31-01-2024 | 05:30

حروب الإمبرياليين الجدُد... وضحاياها!

كان بن واليس، وزير الدفاع البريطاني السابق الذي تنحى في الصيف الماضي، ولايزال من المناضلين الأشداء من أجل رفع موازنة الدفاع. ولهذا حذر في مقابلة وداعية بأن بلاده ستكون "في حالة حرب بحلول ٢٠٣٠". والسبب، مرة أخرى، هو روسيا، التي لم تتوقف بريطانيا عن شيطنتها منذ شباط (فبراير) ٢٠٢٢، ومعها الصين و"الإرهاب العالمي"، في رأيه.
حروب الإمبرياليين الجدُد... وضحاياها!
Smaller Bigger
في عصر بتنا نخشى فيه انقراض بعض الكائنات، ربما أتى دور القوات المسلحة البريطانية لتنضم إلى المهددين بهذا الخطر! فهي تتعرض تدريجياً إلى ما يشبه الموت السريري الذي يجعلها متخلفة عن جيوش الدول الكبرى. 
 
هذا ما نبهنا إليه قبل أيام قائد القوات البرية البريطانية الجنرال باتريك ساندرز، حينما أطلق ما يشبه الاستغاثة لإنقاذ سمعة بلاده العسكرية، ودعا إلى تشكيل "جيش مدني" قوامه بنات البلاد وشبابها القادرون على الخدمة الوطنية، من أجل حرب حتمية مع روسيا. وتلقفت وسائل الإعلام اليمينية الهوى دعوته بترحيب بالغ، وراحت تطبل وتزمر لحرب وشيكة.
 
 لكن هل كان التجنيد وزيادة عديد الجيش الذي سيصل إلى 70 ألف فرد العام المقبل، هو كل شيء؟
 
الدعوة التي تبناها أيضاً عسكريون وسياسيون متقاعدون، تعتبر نقلة جديدة على الطريق ذاته الذي شقوه قبل سنوات بغرض التشديد على وجوب رفع الإنفاق الدفاعي. فقد بدأت هذه الموجة قبل حرب أوكرانيا وتفاقم التوتر على جبهة الصين - تايوان، ثم ألهبت حماستهم نيران غزة. وبعد مقتل 3 أميركيين وجرح عشرات منهم بقذائف أُطلقت بإيعاز من إيران، كما يُقال، أخذت الأصوات تتعالى أكثر من ذي قبل محذرة من العواصف التي تتكاثر في سماء تلبدت بدخان المعارك سلفاً. وأخذ دعاة تمويل وزارة الدفاع بسخاء أكبر يشددون على أن هناك ضرورات وجودية للعسكرة، لأن الحرب الكبيرة تقرع أبواب بريطانيا. 
 
غرانت شابس، وزير الدفاع السابع في حكومات المحافظين البريطانية منذ 2010، أدلى بدلوه أخيراً في هذا المجال، دافعاً الأمور إلى الأمام على طريق التجييش. قال: "لقد انتقلنا من عالم ما بعد الحرب إلى عالم ما قبل الحرب". ومضى يسمي الأعداء المحتملين: روسيا والصين وإيران. وغيّر ذلك حكم "مراجعة الدفاع الاستراتيجية" البريطانية حتى سنوات قليلة بأن الحرب على نطاق واسع لم تعد محتملة. معروف أن الغرب كان يتوقع أن تبقى منطقة الشرق الأوسط هادئة كما ذكر مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سوليفان، قبل أيام من "طوفان الأقصى" في المقالة التي أرسلها للنشر في "فورين أفيرز"!
 
من جانبه، كان بن واليس، وزير الدفاع البريطاني السابق الذي تنحى في الصيف الماضي، ولا يزال من المناضلين الأشداء من أجل رفع موازنة الدفاع. ولهذا حذر في مقابلة وداعية بأن بلاده ستكون "في حالة حرب بحلول 2030". والسبب، مرة أخرى، هو روسيا التي لم تتوقف بريطانيا عن شيطنتها منذ شباط (فبراير) 2022، ومعها الصين و"الإرهاب العالمي"، في رأيه. 
 
"استغاثة" الجنرال ساندرز تتوّج سنوات من الشكوى من اضمحلال الإنفاق العسكري باطراد، ما منع الجيش البريطاني من مواكبة الزمن كما يجدر بقوات دولة غنية لها ماض حافل. إلا أن هذا لا يجعل دعوته واقعية أو قابلة للتطبيق. فتدريب جيش المجندين وتسليحه، يحتاجان إلى الكثير من المال الذي تضنّ به البلاد حتى على العسكريين المحترفين، كما يقول ساندرز نفسه وأصحابه، فما بالك بالهواة. وثانياً، اتخذت الحكومة موقفاً معارضاً للفكرة سلفاً مؤكدة أن الاقتراح ليس وارداً.
 
مع ذلك، فساندرز لفت الأنظار بطريقة ذكية إلى حاجة القوات المسلحة البريطانية إلى مزيد من الجنود. كما أنه ركّز الاهتمام من جديد على الحرب المزعومة الوشيكة! فهل كان ذلك من الأهداف الأساسية التي دعت ساندرز إلى طرح الفكرة؟
 
الواقع أن الجيش البريطاني لم يستعن بمدنيين عبر نظام الخدمة الوطنية إلا في فترات نادرة لم تزدْ على 60 عاماً خلال عمره المديد (350 عاماًَ)، فلماذا يخوض من جديد تجربة لا خبرة له فيها وهي غير مضمونة النتائج؟ وما الذي يدعو إلى التهويل بما يتصل بالخطرين الروسي والصيني المزعومين مع أن البلدين بعيدان ومهما فعل كل منهما في منطقته فلن يؤثر ذلك مباشرة على بريطانيا إلى درجة تستدعي تأجيج القلق من حرب يُقال إنها آتية لا محالة؟ 
 
إن أياً من الحروب التي خاضتها بريطانيا في السبعين سنة الأخيرة، بدءاً بالسويس وانتهاءً بليبيا مع استثناء محتمل في الفوكلاند، لم تكن حرب ضرورة نابعة من الحاجة لحماية البلاد، بل كان الهدف منها تأكيد "دور بريطانيا في العالم" طبقاً لتوصيف بوريس جونسون رئيس الوزراء الأسبق وصحبه البريكستيين الذين لا يزالون يعيشون أوهام الإمبراطورية. والقول إن مكافحة "الإرهاب العالمي" ودعم الديموقراطية والحريات... الخ، هما اللذان يبرران تدخلات من هذا النوع في دول أخرى ذات سيادة، صار بلا معنى. فكيف يمكن تصديق دول تدعم بقوة عمليات الإبادة المستمرة في غزة عندما تحاضر بالديموقراطية وحقوق الإنسان!
 
المفارقة أن النزعة الإمبراطورية الجديدة بقيت تفعل فعلها على الرغم من أن القوات المسلحة البريطانية تعيش ضائقة خانقة. فهي دفعت قادة مثل أنتوني إيدن في عام 1956 وتوني بلير في 2003، إلى إرسال جنودهم إلى الحرب من غير أن يكونوا مجهزين بصورة كافية. والأخير بعث بالجنود البريطانيين للمشاركة في غزو العراق من دون عدة الحماية الشخصية كالخوذة والدرع.. وغيرهما من الأدوات البسيطة التي أدى غيابها إلى مصرع عدد من العسكريين. وتصريحاته في تلك الفترة عن حرصه على الوقوف إلى جانب جورج دبليو بوش في تلك الحرب، تحمل المرء على الظن أن الزعيم الأسبق كان قادراً على غزو المريخ من أجل الديموقراطية المزعومة!
 
حينما توقع والاس أن بلاده ستواجه حرباً طاحنة قبل نهاية العقد الحالي، تساءل معلقون عن شركة صناعة الأسلحة التي سيلتحق بها فور مغادرته وزارة الدفاع. أما جونسون الذي سارع إلى تبني الدعوة إلى تجنيد المدنيين، مؤكداً "نعم سأشارك بالقتال في سبيل الملك والبلاد"، فاتُهم بافتعال الحماسة القومية لبلاد لم "يضحِ بإحدى لحظات راحته الشخصية، أو بكأس من شراب بريسكو" من أجلها، في إشارة إلى فضيحة "بارتي غيت"، على حد تعبير الكاتبة الصحافية زوي وليامز. ولعل السياسي الذي أُدين بالكذب يعتقد أن دعوته الآخرين إلى التضحية بأرواحهم وأرواح أبنائهم تكفي لجعله يظهر كمن يبذل هو التضحية وستُغسل ذنوبه كلها، مثلما رأت وليامز.
 
قرع طبول الحرب يساعد أمثال جونسون على التهرب من مسؤولياتهم الأخلاقية بادعاء الوطنية، ويراكم المزيد من المال في خزائن صنّاع السلاح وتجار الموت. وبدلاً من انتصار الإمبرياليين الجدد على العدو البعيد الذي يشيعون أنه قادم حتماً، سيتغلبون على المواطن المحروم حالياً من الرعاية الصحية الكافية والتعليم الجيد والتقاعد المناسب بسبب المبالغ التي تأخذها موازنة الدفاع سلفاً من المال العام!
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية