تهلّل بعض الصحف الجزائرية، التابعة للقطاع الخاص، حالياً لإمكان إفراج فرنسا عن الأرشيف الذي ما فتئت تطالب به الدولة الجزائرية منذ الاستقلال حتى الآن، ورغم ذلك، فإنّ الجانب الجزائري الرسمي ليس راضياً عن محتوى المفاوضات التي تمّت حتى الآن بين الطرفين، وجراء ذلك فإنّ السلطات الجزائرية لا تزال تلحّ في دعوة الحكومة الفرنسية إلى الاعتراف بجرائم الحرب وتقديم الاعتذار للجزائر وتعويض المواطنين المتضرّرين من التجارب النووية في الصحراء الجزائرية.
أما على مستوى المجتمع المدني، فهناك تحركات جزائرية تحدث في فضاء الوسط الفني الوطني، لإبراز الصور البشعة للإرث الكولونيالي الفرنسي في الجزائر، وفي هذا الخصوص بالذات، أنتج الفنان السينمائي الجزائري أسامة بن حسين فيلماً قصيراً من 26 دقيقة بعنوان "زهرة الصحراء" وكرَّسه للتجارب النووية الفرنسية وما خلّفته من أضرار كارثية لحقت بكل من الإنسان الجزائري والبيئة الطبيعية الصحراوية، علماً أنّ هذا الفيلم قد رُشّح حالياً لنيل جائزة مهرجان السينما الإفريقية للأفلام القصيرة والذي سينعقد في مصر ابتداءً من 9 لغاية 15 من الشهر الجاري.
ولكن ثمة من يرى أنّ كل هذه الإجراءات والنتائج الشكلية التي تمخضت عنها، حتى الآن المحادثات الجارية منذ مدة طويلة في إطار اللجنة الجزائرية- الفرنسية المكلّفة فرنسياً وجزائرياً ببحث "ملف الذاكرة" ليست إلاّ مجرد إيماءات لم تُترجم بعد إلى واقع ملموس.
والجدير بالذكر هنا أنّ الحكومة الفرنسية قد سلّمت الجزائر منذ مدة حزمة من رفات الشهداء الجزائريين، ولكن هناك قضية أخرى، وهي جزء من قضايا كثيرة عالقة لم تُحسم راهناً، وتتمثل في عدم سماح فرنسا لممثلها في لجنة تسوية مشكلات الذاكرة وهو المؤرخ بنيامين ستورا، القبول بتسوية ملف مقابر وأسماء السجناء الجزائريين خلال القرن التاسع عشر، الذين ماتوا ودُفنوا في فرنسا، أو في أراضٍ ما وراء البحار في المستعمرات الفرنسية مثل كالدونيا الجديدة أو كايين في أميركا اللاتينية. وأكثر من ذلك، فإنّ هذه اللجنة الفرنسية- الجزائرية لا تملك الصلاحيات السياسية التي بموجبها يمكن لها أن تحسم نهائياً الجوانب الأكثر سخونة من الملف العام للإحتلال الفرنسي للجزائر من 1830 إلى 1962، ويعني هذا أنّ رأي هذه اللجنة هو استشاري محض فقط.
في هذا الخصوص، يرى بعض المراقبين الجزائريين، الذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم، أنّ السلطات الجزائرية لا تزال تفكّر بالمنطق الرسمي الميكانيكي، وتستبعد أدوار رموز القوة الناعمة التي يتمتع بها عدد كبير من أصدقاء الجزائر في المجتمع الفرنسي من المشاركة في هذه المحادثات الجارية، بهدف الوصول إلى تسوية متوازنة تحفظ ماء الوجه للنظام الحاكم في الجزائر وللحكومة الفرنسية التي يقودها في حقيقة الأمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والذي أبدى في وقت ما مرونة إزاء ملف ذاكرة الحرب الفرنسية- الجزائرية.
ويؤكّد هؤلاء المراقبون المحايدون، أنّ السلطات الجزائرية لم تستعن أيضاً بالشخصيات الجزائرية ذات الثقل الفكري والثقافي والفني والدبلوماسي، والتي تملك رأسمالاً رمزياً يمكّنها من التأثير الفعلي على مجريات المفاوضات الجزائرية-الفرنسية. وبهذا ارتكبت السلطات الجزائرية أخطاءً عدة ما فتئت تساهم في تجريد الجزائر من عناصر قوَّتها الضاغطة التي يفترض أنّها تتمتع بها، ولكن النظام الجزائري لا يقدّر قيمتها ولا يعرف كيف ينبغي توظيفها ضمن الفضاء الفرنسي، وبخاصة أثناء ظهور الأزمات في العلاقات الثنائية.
يمكن حصر أخطاء السلطات الجزائرية في عنصرين مهمّين ومتبادلي الاعتماد، حيث أنّ أولهما يتمثل في كون الجزائر الرسمية قد أهملت ونسيت بشكل مثير للاستغراب، وذلك طوال 60 سنة من الاستقلال، القوة الناعمة المتمثلة في شرائح المؤرخين والأدباء والفلاسفة والفنانين والمفكّرين الفرنسيين الكبار والمؤثرين عميقاً في النسيج الاجتماعي والتعليمي والإعلامي الفرنسي، علماً أنّ هؤلاء قد وقفوا بحزم وإيمان، أثناء الكفاح الوطني الجزائري، إلى جانب حق الجزائر في الاستقلال ومقاومة الاستعمار الفرنسي. والأدهى، هو أنّ الجزائر الرسمية قد أهملت أيضاً أبناء عائلات هؤلاء، علماً أنّ تعدادهم يُقدّر بالآلاف، والشارع الفرنسي لا يزال يُقدّر آباءهم وأسلافهم المشكّلين للنخبة المفكرة والمثقفة والفنية الفرنسية، التي تُعتبر جزءاً عضوياً من الخزان الثقافي والفكري والفني والوجداني الفرنسي المؤثر على الأجيال الجديدة. وفي مثل هذا الوضع تجد الجزائر نفسها الآن بلا مناصرين حقيقيين داخل المجتمع المدني الفرنسي.
وفي الحقيقة، فإنّ وزارة الثقافة الجزائرية قد لعبت ولا تزال، منذ الاستقلال حتى اليوم، دوراً سلبياً في إدارة الظهر للشخصيات الثقافية والفنية والفكرية الشهيرة التي تشكّل رموز هذا الميراث التاريخي الفرنسي الذي ساند الحركة الوطنية الجزائرية ونضالها، أمثال الأعلام الكبار في الساحة الثقافية الفرنسية: جان بول سارتر، أراغون، وجان فرانسوا ليوتار، وكورنياليس كاستورياديس، ولوي ألتوسير، وسيمون دو بوفوار، وموريس بلانشو، وهنري لوفيفر، ومود منوني، وفرنسوا ماسبيرو، وجان بونتاليس، وفرنسواز ساغان، ومئات الأدباء والفنانين والناشطين الاجتماعيين الآخرين، فضلاً عن شخصيات سياسية فرنسية من الرعيل المعاصر لحركة التحرّر الوطني الجزائري، حيث يُعدّ هؤلاء ورقة قوية رابحة بيد الجزائر لو أُحسن استخدامها بصدق وذكاء من طرف السلطات الجزائرية في مرحلة ما بعد الاستقلال.
أما الخطأ الثاني الذي لا يزال قائما أيضاً، فيتمثل في استبعاد الشخصيات الوازنة في المشهد الثقافي والاجتماعي والفني والفكري الجزائري من هذه المفاوضات، لحسم ملف الذاكرة وإدارة الظهر لمكونات مجتمع الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا، الذي يُقدّر تعداد أفراده بأكثر من 5 ملايين نسمة، حيث لم تُشرَك هذه الجالية بممثليها المنتخبين والمختارين في محاورة الطرف الفرنسي.
وبسبب سياسات الإهمال هذه، بقيت هذه الجالية بعيدة ومبعدة عن تفعيل الحوار مع المجتمع الفرنسي بجدّية حول ملف ذاكرة الحرب، ويُلاحظ أنّها تُذكر لأيام معدودة فقط أثناء مواسم الانتخابات وتُعامل خلالها كمجرد "أوراق انتخابية" تُقذف في عتمة صناديق الاقتراع.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض