15-02-2024 | 05:00

التّوتّر... يفوز بانتخابات باكستان!

من يقبل به العسكريون اليوم في باكستان قد يرفضونه غداً، ما منع أياً من رؤسائها من إكمال ولايته. يتبع النظام السياسي أهواء الجنرالات بغض النظر عمن يتسلم السلطة. ومن يضمن لشريف، الذي أخذ يتفاوض مع "حزب الشعب" استعداداً لتشكيل الوزارة التي ستكون الرابعة خلال مسيرته التي بدأت قبل نحو أربعة عقود، أن داعميه لن يرسلوه مرة ثانية إلى منفاه اللندني مثلما فعلوا في ٢٠١٨ أو يرمون به في السجن ليلقى مصير خان؟
التّوتّر... يفوز بانتخابات باكستان!
Smaller Bigger
تم الزج برئيس وزراء باكستان السابق، زعيم حزب "حركة الإنصاف"، عمران خان (72 عاماً)، في السجن بتهم شتى، بما فيها عقد القران بطريقة "غير إسلامية"، حتى صار عليه أن يقضي أكثر من 30 عاماً وراء القضبان. ويبدو أن "جريمته" الحقيقية هي أنه أغضب الجنرالات الذين يقول إنهم سجّانوه. وهؤلاء حكموا البلاد مباشرة مدة تعادل نصف عمرها، ومن وراء ظهر رئيس الوزراء، في نصفه الآخر!
 
لم ينفع قمع "حركة الإنصاف" ولا منع أعضائها من الترشح وتجريدها من رمزها الانتخابي في بلاد يقدر أن نحو 40 في المئة من أبنائها (240 مليون نسمة) أميّون. فأنصار خان خاضوا الانتخابات كمستقلين وفاجأوا الجميع بخطف غالبية الأصوات. ومن أصل 265 مقعداً في "الجمعية الوطنية"، استغرق فرز معظم أصواتها 4 أيام بعد اقتراع 8 شباط (فبراير)، كان نصيب "حركة الإنصاف" 97 مقعداً وتلاها "حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية" بزعامة نواز شريف الذي نال 76 مقعداً ثم "حزب الشعب الباكستاني" بقيادة بيلاوال بوتو زرداري 54 مقعداً. كان الضباط قد وعدوا بعدم التلاعب بالانتخابات، لكن من شبّ على شيء شاب عليه، حسبما يرى مراقبون مستقلون ودول تتصدرها أميركا!
 
والجيش لا يتراجع في معركة كسر الهيبة التي أخذت تنفّر منه أولئك الذين يشاركون في الانتخابات للمرة الأولى. وتفيد تقارير واستطلاعات رأي بأن الشباب الذين ارتفعت نسبة الناخبين منهم من 46 في المئة في انتخابات 2018 إلى 57 في الانتخابات الأخيرة، باتوا يشعرون بالإحباط بسبب سياسات العسكر وأداء الحزبين التقليدين، أو "حزبي الإرث" اللذين تبادلا حكم باكستان. ونجحت رسالة عمران خان المتكررة حول الديموقراطية والحرية وحملة حزبه عبر وسائط التواصل الاجتماعي، في تعبئة الكثيرين ممن بدأوا حياتهم السياسية للتو فكانوا هم من أعطوا "حركة الإنصاف" الأسبقية.
 
هكذا جعل البطش الذي بدا مبالغاً فيه وناجماً عن عداء "شخصي"، خان بطلاً. وقد أكسبته المعاملة التي لقيها على يد الجنرالات، كما يقول، المزيد من الشعبية وكرسته زعيماً. فعندما وصل إلى الحكم في 2018 بدعم من الجيش الذي غضب حينذاك من "حزب الشعب" بقيادة آل بوتو ومن "حزب الرابطة" الذي تزعمه نواز شريف، رئيس الوزراء وقتذاك، اعتُبر مؤسس "حركة الإنصاف" صنيعة العسكر. إلا أن شعبيته المتنامية من دون دعمهم، لا بل على الرغم من عدائه المستفحل معهم، جعلته يكبر بعيون الباكستانيين كقائد جدير بهذه المكانة التي حققها بفضل جهوده هو.
 
هكذا صار خان حقيقة سياسية من الصعب شطبه كرقم صعب في السياسة الباكستانية. بيد أنه تكبد بعض الخسائر. وكان بين أنصاره من رضخوا بسرعة لضغوط الجنرالات وتخلوا عنه قبل اعتقاله في آب (أغسطس) الماضي، ما يثير التساؤل عن طبيعة "حركة الإنصاف" كحزب ومدى ولاء أعضائه لزعيمهم. ومعروف أن عدداً من نوابه، ركبوا الموجة في 2018 نزولاً عند رغبة الاستخبارات التي خيرتهم كما تردد بين الترشح باسم "حركة الإنصاف" أو الانسحاب. لذا لا يستبعد أن يكون بينهم من بدأ سلفاً يرتمي في أحضان "حزب الرابطة الإسلامية" الذي ترجح كفته في ميزان القوى. غير أن هذا التحول قد يفيد خان وحزبه على المدى الطويل لأنه يخلصهما من عناصر "موقتة" تبحث عن مصلحتها أكثر من أي شيء آخر.
 
والحقيقة أن من يقبل به العسكريون اليوم في باكستان قد يرفضونه غداً، ما منع أياً من رؤسائها من إكمال ولايته. يتبع النظام السياسي أهواء الجنرالات بغض النظر عمن يتسلم السلطة. ومن يضمن لشريف، الذي أخذ يتفاوض مع "حزب الشعب" استعداداً لتشكيل الوزارة التي ستكون الرابعة خلال مسيرته التي بدأت قبل نحو أربعة عقود، أن داعميه لن يرسلوه مرة ثانية إلى منفاه اللندني مثلما فعلوا في 2018 أو يرمون به في السجن ليلقى مصير خان؟
وأياً كان موقف قائد "حزب الرابطة الإسلامية"، فاقتصاد باكستان لا يقبل أنصاف الحلول حالياً. وإذا بقيت البلاد تتأرجح على حافة الهاوية فستتفاقم صعوباتها الاقتصادية التي باتت سلفاً أكبر من أن تحلها إسلام آباد من دون "أُعطيات" دول عربية سخية انتشلتها سابقاً من مستنقع الإفلاس. 
 
والتحدي الاقتصادي هو الأكبر بالنسبة إلى الحكومة المقبلة. وصل التضخم إلى 50 في المئة بالنسبة إلى المواد الغذائية. كما انخفضت قيمة التحويلات النقدية من مغتربين باكستانيين من 31 مليار دولار إلى 22 مليار دولار في العام. ويعتقد أن احتياطي البلاد النقدي لا يتجاوز 8 مليارات دولار مع أن عليها أن تقوم بتسديد ما مجموعه 14 مليار دولار من الأقساط عن الفترة بين كانون الثاني (يناير) وكانون الأول (ديسمبر) من هذا العام!
 
من الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه التطورات أن الجيش الآمر الناهي في البلاد عاجز عن الهيمنة على الانتخابات وتقرير نتائجها كما يشاء، دوماً. لكن قادته لا يستطيعون أن يملوا على شريحة الشباب خصوصاً، خياراتهم الانتخابية. مع ذلك، ربما لا مجال للفوز من دون مباركة الضباط، فالفائز ليس هو من يحصل على العدد الأكبر من الأصوات، بل من يحظى بدعم العسكر. 
 
إلا أن هذا الفوز، في بعض جوانبه كأس مسمومة. فهو عبء ينوء القادة بحمله. وتكفي الصعوبات الاقتصادية وحدها لجعل رئيس الوزراء الجديد يشعر بالقلق. ولن يرى صندوق النقد الدولي في الاضطرابات التي يتسع نطاقها بسبب خيبة الأمل التي يشعر بها أنصار عمران خان وقد رأوا الفوز يُنتزع من بين أيديهم، ما يشجعه على إمداد باكستان بما تحتاجه للوقوف على قدميها. وأعمال الشغب هي أشبه بقمة جبل الجليد الأمني الذي ينذر بالخطر هو الآخر، مع تحرك الانفصاليين من جهة و"طالبان" أفغانستان من جهة ثانية، علاوة على إيران التي قد تسبب لجيرانها بعض الصداع مثلما فعلت أخيراً.
 
إن الفجوة بين النخب الحاكمة والشعب آخذة بالاتساع وسط حالة الغموض الناجمة عن عدم فوز أي حزب بالأغلبية (134 من أصل 366 مقعداً منها 70 مخصصة للنساء والأقليات)، فيما يتأجج العنف في الشوارع. وتعول البلاد الآن على رجال أغوتهم السلطة في الماضي ولم يستطيعوا ترويضها والمضي بالبلاد إلى الأمام. أما السياسي الأكثر شعبية، فيئن في زنزانته، بينما تتردد مخاوف من محاولة تصفيته على يد عسكريين اتهمهم سابقاً بتدبير عمليات اغتيال فاشلة له. هذه كلها تشكل وصفة مثالية لتطورات مقلقة، ما يجعل التوتر المتفاقم هو الفائز في الانتخابات الأخيرة! 
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية