارات واقتصاديات جميع الأفارقة، وزيادة على ذلك، فإنّها لا تملك المراكز والمدارس العليا المتخصصة في إفريقيا ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وفنياً لتكون مسرحاً يتحرّك في فضائه الباحثون الجزائريون ونظراؤهم الأفارقة.
 
حتى يومنا هذا ليس لدى وزارتي التعليم العالي والاتصال الجزائريتين لجنة جزائرية - إفريقية مشتركة تتكفّل بوضع مشروعين يخصّان التعليم العالي والإعلام، يمكن أن يكونا دافعين حيويين يحرّكان وينشطان آليات التكامل العضوي الجزائري - الإفريقي في هذين المجالين المهمّين جداً.
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة