03-02-2024 | 05:00

"أبواب خلفيّة" للأغنياء.. إلى جامعات بريطانيّة!

بوسع الأجنبي الغني أن يقدم للجامعة المرموقة رسوماً فضفاضة يمكن تسميتها بـ "الرشوة". بيد أن الرشوة بمعناها المألوف تدخل أيضاً في صفقات بيع القبول الجامعي التي صارت تجارة مكرسة، لها سوق بملايين الجنيهات. أما الزبائن فمعظمهم يأتي من دول الشرق الأقصى والشرق الأوسط والهند.
"أبواب خلفيّة" للأغنياء.. إلى جامعات بريطانيّة!
Smaller Bigger
جيب الطالب الأجنبي، لا علاماته، هو مفتاح الوصول إلى الجامعة في بريطانيا صار. فالثري القادر على دفع نحو 4 أمثال ما يتحمله البريطاني، يستطيع أن "يشتري" مكاناً له في عدد من أرقى جامعات البلاد. فهذه لا تتردد في إغلاق أبوابها دون الطالب البريطاني لتستقبل من يدفع لها بسخاء أكبر، مهما كانت علاماته متدنية!
 
بوسع الأجنبي الغني أن يقدم للجامعة المرموقة رسوماً فضفاضة يمكن تسميتها بـ"الرشوة". بيد أن الرشوة بمعناها المألوف تدخل أيضاً في صفقات بيع القبول الجامعي التي صارت تجارة مكرسة، لها سوق بملايين الجنيهات. أما الزبائن فمعظمهم يأتي من دول الشرق الأقصى والشرق الأوسط والهند. 
 
عاين البرلمان هذه التجارة في تقارير عدة. ورصدت وسائل الإعلام تفاقمها التدريجي. واشتمل تحقيق استقصائي أخير لصحيفة "صنداي تايمز" على اعترافات صادمة، لموظفين ووسطاء تورطوا في هذه التجارة التي تُزاولها 15 من جامعات "مجموعة راسل"، المؤلفة من 40 من جامعات النخبة بينها أكسفورد وكمبريدج. 
 
وتجتذب الجامعات الـ15 الطلاب الأجانب عبر سنة تمهيدية يسمونها "دورة تأسيسية"، وتعتبر "طريقاً خلفياً" للأجانب الأثرياء حصراً، ييسر لهم القبول في جامعة لم تكن لتعطيهم إياه مباشرةً، كما قال أحد الوسطاء، بسبب علاماتهم المتدنية أو لغتهم الإنكليزية الضعيفة أو الاثنتين معاً. ولذلك فالامتحان النهائي في نهاية هذه السنة شكلي. وقال موظفون للصحيفة إن "نسبة النجاح لطلاب بعض الدول هي مئة في المئة" ولا تقل عن 70 في المئة بالنسبة إلى جميع طلاب "الدورة التأسيسية". وتسلل 680 ألف طالب عن هذا الطريق إلى المرحلة الجامعية الأولى بين 2018 و2022، أي بزيادة 260 ألفاً عن عددهم السابق!
 
وسبب هذا التهاون هو المال. الأجانب "يدفعون أضعاف ما يدفعه الطالب المحلي، فالجامعات تعطيهم فسحة"، على حد تعبير وسيط آخر. وفعلاً، تبلغ الرسوم السنوية للبريطاني 9 آلاف جنيه إسترليني وللأجنبي نحو 40 ألفاً. 
 
ويمضي التساهل إلى أبعد من القبول بكثير. هناك حالات يُطلب فيها من الأساتذة تقليل عدد الراسبين في هذا القسم أو ذاك إلى الحد الأدنى. ونُقل عن محاضرين في جامعات بارزة، أن رسوب أطروحة ماجستير يكاد يكون مستحيلاً.
 
أما الغش، فبعضه صار يُضبط بسبب التطورات التقنية، وربما يُمارس الكثير منه بسهولة. فالطالب الذي لا يجيد الإنكليزية يدفع عادة لزملاء يكتبون له سراً مقالات وأطروحات يقدمها على أنها من إعداده. كما أن البعض يلجأ إلى محررين بريطانيين محترفين يسهل الوصول إليهم لتشذيب نص المقالة أو الأطروحة مقابل أجور متفق عليها!
 
من ناحية أخرى، للتضخم المتنامي في عدد الطلاب الأجانب جوانب أخرى تؤثر سلباً بصورة واضحة على أداء الجامعات العلمي ونوعية التعلم المتاح للطالب البريطاني. تراجع تصنيف الجامعات البريطانية في مؤشرات عالمية لأسباب ربما يكون منها بطء عمليات التدريس والبحث والتبسيط الغالب فيهما، وهو ما يمليه وجود عدد كبير من الأجانب الذين لا يجيدون الإنكليزية في غرفة الصف!
 
وهناك وجوه سياسية خطيرة لإقبال بعض الأجانب على الدراسة في بريطانيا، حسبما زعم تقرير لجنة "الاستخبارات والأمن" المؤلفة من أعضاء في مجلسي العموم واللوردات في تقريرها الصادر في تموز (يوليو) 2023 بعنوان "الصين".  فقد أشار إلى أن الطلاب الوافدين من تلك البلاد في 2017/2018 قدّموا ما يزيد على 600 مليون جنيه إسترليني شكّلت "جزءاً مهماً للغاية من دخل الجامعات". إلا أن هذا المال لم يأتِ دائماً ببراءة وحسن نية، إذ كانت ثمة محاولات مزعومة قامت بها الصين للتأثير في كيفية تناول المؤسسة الأكاديمية قضايا تتعلق بها وبسياساتها. وأورد التقرير أدلة تفيد بأن الصين سعت جاهدة لكسب أكاديميين بارزين في مجال الدراسات الصينية بأي طريقة كانت، من الإغراءات بأنواعها إلى التهديد. وطبقاً للتقرير، تستعمل بكين الرسوم الدراسية ذاتها كسلاح تحارب به خصومها السياسيين، كأن تمنع الطلاب من التسجيل في جامعات معينة أو في دولة محددة، أو تؤخر تحويلاتهم وغيرها من طرق المناكفة والإزعاج.
 
دعك من العلم والإبداع والبحث التي كانت المؤسسات التعليمية البريطانية يوماً منارة لها. فهي باتت في حاجة لكسب لقمتها منذ ثمانينات القرن الماضي حينما خفضت مارغريت تاتشر رئيسة الوزراء حينذاك، نسبة التمويل الحكومي لقطاع التعليم العالي إلى مستوى غير مسبوق. وعضّ الفقر بنابه جامعات ومعاهد عليا شهيرة، فاضطرت إلى الاستجداء. ولم يكن لديها من خيار سوى أن ترتمي في أحضان الأغنياء الأجانب، لأن الحكومات البريطانية المتعاقبة دفعتها على طريق "بيع" نفسها لمن يملكون أكثر.
 
عندما قدم الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي لكلية لندن للاقتصاد 1.5 مليون جنيه إسترليني ضجّ كثيرون، لا سيما أنها جاءت بعد حصول ابنه سيف الإسلام على شهادة الدكتوراه من الجامعة المرموقة التي التحق بها في 2003 وكانت منحته الماجستير. وتردد أن أكاديميين كتبوا له الأطروحتين. وفي 2011 أُثيرت ضجة حول "هدية" ثانية من القذافي (2.2 مليون جنيه إسترليني) قبلتها الجامعة بكل سرور! 
 
والحق أن متابعة الأجانب تعليمهم العالي في بريطانيا تتخللها نشاطات مشبوهة مختلفة. فثمة رُشى بالآلاف لا يسمع بها أحد إلا إذا انفجرت الصفقة في وجه صاحبها. وطُرحت تساؤلات حول مدى نزاهة وكلاء الجامعات المحلية في أنحاء العالم. مثلاً أثيرت في الهند قضية الرشى التي يتقاضونها لكي يعجلوا بقبول طالب ما. في السياق نفسه، في 2021 ألغي 85 موقعاً إلكترونياً كانت تبيع شهادات زائفة لمن يشتري في الخارج. وحدّث ولا حرج عن تبييض الأموال من خلال دفع الرسوم نقداً. ففي 2021 وجد تحقيق أجرته صحيفة "التايمز" أن جامعات بريطانية تلقت 52 مليون جنيه إسترليني (65 مليون دولار) كرسوم دراسية، علماً أن مبالغ بهذا الحجم لا تُقبل نقداً في عمليات شراء كبيرة لبيوت مثلاً، في المملكة المتحدة!
 
لكن كيف تتحاشى الجامعات التورط في هذا الفساد، خصوصاً في الوقت الراهن؟ هذه المؤسسات ترزح تحت أزمة تكلفة المعيشة السائدة منذ نحو سنتين والتي جاءت في أعقاب جائحة فتّاكة حرمتها من مبالغ كبيرة بسبب بقاء الطلاب الأجانب في بلدانهم، أو حتى رفضهم تسديد الرسوم الباهظة مقابل محاضرات وحلقات دراسية كانت تُجرى عن بعد. وإذا كانت الحكومة لا تمدّ لها يد المساعدة، فهل تستطيع أن تتعامل بصرامة مع أجانب يوفرون لها بحسب إحصاءات أخيرة خُمس ما تحتاجه من المال للبقاء على قيد الحياة؟

 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية