19-02-2024 | 04:50

إندونيسيا.. رهانات المستقبل وبؤس الماضي!

يبدو أن برابوو سوبيانتو (٧٢ عاماَ) وزير الدفاع الإندونيسي، صار على مسافة أشهر من خلافة "عدوه" السابق جوكو ديدودو، الرئيس المعروف بـ "جوكوي". والأخير حكم البلاد عشر سنوات فصار لزاماً عليه أن يُخلي المنصب في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. بيد أنه لن يخرج تماماً من السلطة، بل سيترك بعضاً منه فيها: ابنه الأكبر جبران راكابومينغ راكا، الذي سيكون نائباً للرئيس الجديد.
إندونيسيا.. رهانات المستقبل وبؤس الماضي!
Smaller Bigger
يبدو أن برابوو سوبيانتو (72 عاماً) وزير الدفاع الإندونيسي، صار على مسافة أشهر من خلافة "عدوه" السابق جوكو ديدودو، الرئيس المعروف بـ"جوكوي". والأخير حكم البلاد عشر سنوات فصار لزاماً عليه أن يُخلي المنصب في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. بيد أنه لن يخرج تماماً من السلطة، بل سيترك بعضاً منه فيها: ابنه الأكبر جبران راكابومينغ راكا، الذي سيكون نائباً للرئيس الجديد. وأكد برابوو عزمه على استئناف العمل بغية تنفيذ سياسات الزعيم الشعبوي الذي قاد إندونيسيا بنجاح، وإن لم يخلُ سجله من مفارقات صادمة.
 
هكذا، بدل أن يودع الرئيس معجبيه الكثيرين في بلد الـ280 مليون نسمة ويمضي ـ سيظل قريباً - بعيداً من الحكم، شريكاً في رهانات بلاده.
 
قد يستغرب المرء فوز الجنرال السابق، صاحب الماضي المثير للجدل، بفضل الدعم غير المباشر من "عدوه" نفسه الذي حرمه من انتصار كهذا في انتخابات سابقة مرتين. إلا أن إندونيسيا، ثالث أكبر ديموقراطية في العالم وأكبر بلد مسلم من حيث عدد السكان، هي بلد التناقضات. 
 
تصالح جوكوي بين ليلة وضحاها مع برابوو وعينه وزيراً للدفاع في 2019. وبعدما بُح صوته لفرط ما هاجم الرئيس، أصبح يحلف باسمه. وحالما ترشح، تعهد مواصلة السير على خُطى سلفه. ويبدو أن هذا الالتزام كان جزءاً من الثمن الذي رضي بدفعه. أما الجزء الآخر فهو اتخاذ جبران نائباً له.  
 
ولذا يُتهم جوكوي بارتكاب مجموعة من "الخيانات" دفعة واحدة. فهو وعد بألا يوزع المناصب العليا على أولاده، كما فعل سوهارتو. ويزعم معارضوه أنه أبرم صفقة مع عسكري تحوم حوله الشبهات، لكي يمهد طريق الزعامة عاجلاً أم آجلاً أمام ابنه جبران (36 عاماً). ولم يكن الأخير ليحلم بأن يطأ هذا الطريق لولا أن المحكمة الدستورية برئاسة القاضي أنور سليمان، زوج عمته، عدّلت القانون الذي كان يحدد عمر نائب الرئيس بـ40 عاماً على الأقل! 
 
وإلى جانب الصفقة المفترضة، ثمة مساومة من نوع آخر ساعدت برابوو على تحقيق نجاحه شبه المؤكد. فهو غير صورته كجنرال قاسي القلب تغييراً جذرياً، ليصير الجد الحنون الذي يرقص ويغني ويحب الحيوانات الخ. ولحسن حظه أن الشباب، دون سن الأربعين الذين يشكلون نحو 50 في المئة من المواطنين لم يعاصروه حين كان في الجيش. وكل ما يعرفونه عنه مستوحى من إطلالاته الناجحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فمثلاً، لديه 9 ملايين متابع على "إنستغرام" يرونه وهو يقضي أوقات فراغه في إطعام القطط ومداعبتها أو في السباحة.
 
والسؤال: هل يستطيع الجنرال أن يغير جلده، فعلاً؟
يجيب منتقدوه بلا. وينبش بعضهم الماضي، بمن فيه من قتلى وسجناء ومخطوفين، لم يُعرف مصير 13 منهم حتى الن، بعدما احتجزتهم قوات برابوو في 1998. في تلك الأيام، كان الضابط الكبير حامي حمى نظام سوهارتو، الذي يعتبر واحداً من أكثر الأنظمة فساداً وسلطوية في القرن العشرين. 
 
يواصل أهل الضحايا احتجاجاتهم مطالبين بالعدالة التي كان قد وعدهم بها جوكوي، ولا يزالون بانتظارها، حسبما يقولون. ويحذرون من أن برابوو سيجنح إلى السلطوية حالما صار سيد القصر الرئاسي. غير أن قائد القوات الخاصة الأسبق الذي رأى في الماضي أن الديموقراطية نظام متعب ومكلف أكثر من غيره، تجنب في حملته الانتخابية الأخيرة الإسهاب في تعليقات من هذا النوع. ويلح في كل فرصة سانحة على أنه سيعمل باجتهاد لاستكمال ما بدأه سلفه، وينكر تورطه في انتهاكات خطيرة. ومن جانبهم، يؤكد أنصاره أنه لم يعد العسكري القاسي الذي كانه يوماً وأن أحداً ليس منزهاً عن الخطأ.
 
ولعل التحديات التي تواجهه خارجياً لا تقل إرباكاً وصعوبة عن تلك التي تعترضه داخلياً. يستدعي الفضاء الجيوسياسي المعقد لإندونيسيا من رئيسها الجديد التحرك بروية لئلا يجد نفسه على طرفي نقيض مع أحد العملاقين اللذين يربضان على مقربة من حدوده: الولايات المتحدة والصين. وإضفاء التوازن على كيفية تعاطي جاكرتا معهما، على طريقة جوكوي، يمكن أن يصير أصعب منالاً مع تفاقم الحرب الباردة بينهما. 
 
وكان الرئيس المنتهية ولايته قد تمكن من تخفيف حدة التوتر مع الصين حين حاولت انتهاك سيادة إندونيسيا على مياهها الإقليمية وبعض جزرها مثل ناتونا. وتفادى تفجير الخلاف معها علناً ساعياً إلى تسوية النزاعات عن طريق المفاوضات. فهل يستطيع جنرال سابق له ما له من "مآثر" في ميادين القتال، أن يمارس سياسة ضبط النفس بهذا النجاح؟ 
 
يقول أنصار برابوو، إن العلاقة المتوازنة مع البلدين الكبيرين لن تكون سهلة، لكن هناك أسباباً تجعل التمسك بها أمراً لا مناص منه. من جهة، يدرك الرئيس الجديد أن للخلاف مع الصين ثمناً اقتصادياً باهظاً نظراً إلى استثمارات بكين الواسعة في إندونيسيا، صاحبة أكبر اقتصاد في جنوب شرقي آسيا الذي سيحتل المركز الثالث عشر من حيث الضخامة على مستوى العالم بحلول 2028. وهو من الحريصين على تعزيز الروابط مع جيرانه، كما تدل تصريحات أطلقها العام الماضي عن "ازدواجية المعايير" لدى الغرب التي اعتبرها متناقضة مع الثقافة الآسيوية التي تقدر الانضباط والإخلاص للمبادئ. وفي الوقت ذاته، هو قومي طموح وله باع طويل في المسائل العسكرية، ما يعني أنه قد يتخذ موقفاً أشد صرامة حيال نشاطات بكين البحرية من دون أن يذهب إلى المدى الذي بلغته الفلبين مثلاً في تصعيدها العلني مع الصين. 
 
ومن جهة أخرى، لا بد له من مواصلة تعزيز الروابط الأمنية مع الولايات المتحدة، التي منعته ذات يوم من دخول أراضيها بسبب انتهاكاته المزعومة. وقد تعاون تعاوناً وثيقاً مع البنتاغون في السنوات الماضية. والبقاء على وئام تام مع واشنطن ضروري لنجاح مساعيه الرامية لجعل إندونيسيا أكثر مناعة وقوة، ولاعباً له دور سياسي واقتصادي أهم على المستوى الإقليمي والعالمي. 
 
لعل الانتخابات في أحد وجوهها هي امتحان لجوكوي أكثر منها اختباراً لبرابوو. وللرئيس سجل مشرف، وإن لم يخلُ من الشوائب. فقد زاد الناتج المحلي الإجمالي في عهده بنسبة 4 في المئة وقام بمشاريع استثمارية ضخمة في البنية التحتية ورفع مستوى الخدمات الصحية وكبح عمليات إزالة الغابات. لكن ما يمكن أن يجري في السنوات الخمس المقبلة، قد يُنسي الإندونيسيين حسنات رئيسهم السابق. 
جوكوي يجازف بسمعته، فقد تطمس أخطاء الرئيس الجديد ونائبه إنجازاته. أما إذا نجحت الرهانات، فستتعزز مكانته المتميزة في القارة وخارجها. 
 


 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية