خيّم طيف المحامي والمناضل اليساري شكري بلعيد على الأحداث في تونس الأسبوع الماضي، وذلك لمناسبة الذكرى الحادية عشرة لاغتياله.
بقيت ذكرى اغتياله جرحاً غائراً في ذاكرة التونسيين. يسألون بعضهم بعضاً أين كانوا عندما بلغهم خبر اغتيال بلعيد صباح يوم 6 شباط (فبراير) 2013، تقريباً مثلما بقي الأميركيون لعقود يسألون بعضهم بعضاً أين كانوا عندما علموا بمقتل الرئيس جون كينيدي سنة 1963.
كانت الصدمة التي تلقاها التونسيون شديدة عندما أعلنت نشرات الأخبار الإذاعية ذاك الصباح منذ 11 عاماً مقتل بلعيد بعد إطلاق النار عليه من قبل مجهولين عندما كان يهم بالخروج من منزله وامتطاء متن سيارته. توفي بلعيد بعدها بفترة وجيزة بعد نقله إلى مصحة مجاورة.
اغتيل بلعيد ومن بعده اغتيل القيادي القومي وعضو البرلمان محمد البراهمي، خلال شهر تموز (يوليو) من السنة نفسها.
كاد اغتيال بلعيد والبراهمي يدفع البلاد نحو حرب أهلية. أجج الاغتيالان الاستقطاب الحاد بين الإسلاميين والعلمانيين، وتوسعت الاحتجاجات والاعتصامات على خلفية المطالبة باستقالة تحالف الترويكا الحاكم آنذاك، والذي كان يضم إضافة إلى إسلاميّي "حركة النهضة"، "حزب التكتل" و"حزب المؤتمر من أجل الجمهورية".
كانت البلاد لأشهر طويلة سائرة نحو المجهول. أنقذتها لحظة نادرة من الوعي الجماعي بالخطر الداهم جعلت الطبقة السياسية تخطو خطوة إلى الوراء بعدما كانت على شفا صدام غير محسوب العواقب. اختفى شبح المواجهة عندما وافق الإسلاميون تحت ضغط الشارع والمعارضة على التنازل عن السلطة وتنظيم انتخابات جديدة حملت الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي إلى قصر قرطاج. تحقق ذلك بعد حوار بين الفاعلين السياسيين، نال من أجله أطراف المجتمع المدني المشاركون جائزة نوبل للسلام سنة 2015.
لكن حالة الاستقطاب والريبة لم تضمحل رغم سياسة "التوافق" التي اتبعها قايد السبسي مع الإسلاميين على مدى سنوات بعد 2013. وفي ظل كل الحكومات المتعاقبة بقيت جملة من الأسئلة تتردد على الألسن، وإن وعد الجميع بإماطة اللثام عن ملابسات الجريمتين: من قتل بلعيد والبراهمي ومن خطط لذلك ومن أعطى الأمر ومن كانت له مصلحة في الاغتيالين؟
إلى اليوم ما زال القضاء منكباً على تحديد المسؤوليات القانونية ومحاسبة المتهمين. وللمرة الأولى هذا العام، قال المحامون في القضية إن هناك مؤشرات إلى تقدم مسار مقاضاة المتهمين، وذلك رغم تشتت التحقيق وتفرعه إلى جملة من القضايا المنفصلة تشمل مسؤولين سياسيين وأمنين وقضائيين، بالإضافة إلى المتورطين في التنفيذ وهم من المرتبطين بتنظيم “أنصار الشريعة" المصنف تنظيماً إرهابياً منذ سنة 2013. ساهم تشتت القضايا في إرباك مجرى التتبعات.
تعقدت القضايا نتيجة التصرفات غير المفهومة للهيئات القضائية التي اضطلعت بالتحقيق سابقاً، وبعد جملة من التطورات من بينها مقتل كمال القضقاضي — أحد أبرز المتهمين بالضلوع في اغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي — وذلك خلال اشتباك لقوات الأمن سنة 2014 مع مجموعة من المتطرفين المنتمين إلى تنظيم "أنصار الشريعة".
وما عقّد الأمور أيضاً تداخل البعدين السياسي والقانوني في القضايا المعروضة على القضاء. من ذلك أن هيئة الدفاع في قضية اغتيال شكري بلعيد وجهت إصبع الاتهام إلى "حركة النهضة" مباشرة. وتحدثت هذه الهيئة عن "تنظيم سري" مرتبط بالحركة. وهو ما نفته الحركة.
وفي الجانب القريب من المعسكر الإسلامي في المشهد السياسي، اتهم البعض أطرافاً خارجيين من بين "أعداء الربيع العربي" والمعترضين على مشاركة الإسلاميين في الحكم. لكن هذه الاتهامات لم تسندها أبداً قرائن ملموسة.
يسعى القضاء اليوم إلى الفصل في كل القضايا المرتبطة بالاغتيالات، بغض النظر عن خطورة التداعيات السياسية المحتملة للموضوع. وتبقى الأجهزة القضائية في نهاية المطاف الوحيدة المؤهلة لتحديد المسؤوليات القانونية، وذلك بتأكيد التهم والشبهات المتعلقة بضلوع أي طرف في الأحداث أو نفيها. وهو مسار لا يزال طويلاً ولا بد له من أن يبقى بعيداً من المؤثرات السياسية.
هذا لا يمنع من أن يستمر النقاش موازياً في المسؤولية السياسية في أحداث الاغتيال. بقي هذا النقاش مفتوحاً داخل الطبقة السياسية التي تواصل الخوض في دوافع هذه الأحداث الدموية وأهداف المتورطين فيها.
يقول البعض إن من اغتال شكري بلعيد والبراهمي سنة 2013 كان ينشد إفشال الانتقال الديموقراطي. وهناك أيضاً من يقول إن من تورط في الاغتيالات كان يسعى لإقصاء غرمائه الأيديولوجيين من الركح السياسي.
مهما كانت التأويلات فإنه لا جدال في أن ظروفاً موضوعية نشأت بعد 2011 وساهمت في خلق جو ملائم للعنف والاغتيالات.
كان من المفروض أن تحرص السلطة الحاكمة خلال السنوات الأولى بعد سقوط نظام بن علي على مسك الوضع الأمني بجدية أكبر. ولكن تحالف الترويكا لم يكن في الواقع جاهزاً للحكم ولا واعياً بمتطلباته، وفي مقدمتها توفير الأمن والاستقرار في البلاد.
وفي خضم الشعارات الثورية والتجاذبات السياسية والأيديولوجية، غاب عن الماسكين بمقاليد السلطة أن من أول متطلبات الانتقال الديموقراطي الحرص على حماية قيادات المعارضة قبل غيرها.
ومن الواضح اليوم أن أطراف التحالف الحاكم سنة 2013 بقيادة "حركة النهضة" لم تكن واعية بدقة هذه المسؤولية، ولم تقدم إلى اليوم نقدها الذاتي بهذا الخصوص.
كان التراخي في مواجهة مؤشرات العنف السياسي سائداً. فقبل بلعيد والبراهمي قتل لطفي نقض رئيس الاتحاد المحلي للفلاحين والقيادي في حزب حركة "نداء تونس" في مدينة تطاوين (جنوب تونس)، في تشرين الأول (أكتوبر) 2012.
توفي نقض بعد الاعتداء عليه من عناصر من روابط "حماية الثورة" المحسوبة سياسياً على "حركة النهضة". ولم يفصل القضاء في هذه القضية إلا سنة 2021.
وكانت السلطات تعرف أن بلعيد محل تهديد ولم تتحرك في الإبان لحمايته. بل هي تلقت أيضاً مراسلة من استخبارات أجنبية تنبهها إلى تهديد يواجه البراهمي. ولكنها مع ذلك لم توفر له الحماية اللازمة.
ساهمت الإخلالات الأمنية، من دون شك، في حدوث الاغتيالات. وهي الإخلالات نفسها التي رافقت تسفير مئات الشباب الذين تم استقطابهم وإرسالهم من قبل التنظيمات الجهادية إلى نار المحرقة في سوريا مروراً، في بعض الأحيان، بمعسكرات التدريب في ليبيا. كما ساهمت الأجواء العامة في توسع الأنشطة الإرهابية للتنظيمات الجهادية إلى حدود 2016 في تونس، وإراقة دماء الكثيرين من أبناء المؤسستين الأمنية والعسكرية والمدنيين الأبرياء. وكادت الأحداث الإرهابية تدمر الاقتصاد التونسي باستهدافها قطاع السياحة.
عموماً تساهلت السلطة مع التهديدات التي كان يشكلها المتطرفون الدينيون في سعيهم لفرض نمط حكم ونموذج مجتمعي جديدين لا مكان فيهما لمناوئيهم من العلمانيين.
تساهلت لفترة طويلة مع الحركات السلفية بجناحيها الدعوي والجهادي — بما في ذلك تنظيم "أنصار الشريعة" — ومع ممارسات العنف التي كانت تمارسها منظومة "روابط حماية الثورة" تحت غطاء العمل الجمعياتي.
كان من المفروض أن يكون أصحاب القرار السياسي في ذلك الوقت واعين بأن الديموقراطية لا يمكن أن تنمو في جو يسوده انعدام الأمن. لكنهم سهوا عن ذلك مثلما سهوا عن أن التجربة الديموقراطية الناشئة لا يمكن أن تستقر أو تزدهر من دون استتباب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
من غفل بالأمس، لمّا كانت بيديه مقاليد السلطة، عن هذين الشرطين الأساسيين للبناء الديموقراطي، لا يمكنه اليوم أن يعلق مسؤولية فشل التجربة على عاتق غيره أو أن يتنصل من الإقرار بإخلالاته في الحكم.
جرائم القتل السياسي تنْحتُ تاريخ الشعوب. وقد ساهمت الاغتيالات في توحيد التونسيين ضد الاحتلال الفرنسي وأضحت جزءاً من الذاكرة الجماعية. من بينها اغتيال الزعيمين الوطنيين فرحات حشاد والهادي شاكر سنة 1952 على أيدي المستعمر. اغتيالهما واغتيال مناضلين آخرين من أجل الحرية ساهم في تأجيج انتفاضات التونسيين ضد الاحتلال وصولاً إلى الاستقلال.
ولكن الاغتيالات السياسية من شأنها أيضاً أن تجسّد الانقسامات والصراعات السياسية والعقائدية وتعمّقها. وقد كان اغتيال المناضل صالح بن يوسف في فرانكفورت سنة 1962 جزءاً من صراع دامٍ كلّف تونس الكثير، بين هذا الأخير والزعيم الراحل الحبيب بورقيبة. وما زال هذا الملف مفتوحاً إلى اليوم في أذهان البعض. ولكنه أغلق في أذهان الأغلبية بعدما تجلت معظم ملابساته.
أما اغتيال بلعيد والبراهمي منذ 11 عاماً فقد شكّل منعرجاً لا مثيل له في الحياة السياسية منذ الاستقلال، هز أركان عملية للانتقال الديموقراطي التي أرادها التونسيون سلمية فلم تكن مع الأسف كذلك.
يشعر التونسيون هذه الأيام بأنهم في حاجة إلى معرفة الحقيقة كاملة حول اغتيال هذين المعارضين سنة 2013.
يحتاجون اليوم إلى معرفة، ليس فقط من أطلق الرصاص، بل أيضاً من خطّط ومن اتخذ القرار، وذلك حتى يستعيدوا ثقتهم بالقدرة على العيش المشترك ويخرج الجميع من دوامة الشكوك والاتهامات التي كادت تعصف بالمشهد السياسي يوماً وما زالت تراودهم إلى الآن.
وبإحيائهم كل عام ذكرى اغتيال بلعيد والبراهمي، يبعثون رسالة بأن لا مكان للعنف والإرهاب في البيت السياسي إذا كان يراد لهذا البيت أن يسع الجميع.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض