العقاب والثّواب
من الأكيد أن هناك عملا إضافيا يمكن للسلطات التونسية بذله في الخارج. ولكنها تواجه في ذلك تحديا مزدوجا. أول جوانب هذا التحدي هو غياب الرؤية الواضحة لديها للإصلاح الجوهري البعيد الأمد لاقتصاد البلاد. وثاني جانب لهذا التحدي هو نظر أوروبا إلى ظروف تونس من منظور ضيق يتمثل في الخوف من الهجرة غير النظامية أو الرغبة في استعمال ورقة القروض كوسيلة ضغط من أجل التأثير في السياسات التي يتبعها نظام الحكم.
لم يتوقف الجدل في تونس منذ أعلنت إحدى وكالات الأنباء الأجنبية، نقلاً عن نواب في البرلمان، نية الحكومة طلب قرض مباشر من البنك المركزي التونسي بقيمة 2,2 مليار دولار.
استغرب البعض، قبل مناقشة الموضوع ذاته، حصول وسيلة إعلام أجنبية على سبق الإعلان عن الخبر قبل الصحافة التونسية.
المفاجأة ساهمت في خلقها في الواقع السرديات الرسمية قبل هذا الإعلان. كانت هذه السرديات مطمئنة جداً بخصوص قدرة السلطات على معالجة ملف الديون. لم يكن أحد يتوقع لجوء الحكومة إلى اقتراض هذا المبلغ المرتفع نسبياً من البنك المركزي.
أوضحت الدوائر الرسمية بعد ذلك أن البرلمان سوف يصوّت خلال الأيام المقبلة على مشروع قانون عاجل يرخّص للبنك المركزي التونسي، "بصفة استثنائية"، بمنح خزانة الدولة المبلغ المطلوب من أجل تمويل "جزء من عجز موازنة الدولة لسنة 2024". قالت المصادر إن القرض سيكون بلا فوائد وسيتم تسديده على مدى عشر سنوات مع فترة إمهال ثلاثة أعوام.
جاءت مبادرة الحكومة نتيجة لتضافر جملة من العوامل، أولها تراكم الديون الخارجية منذ 2011. وهذا العام فقط سوف تحتاج تونس على سبيل المثال لتسديد نحو 4 مليارات دولار من القروض التي كانت قد حصلت عليها من الخارج خلال الأعوام الماضية، ولديها قرض بقيمة 850 أورو سوف يحين أجل تسديده الشهر الجاري.
ونسبت وسائل الإعلام إلى وزيرة المالية سهام البوغديري تصريحها أمام إحدى لجان البرلمان بأن الدولة سوف تسدد خلال سنة 2024 نحو 25,7 مليار دينار (8,2 مليارات دولار) بعنوان خدمة الدين من بينها 7,1 مليارات دينار (2,2 مليار دولار) خلال الثلاثي الأول من السنة الحالية.
ما يخشاه الخبراء هو أن تتكرر طلبات الاقتراض من البنك المركزي. مع العلم أن الدولة كانت قد حصلت على قرض استثنائي سابق من البنك المركزي التونسي بقيمة 320 مليون دولار تقريباً سنة 2020.
ويتخوف الكثيرون من أن يمهّد الطلب الحالي إلى إنهاء استقلالية البنك في علاقته بالسلطة التنفيذية، ما قد يفاقم مخاطر التضخم ويتسبب في تدني قيمة الدينار في عمليات الصرف.
ولم تبق للدولة خيارات عديدة على صعيد الحصول على التمويلات التي تحتاجها لتسديد الديون المستحقة اعتباراً لتقلص إمكانات الاقتراض من الخارج أو من السوق المالية في الداخل. وذلك هو لبّ الموضوع وجوهر المأزق.
ويخشى الخبراء أن يؤدي الاقتراض من البنك المركزي إلى خروج مستوى التضخم عن السيطرة، بعدما بقي إلى حد الآن في مستوى معقول، بل بدأ يتراجع خلال السنة الأخيرة، ويخشون أن تفقد العملة التونسية من قيمتها، بخاصة إذا ما تكرر اللجوء إلى التمويل المباشر خلال السنوات المقبلة.
ما قد يقلل من مخاطر التضخم في المرحلة الحالية بحسب بعض الخبراء أن الاقتراض سيتم على الأرجح بالعملة الصعبة وسوف يستخدم لخلاص الديون الخارجية، ولن يتم بالتالي ضخّه في الداخل لتلبية حاجيات استهلاكية أو دفع أجور.
ولكن تسديد البنك المركزي للقرض المطلوب من الدولة سوف يخفّض من مخزون العملة الصعبة الذي يقدر حالياً بنحو 118 يوم توريد. وقد يكون له انعكاس على معدلات صرف العملة. غير أنه ليس هناك خطر يواجه احتياطي العملة في المستقبل القريب نتيجة الانتعاشة التي حققتها السياحة وزيادة التحويلات من التونسيين في المهجر، والتي عزّزت هذا الاحتياطي إلى حد الآن.
وأظهر الجدل حول نية السلطات الاقتراض من البنك المركزي أن ملف الاقتصاد يعود دوماً إلى الواجهة حتى إن حاول تغييبه الساسة، مثلما فعلوا منذ أكثر من عقد.
وتجد البلاد نفسها مضطرة الآن لدفع فاتورة الاعتماد المفرط وبلا حساب على الاقتراض من قبل الحكومات المتعاقبة بعد سنة 2011.
عاد الاقتصاد بأرقام لا يفهمها المواطن العادي التائه أصلاً بين الألف والمليون والمليار في تقديره لكلفة الأشياء. ولكنها أرقام تقنعه بضخامة التحديات المالية التي تواجهها بلاده.
هذه التحديات تتعلق بتوازنات مالية مفقودة تهدّد بتدهور المستوى المعيشي للمواطن، بنسق قد يخرج عن السيطرة ويمس سمعة البلاد إذا ما تم تجاهلها.
يكمن أصل المشكل في انسداد آفاق الاقتراض من الخارج. تدحرجت كرة الثلج منذ تردي المفاوضات منذ عامين مع صندوق النقد الدولي في طريق مسدود، وتدهور تصنيف تونس من قبل الوكالات المختصة. وأصبح من الصعب بالنسبة إلى البلاد دخول السوق المالية الدولية بشروط معقولة أو إبرام اتفاقيات قروض ثنائية أو متعددة الأطراف.
وفاقمت الوضع خلال السنوات الأخيرة مزاحمة الدولة مزاحمة نشطة للقطاع الخاص في الاقتراض من البنوك المحلية، ما أسفر عنه ضمور في التمويل البنكي الموجه لهذا القطاع الذي يعد المحرك الرئيسي للاقتصاد وخلق مواطن الشغل.
ينحي البعض باللوم على "الدبلوماسية المالية" لتونس، وعدم تمكن السلطات من إقناع الشركاء التقليديين للبلاد بمنح تونس قروضاً بشروط ميسرة.
من الأكيد أن هناك عملاً إضافياً يمكن للسلطات التونسية بذله في الخارج. ولكنها تواجه في ذلك تحدياً مزدوجاً. أول جوانب هذا التحدي هو غياب الرؤية الواضحة لديها للإصلاح الجوهري البعيد الأمد لاقتصاد البلاد. وثاني جانب لهذا التحدي هو نظر أوروبا إلى ظروف تونس من منظور ضيق يتمثل في الخوف من الهجرة غير النظامية أو الرغبة في استعمال ورقة القروض كوسيلة ضغط من أجل التأثير في السياسات التي يتبعها نظام الحكم.
ورافق التداين ركود نسبة النمو الاقتصادي نتيجة عوامل عدة، بعضها ظرفي وغير متوقع والبعض الآخر كان نتيجة السياسات المتبعة منذ 2011، والتي كانت نتيجتها في نهاية المطاف تسجيل نسبة نمو تقل في المعدل عن 1 في المئة خلال كل هذه الأعوام.
كانت هناك الظروف المناخية الناتجة من الجفاف والحرب في أوكرانيا والتي اضطرت السلطات لاستيراد معظم احتياجاتها من المنتجات الغذائية الأساسية من الخارج وبأسعار مرتفعة، وذلك خلال فترة كان الاقتصاد فيها يسترجع أنفاسه بعد جائحة كوفيد.
كذلك تأثر النمو الاقتصادي سلباً خلال السنوات 13 الأخيرة من تراجع الاستثمارات الداخلية والخارجية وتدهور الإنتاج والتصدير في قطاعات مثل الفوسفاط، وحدوث أعمال إرهابية كادت تقوّض النشاط السياحي والأنشطة المرتبطة به.
ولكن العامل الأساسي هو أن حكومات ما بعد 2011 لم تبد اهتماماً حقيقياًَ بقضايا التنمية والإصلاح الاقتصادي. انشغلت بالمناكفات والمناورات السياسية لضمان مواقعها خلال فترة "الانتقال الديموقراطي"، وأصبح الحفاظ على التوازنات المالية بالنسبة إليها مسألة ثانوية مقارنة باندفاعها نحو زيادة الإنفاق العمومي بلا قيود استجابة للحركات الاحتجاجية وللرغبة في المحاباة السياسية والحزبية.
من الأكيد أن بعض المشاكل ورثتها هذه الحكومات ممن سبقوها إبان نظام حكم بن علي، الذي لم يوفّق في ملاءمة منظومة التعليم مع حاجيات سوق الشغل (وما انجر عن ذلك من زيادة أعداد متخرّجي الجامعات العاطلين من العمل). ولم ينجح في إيجاد حلول لعديد المشاكل الهيكلية الأخرى مثل اختلال الموازنات المالية للمؤسسات الحكومية أو القيود البيروقراطية للإدارة.
لكن ما يلفت النظر هذه الأيام في تونس هو إجماع الخبراء المحليين والأجانب على الفرق الشاسع بين السياسات المالية التي اتبعها التكنوقراط قبل انهيار حكم بن علي وبعده. بعكس ما حصل بعد سقوط النظام السابق، حافظت الدولة قبل 2011 على أهم التوازنات المالية وتجنبت الوقوع بين فكي كماشة التداين المفرط والركود الاقتصادي.
الدرس الأساسي من هذه المقارنة بين العهدين هو أن الحوكمة الاقتصادية والمالية الناجعة كانت ضرورة تهاون بها من حكموا البلاد بعد 2011، عندما تخلوا عن اتباع سياسات براغماتية حازمة وانضباط في التصرف، ما أدى بالوضع المالي إلى ما هو عليه اليوم. بقيت إمكانات البلاد تقريباً هي نفسها بين الفترتين لكن هامش التحرك ضاق تدريجياً بمرور الزمن بعدما زاغت الحوكمة المالية عن المسار الصحيح.
اليوم ما زالت كفاءات تونس قادرة على مساعدة أصحاب القرار على الإبحار بسفينة البلاد بعيداً من منطقة الزوابع، إذا ما هم حسموا بوضوح وبسرعة أمرهم في اتجاه الإصلاحات التي يستوجبها الوضع، وإذا ما اقتنع الشركاء والأصدقاء بضرورة مساعدة تونس واتباع سياسات أخرى تجاه البلاد غير سياسات العقاب والثواب وانتظار الوقت المناسب.
اليوم هناك حذر مفهوم تجاه توسيع رقعة الإجراءات التقشفية وتقليص الاستيراد ورفع سقف الجباية. فقد بلغت الضغوط مداها على الطبقة الوسطى التي هي أساس استقرار الدولة.
تحتاج تونس عوضاً عن ذلك إلى حركية اقتصادية جديدة كفيلة بخلق الثروة وتسريع نسق النمو واستغلال كفاءات البلاد الشابة القادرة على المبادرة والإبداع. وقد برهنت في السابق على ذلك في كل الفترات والعهود.
ولكن السؤال المطروح اليوم: هل ما زال هناك وقت لمواصلة التردد والسجال والإبقاء على التقاليد البيروقراطية التي تكبّل العزائم فيما وقت الإصلاح والإنجاز قد أزف منذ وقت طويل؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض