أخطاء "مسح الأراضي" تفجّر النزاعات في المحاكم الجزائرية
تفيد الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم المدنية الجزائرية، أنّ عمليات "مسح الأراضي" التي تمّت بشكل فوضوي، بدءاً من السنوات الأولى للاستقلال ومروراً بفترة تسعينات القرن الماضي حتى الآن، لا تزال تشل بؤرة النزاعات التي تنشب بين المواطنين،
رغم موافقة المجلس الشعبي الوطني الجزائري مؤخّراً على مشروع قانون جديد خاص بالمسح العام للأراضي وتأسيس السجل العقاري، فإنّه من غير المنتظر أن يتمّ القضاء في المدى المنظور على المشكلة الخطيرة التي تتمثل في النزاعات على الأملاك، وهي كثيراً ما كانت تقضي على انسجام العلاقات الاجتماعية في المجتمع الجزائري.
تفيد الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم المدنية الجزائرية، أنّ عمليات "مسح الأراضي" التي تمّت بشكل فوضوي، بدءاً من السنوات الأولى للاستقلال ومروراً بفترة تسعينات القرن الماضي حتى الآن، لا تزال تشل بؤرة النزاعات التي تنشب بين المواطنين، وتؤدي بهم إلى رفع الدعاوى في المحاكم بشكل دائم.
وفي الحقيقة، فإنّ المسؤول الأول عن هذه الأخطاء القاتلة هي الحكومة التي عجزت عن تفعيل القوانين المناسبة التي كان ينبغي أن تطبّقها على مستوى المحافظات العقارية عبر الوطن، بالتزامن مع القيام بمسح الأراضي، خصوصاً في الأرياف التي تشكّل نسبة 70 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة والفلاحة عبر القطر الجزائري.
ومن الواضح أنّ مشكلة تسوية مثل هذه النزاعات عن طريق المحاكم تصطدم في المجتمع الجزائري باستمرار، بعراقيل عدة، بعضها بسبب تغليب كفَّة "العرف" الشعبي الفضفاض على القانون الصارم والواضح، الذي يفترض أن يضبط الملكية حيناً، وحيناً آخر جرّاء غياب التنسيق العملي بين الوزارات المعنية وبين المحافظات العقارية والبلديات والمحاكم، ومختلف الجهات المسؤولة عن تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم المدنية.
وفي الواقع، فإنّ الجزائر لم تستطع حتى الآن أن تصفّي ما تبقّى من ذيول الإرث البدائي والإقطاعي في البلاد، وهو الأمر الذي ما فتئ يحول دون انتقال المجتمع الجزائري التقليدي إلى طور المجتمع العصري الذي يحكمه القانون المطبّق على الجميع.
في هذا السياق، يرى متخصصون في مجال ضبط الأملاك العمومية والخاصة في الفضاء الجزائري، أنّ هذه الأخطاء الهدَّامة قد ارتكبها أعضاء الفرق المكلّفين بالقيام بعمليات مسح الأراضي ورقمنتها رسمياً في سجلات المحافظات العقارية عبر البلديات والدوائر والمحافظات، لأسباب كثيرة، منها عدم انتباه المسؤولين في أجهزة الدولة إلى عدم تمتع هؤلاء بالتكوين المطلوب في مجال مسح وتسجيل الأراضي وفقاً للقانون، وجرّاء تواطؤ بعضهم مع الذين ادّعوا ملكية الأراضي وما عليها بغير حق. وقد فاقم ذلك عدم تكليف الوزارات المسؤولة عن أملاك الشعب والدولة معاً، مفتشين متخصصين في رقابة عمليات مسح الأراضي، بواسطة إجراء التحقيقات الميدانية الجادة، للتأكّد من الأشخاص الحقيقيين المالكين لهذه الأراضي.
وفي الواقع، فإنّ مشكلة فوضى "مسح الأراضي" قد تفاقمت أكثر، عندما سجّل هؤلاء هذا العقار أو ذاك بأسماء أشخاص ليست لهم صلة به، ومع الأسف فقد حدث ذلك على أساس شهادات شهود الزور الذين استخدمهم الأشخاص المنتحلون صفة صاحب الملكية.
وفي هذا الخصوص، أكّد الخبير الجزائري في مسح الأراضي، حويذق عثمان، في تصريح مكتوب ومنشور، شخَّص فيه سلاسل الأخطاء المرتكبة أثناء وبعد انطلاق عمليات مسح الأراضي الريفية عبر القطر الجزائري، كما يلي: "لقد واجهت عملية إعداد مسح الأراضي العام في الجزائر عراقيل عدة، منها قلّة الإمكانات المادية ونقص الإطارات التقنية المؤهّلة، إضافة إلى الظروف الأمنية التي مرّت فيها بلادنا خلال تسعينات القرن الماضي، وهو الأمر الذي نتج منه تأخّر إتمام العملية من جهة، وعدم دقّتها وفعاليتها من جهة أخرى، ويتجلّى ذلك من خلال تسجيل عدد كبير من العقارات في حساب المجهول، وهذا يتنافى والغرض الأساسي من عملية مسح الأراضي".
لقد لاحظ هذا الخبير أيضاً، أنّ محاولات تصحيح الأخطاء الفادحة المرتكبة التي قامت بها بعد ذلك مؤسسة أملاك الدولة ومكاتب التسيير العقاري، لم تقض نهائياً على هذه الآفة الخطيرة. وفي هذا الخصوص قال: "إنّه ونتيجة لهذه الوضعية تدخّلت المديرية العامة للأملاك الوطنية لمرات عدة لتبيان كيفية تسوية وضعية هذه العقارات وتطهيرها من حساب المجهول، إلاّ أنّ هذه التعليمات والمذكرات تبقى غير كافية، ما اضطر العديد من الحائزين والملّاك للجوء إلى القضاء لتسوية وضعية عقاراتهم".
وفي اتصال مع خبير آخر في مجال التسويات العقارية طلب عدم ذكر اسمه، وكان قد واكب سابقاً عمليات مسح الأراضي في الأرياف والمدن في تسعينات القرن الماضي، أكّد لنا أنّ عمليات انتحال صفة ملّاك الأراضي في المجتمع الجزائري قد تمّت ولا تزال تتمّ بواسطة التحايل وبطرق أخرى مختلفة منها، مثلاً، استخدام المنتحلين المزيفين آلية الرشى، أو استغلال غياب الآلاف من إخوانهم أو أخواتهم أو آبائهم أو أعمامهم المهاجرين المقيمين في المهجر الفرنسي بصفة دائمة أو في بلدان أجنبية أخرى، فادّعوا أثناء تنفيذ أعضاء الفِرق المكلّفين بمسح الأراضي أنّهم أًصحاب تلك الأراضي، وعند فضح تلك اللعبة الخبيثة انتهى السيناريو برفع المتضررين الشكاوي في المحاكم حيناً، أو بلجوء بعضهم إلى استخدام القوة، الأمر الذي تسبّب في تحطيم صلات الرحم، وانتشار العداوة في النسيج العائلي... وهلّم جرَّا.
وإضافة إلى ما تقدّم، فإنّ الدولة الجزائرية لم تعالج قضية أملاك المنفيين الجزائريين، الذين تعرّضوا لأبشع عمليات اقتلاع جذورهم من وطنهم مباشرة بعد استتباب الاحتلال الفرنسي في الجزائر في القرن التاسع عشر. ففي أكثر من مناسبة، اشتكى عدد كبير من أبناء هؤلاء المنفيين المقيمين حالياً في الجزر النائية في المحيطات مثل "كالدونيا الجديدة" ومستعمرة فرنسا "كيان" في أميركا الجنوبية، من عدم حماية أملاك جدودهم المنفيين الذي يُعدّون من شهداء الجزائر.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض