10-02-2024 | 05:00

ومن يعتني بعبلة...

الجنوبي. كان الكتاب، حرفياً، "باين من عنوانه"، فهي سيرة ذاك الصعيدي الشهم الذي سرقه المرض مبكراً، وحرمنا شعره الموزون بالكرامة والإباء: أمل دنقل. ​
ومن يعتني بعبلة...
Smaller Bigger
الجنوبي. كان الكتاب، حرفياً، "باين من عنوانه"، فهي سيرة ذاك الصعيدي الشهم الذي سرقه المرض مبكراً، وحرمنا شعره الموزون بالكرامة والإباء: أمل دنقل.
 
كان لا بدّ –بطبيعة الحال- أن ينصّب تركيز عبلة الرويني، زوجة دنقل، على نقل تجربته في "الغرفة رقم 8"، فهي تكشف، مثلاً، حزنه الشديد حين أخبره الطبيب بانتشار السرطان، وترصد الدموع في عينيه، وتترجم لنا صمته، فهو خوف. تخبرنا مثلاً أيضاً، أنّه لم ينم لشدة القلق في الليلة التي سبقت بدء العلاج، وتصوّر لنا عجزه عن السير إلى معهد الأورام، واستناده بضعف على الأحجار والسيارات.
أحيانا، "تتكرّم" علينا الرويني بشذراتٍ من جانبها من الحكاية، مثل وصفها لفزعها الشديد في بداية رحلة العلاج من كل شيءٍ في المعهد، "كان مجرد كشف الطبيب يبكيني. حقنة الغلوكوز، مصل الدماء. أجهزة الأشعة الضخمة تصيبني بالرعب".
 
ولكنها كثيراً ما بدا وأنّها انسلخت من نفسها، واتّحدت مع المريض في كيان واحد لا عبلة فيه، فهو أمل فحسب، ولهذا نجدها، مثلاً، تكتب من عقر جسدها السليم المعافى "السرطان الذي هاجمنا"، "السرطان سيعاودنا دائماً"، "صار السرطان صديقنا!".
 
مرّت سنوات منذ أن قرأت "الجنوبي"، ولكني ما انفككت أفكّر في كل عبلة من حولي "انصهرت" في "أملها" بدافع الظروف العصيبة. ونحن عموماً من ثقافة مشرقية تمجّد إلى أقصى حدّ التضحية بالنفس، وإفناء الذات، ونذر الحال والمال وراحة البال والسعادة والصحة للاعتناء بمن نحب، فأغلبنا يعرف قصصاً من محيطه القريب لأمهات على سبيل المثال، سخّرن عقوداً من أعمارهن لرعاية أبناء مرضى، من دون أن يحصلن على يوم من الإجازة، أو شاهد الاحتفاء الشعبي الواسع –مثلاً- بمن يحملون آباءهم على أكتافهم، ويقضون بهم مناسك الحج بالغة المشقة.
 
إنّه الواجب، والذي يصبح منتظراً أصلاً حينما يتعيّن على المرأة على وجه الخصوص أن تُقدم على التضحية وإفناء الذات.
 
وأمام هذه الأعباء والتوقعات، أتفطن دائماً إلى أنّ ثمة فراغاً شاسعاً في عالمنا العربي لم يُملأ بعد بقصص وتجارب واعترافات ومخاوف وحسرات وإحباطات وتقلّبات مقدّمي الرعاية. من يتحدث بلسانهم؟ من ينقل صوتهم؟ من يسلّط عليهم الضوء لئلا تبتلعهم ظلمات الانطفاء؟.
 
أسأل نفسي باستمرار، "من اعتنى بعبلة إذاً؟"، وأفتّش -لا شعورياً- عن انعكاسات مرض أمل عليها، مثلما أفتش عنه –مثلاً- في كل ابنةٍ هجرت وظيفتها لتعتني بوالدةٍ استبدّت بها الشيخوخة.
 
أتساءل: لماذا لم "نسلّم المايكروفون" بعد إلى مقدّمي الرعاية، بإنسانيتهم وضعفهم وإنهاكهم وغضبهم ورغبتهم في الاستسلام؟ هل لأننا نخشى تخدّش صورتهم الوهمية كأبطال خارقين، فنخشى بأن نضطر إلى تكلّف عناء التعاطف معهم، وتقديرهم حق قدرهم؟ أم لأننا ما زلنا نعتبر تدوين كل ما عدا أنّات المريض وآهاته أنانية مرفوضة؟.
 
حان الوقت لأن تسرد عبلة، وكل من يتشاركون مأساتها، سِيَرهم المنفصلة عن سِيَر "الجنوبيين" في حياتهم. وكلنا آذان صاغية.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية