إيرلندا تتّحد على أنقاض بريطانيا؟
ميشيل أونيل (٤٧ عاماً)، نائبة زعيمة حزب "شين فين" الجمهوري، باتت رئيسة إقليم إيرلندا الشمالية الذي تؤمن بوجوب حله ككيان! فالسياسية التي تربت على يد والد ناشط في الجيش الجمهوري "الإرهابي"، وتكفل لاحقا بعض قادته الكبار بتدريبها، نذرت حياتها لإعادة توحيد شمال إيرلندا مع الوطن الأم، جمهورية إيرلندا.
ميشيل أونيل (47 عاماً)، نائبة زعيمة حزب "شين فين" الجمهوري، باتت رئيسة إقليم إيرلندا الشمالية الذي تؤمن بوجوب حله ككيان! فالسياسية التي تربّت على يد والد ناشط في الجيش الجمهوري "الإرهابي"، وتكفل لاحقاً بعض قادته الكبار بتدريبها، نذرت حياتها لإعادة توحيد شمال إيرلندا مع الوطن الأم، جمهورية إيرلندا. وتعهدت بعد تسلمها الرئاسة أن تكون "وزيرة أولى للجميع". إلا أن الجزم بقدرتها على الوفاء بهذا الوعد ليس سهلاً. فالإقليم مقبل على مرحلة يصعب التكهن بمآلاتها لأنها غير مسبوقة منذ 104 سنوات، وطريق نجاح أول رئيس جمهوري له جذور "إرهابية" سيكون حتماً مليئاً بالألغام!
بعد سنتين من الرفض والتجاذب وتعطيل الحياة العامة، ما حمل المعلمين وموظفي الصحة وآخرين على التظاهر، عاد برلمان ستورمونت في إيرلندا الشمالية إلى الاجتماع ودبت الحياة مرة أخرى في الإدارة المشتركة بين الخصمين التاريخيين: حزب "شين فين" الجمهوري الذي ينادي بتوحيد جزيرة إيرلندا، و"الحزب الوحدوي الديموقراطي" المؤمن بانتماء الإقليم إلى المملكة المتحدة. وللمرة الأولى في تاريخ البرلمان المحلي، يحوز الجمهوريون الأغلبية فيه. فقد تقدموا في انتخابات 2022 بمقعدين على الوحدويين، الذين سموا إيمّا ليتل - بينجللي نائبة للوزيرة الأولى.
الأرجح أن هذه انطلاقة مضطربة. وما سُمي بـ"الفجر الجديد" للإقليم الذي مزقته حرب أهلية طويلة، لن تبزغ شمسه في سماء صافية. فثمة من يتحفظ عن اتفاق هو نسخة محدّثة من "إطار عمل وندسور" الذي أقره مجلس العموم في شباط (فبراير) الماضي.
لكن استياء المحافظين البريكستيين في لندن لم يصل إلى حد إعلان الحرب على التسوية، الأمر الذي يسّر إقرارها في مجلس العموم. كما أن الأثر الفعلي لمعارضة قياديين في "الحزب الوحدوي الديموقراطي" ومتشددين في أوساط الوحدويين في بلفاست لن يظهر سريعاً. وهذا يعني أن "الفجر" وصانعيه، في أمان، أقله في المدى المنظور. غير أن الرهان في بداياته، وللقلق مبرراته الكثيرة.
عانى حزب المحافظين البريطاني من متطرفين أدمنوا الرفض. وبعض هؤلاء الذين كانوا في حالة تمرد شبه دائم منذ تسعينات القرن الماضي، صاروا يضمون صوتهم إلى بوريس جونسون وليز تراس، رئيسي الوزراء السابقين، اللذين لا يفوتان فرصة لمناكفة ريشي سوناك أو لمحاولة عرقلة مشاريعه. وقد يسببون إزعاجات للتسوية الحالية، ومن المستبعد أن يتمكنوا من نسفها.
وأهم مصادر الخطر على الحل هي طبيعته والتعديلات "الطفيفة" نسبياً التي أدخلها على إطار عمل وندسور. فالوحدوي الديموقراطي رفض الإطار لأنه "يقوّض مكانة إيرلندا الشمالية في المملكة المتحدة"، على حد تعبير جيفري دونالدسون زعيمه. كما عارضه جونسون وتراس وزملاؤهما لأنهم اتهموه بإبقاء إيرلندا الشمالية في قبضة الاتحاد الأوروبي. وطالب وقتها دونالدسون بمجموعة من التعديلات على الإطار في مقدمها نزع القيود كافة التي فرضها البريكست على التجارة بين بريطانيا والإقليم. بيد أن الاتفاق لا يستجيب لهذه الرغبة! و"أساسيات" إطار وندسور، لا تزال كما هي، بحسب كريس هيتون - هاريس وزير إيرلندا الشمالية وعراب الاتفاق. ويبدو أن التعديل الذي ادعى زعيم الحزب الوحدوي الديموقراطي أنه كان حاسماً، يقتصر على "رتوش" أهمها تقليل عمليات تفتيش البضائع الآتية من بريطانيا إلى الإقليم والمعاملات الورقية الخاصة بها، وليس إلغاءها بالكامل.
في المقابل، أُفيد بأن لندن ستمرر تشريعات تؤكد أن إيرلندا الشمالية جزء لا يتجزأ من المملكة المتحدة، تلبية لطلب سابق من دونالدسون. كما تم تعزيز "الفيتو" الذي يمكن لبرلمان ستورمنت أن يستعمله لكبح قرارات الاتحاد الأوروبي. وسيجري خلق آليات جديدة لتفعيل عمل شركات الإقليم وتجارته مع كل من بريطانيا وإيرلندا.
وهل هل تكفي هذه المكاسب دونالدسون ليبرر لناخبيه والمتطرفين في حزبه نجاحه فقط في تشذيب إطار وندسور وقبوله بصيغة أقرب إلى خطة تيريزا ماي التي رفضها الحزب في 2019؟ وهل غامر الزعيم بمستقبله في وقت تزداد فيه شعبية الأصوليين الوحدويين على حسابه في أوساط البروتستانت، عندما قبل بالتسوية الجديدة؟
لا شك في أن الحزب الأقلوي أخذ يستشرف اضمحلال نفوذه التدريجي بفعل الحقائق الديموغرافية على الأرض التي بدأت تعطي "شين فين" الأفضلية، وأيضاً جرّاء تلاعب رعاته المحافظين البريطانيين به. وهذا يجعل بعض فصائله أشد صرامة وأصولية وقسوة على الزعيم الذي يبدي استعداداً للمساومة والقبول بالواقع الحتمي. وإذ غير الحزب قائده ثلاث مرات في سنتين فقد لا يتردد في إطاحة دونالدسون إذا أقنع اليمينيون فيه غالبية الأعضاء بأنه "انهزامي" يحاول تمرير اتفاق أخرق، لا يساوي الحبر الذي كتب عليه، كما يصرخ بعضهم في بلفاست سلفاً.
لقد ارتكب الحزب غلطة تاريخية حينما صدّق وعود جونسون الذي خدعه. فقد دعم الوحدويون صفقة البريكست التي أعدها رئيس الوزراء الأسبق. وسرعان ما اكتشفوا أنها تضم "بروتوكول إيرلندا الشمالية" الذي يفصل بين الإقليم وبريطانيا الأم، ما يوجه طعنة مؤلمة لمبادئهم الجوهرية! وفجرت تلك الغلطة الوضع في إيرلندا الشمالية، كما سببت اعتكاف أكبر أحزاب البروتستانت لسنتين خارج الحكم. فهل تعلموا من تلك التجربة ما يجنبهم المزيد من الصدمات؟
والحق أن نجاح الحل الحالي سيتوقف إلى حد كبير على تعقل الوحدويين. وبعد احتكارهم قيادة البرلمان المحلي ورئاسة الحكومة المحلية سابقاً، سيتعين عليهم أن يتحلوا بالتواضع والواقعية على أن "الأعداء" هم من يحتلون الصدارة، مع أن صلاحيات أونيل ونائبتها ليتل - بينجللي وواجباتهما شبه متطابقة، كما أن أياً منهما لا يستطيع الاستمرار وحده من دون الآخر حسب اتفاقية الجمعة العظيمة للسلام. ولا شك بأن الإدارة المحلية المشتركة ستواجه تحديات كثيرة في سياق المحاولة لمعالجة المشكلات التي تراكمت على مدى سنتين في إيرلندا الشمالية، وفي طليعتها الموازنات والإنفاق، لا سيما أن لندن ستقدم لها 3 مليارات و300 مليون جنيه لمساعدتها على الإقلاع من جديد.
وأياً كانت الصعوبات وهي كثيرة، أصبح حلم الجمهوريين في إعادة توحيد جزيرة إيرلندا بشطريها، أقرب منالاً. فالمتوقع أن يخرج إقليم إيرلندا الشمالية من المملكة المتحدة بفعل تراجع الوحدويين في ميزان القوى وتنامي نفوذ الجمهوريين، المرشحين بقوة للفوز في انتخابات جمهورية إيرلندا، وبالتالي تسلم الحكم في شطري الجزيرة.
وإن توحدت إيرلندا، التي تفككت منذ شكّلت بريطانيا إقليم إيرلندا الشمالية من ست من محافظاتها وضمّته إليها، فسيتم ذلك على أنقاض المملكة المتحدة التي لا يستبعد أن تفقد اسكتلندا أيضاً إلى جانب إيرلندا الشمالية. وعندها سينقلب السحر على الساحر!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض