31-01-2024 | 05:55

قرابين الفشل

تتحدث بعض التقارير الصحافية عن اعتزام الحكومة الليبية برئاسة عبد الحميد الدبيبة رفع الدعم عن المنتجات النفطية، وذلك في سياق مقاومتها لتهريب الوقود إلى دول الجوار.
قرابين الفشل
Smaller Bigger
تتحدث بعض التقارير الصحافية عن اعتزام الحكومة الليبية برئاسة عبد الحميد الدبيبة رفع الدعم عن المنتجات النفطية، وذلك في سياق مقاومتها لتهريب الوقود إلى دول الجوار.
 
وتقول سلطات طرابلس في هذا الشأن، إنّ عمليات التهريب هذه تكلّف ليبيا حوالى 750 مليون دولار سنوياً، وإنّ قيمة الاعتمادات المخصّصة لدعم أسعار الوقود تبلغ أكثر من 12 مليار دولار.
 
قرار حكومة الدبيبة أثار ردود فعل سلبية لدى الشارع الليبي ولدى الطرف السياسي المعارض لسلطتها شرقي البلاد. وكانت ردود الفعل هذه متوقعة انطلاقاً من أجواء الانقسام وانعدام الثقة السائد في ليبيا، وكذلك تخوف الكثير من المواطنين من ارتفاع أسعار الوقود.
 
لم تُسجّل ردود فعل رسمية في تونس بوصفها بلد جوار معنياً بتهريب الوقود من قِبل شبكات منظّمة على طرفي الحدود. وكان الصمت الرسمي كذلك متوقعاً، فالطرف الحكومي التونسي نادراً ما يخوض في الإشكاليات التي تواجه العلاقات التونسية- الليبية، نظراً لحساسيتها. ولكن الكل يعلم أنّ هذه العلاقات تمرّ حالياً بمرحلة فتور، وهي تنتظر مبادرات لإنعاشها.
 
لا أحد يجادل في أنّ القرار الليبي قرار سيادي وتشعباته- السياسية والاقتصادية والاجتماعية- هي تشعبات داخلية قبل كل شيء. ولكن القرار إن وجد طريقه إلى التنفيذ، فسوف تكون له تداعيات اقتصادية واجتماعية في تونس أيضاً. فتهريب الوقود يمثّل مصدر رزق للكثير على الجانب التونسي من الحدود مع ليبيا.
 
تقول دراسة نشرها مركز تونسي مستقل للدراسات، إنّ القرار الليبي سوف يدفع الدولة التونسية بالضرورة إلى زيادة استيراد المنتجات النفطية من الخارج، ما يعني الزيادة في مستوى الإنفاق على دعم أسعار الوقود، إضافة إلى استعمال المدخرات من العملة الصعبة، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة مالية خانقة.
 
أما اجتماعياً، فمن المحتمل أن يتسبّب القرار في توترات، بخاصة في المناطق الحدودية جنوب البلاد، حيث يعتمد كثيرون منذ عقود على الإتجار في الوقود وغيرها من المنتجات والبضائع المهرّبة.
 
ويمكن أن يلقي القرار الليبي بظلاله على مجمل العلاقات بين تونس وليبيا، التي تحتاج إلى دفع إيجابي يخرجها من ركودها ويخلّصها مما علق بها من شوائب. من ذلك ما أشار إليه الموقع الإخباري التونسي "أونيفار نيوز" بحديثه عن جملة من المواقف التي وصفها بغير الودية لحكومة الدبيبة تجاه تونس، ومن بينها بحسب قوله، فرض ضريبة إضافية على دخول التونسيين الأراضي الليبية وعدم تسديد الديون التي كانت حكومة طرابلس تعهّدت بتسديدها سنة 2022 لتغطية نفقات علاج المواطنين الليبيين في المستشفيات التونسية خلال سنوات.
 
مهما تكن الاعتبارات الظرفية الحالية، فإنّ هناك خصوصيات ثابتة تميّز العلاقات التونسية- الليبية. لا جدال في وثوق الوشائج البشرية والتاريخية التي تربط البلدين، ولكن لا جدال أيضاً في أنّ البلدين لم يتوفّقا إلى حدّ الآن في استغلال هذه الوشائج لبناء صرح اقتصادي متعدد المجالات على أساس المصلحة المشتركة للبلدين.
 
قبل 2011 كان من الواضح للنظامين السابقين في البلدين، أنّ أية إجراءات يتخذها الطرف الليبي بشأن مرور المسافرين أو البضائع بين حدود البلدين يمكن أن تُحدث موجات ارتدادية في الجنوب التونسي، وكان من أخطرها الاضطرابات التي هزّت مدينة بن قردان الحدودية صيف 2010.
 
وبالرغم من التصريحات والوعود، لم تنجز الدولتان أيام نظامي بن علي والقذافي اندماجاً اقتصادياً كان في متناولهما. بقيت مخططات إنجاز شبكات الطرقات السريعة وسكك الحديد وغيرها بين تونس وليبيا حبراً على ورق.
 
بعد 2011 كانت للأوضاع في ليبيا إثر انهيار نظام القذافي، تداعيات اقتصادية سلبية على تونس. وتقول تقديرات البنك الدولي إن "الأزمة الليبية" ساهمت بنسبة 24 في المئة من الانخفاض الكبير للنمو الاقتصادي لتونس خلال الفترة بين سنتي 2011 و 2015، نتيجة انخفاض المبادلات التجارية والاستثمارات ومواطن الشغل والتحويلات من العملة الصعبة، مقابل ارتفاع في النفقات الأمنية والعسكرية.
 
وبقيت العلاقات التونسية- الليبية إلى اليوم دون المأمول، وكان كثيرون في تونس يطمحون في مرورها إلى مرحلة أفضل، بخاصة بعدما أقام الآلاف من الليبيين في تونس بعد 2011 هرباً من ظروف الحرب أو طلباً للعلاج.
 
ما زال الوضع في المناطق الواقعة على حدود ليبيا إلى حدّ كبير رهين قرارات سلطات طرابلس بخصوص عبور البضائع والمسافرين من تونس.
 
ولكن رغبة طرابلس اليوم بمنع تهريب الوقود وإنهاء دعم الدولة لأسعاره، تطرح مشكلة أوسع هي مشكلة الاقتصاد الموازي الذي تنشط ضمنه أو تنتفع بثماره أعداد كبيرة من مواطني البلدان المغاربية، وبخاصة منهم سكان المناطق الحدودية، حيث تستغل شبكات التهريب الفوارق في أسعار المنتجات بين تونس والجزائر وليبيا، وتجني هامش ربح كبير من استيراد وتصدير المنتجات المدعومة عبر حدود البلدان الثلاثة.
 
 
ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ أنشطة التهريب تشمل الحدود التونسية- الجزائرية مثلما تشمل الحدود التونسية- الليبية.
 
الاقتصاد غير النظامي ليس دوماً اقتصاد تهريب، إذ هو يتضمن جملة من الأنشطة الاقتصادية المتنوعة. الخيط الناظم بينها هو عدم دفع أية ضرائب للدولة. وفي جانب منه على الأقل يتعلق الأمر فعلاً باقتصاد تهريب وخروج عن القانون. ولا يتوانى الناشطون فيه عن اللجوء إلى الرشوة والفساد لبلوغ أهدافهم. كل هذا صحيح.
 
هناك من يبحث عن الربح السريع عبر التهريب. ولكن الكثيرين ممن يعولون على هذا النشاط لضمان معيشتهم هم قبل كل شيء ضحايا لفشل اقتصادات بلدانهم وعجزها عن توفير تنمية يتمتع بثمارها كل مواطنيها. وفي نهاية المطاف يلجأ للاقتصاد الموازي عامةً من لا يجد فرصاً سانحة ضمن الاقتصاد النظامي.
 
وأنشطة التهريب عبر الحدود والأنشطة الاقتصادية غير النظامية، ليست حكراً على بلاد دون غيرها. تقول التقديرات إنّ حجم الاقتصاد غير النظامي في تونس يبلغ حوالى 40 في المئة من الأنشطة الاقتصادية وأكثر من 30 في المئة في كل من ليبيا والجزائر.
 
وأنشطة التهريب انعكاس لفشل النماذج التنموية الداخلية، وكذلك لعدم قدرة أو رغبة حكومات المنطقة في تحقيق الاندماج لمبادلاتها التجارية.
 
تشير الأرقام إلى أنّ نسبة التبادل التجاري بين البلدان المغاربية لا تتجاوز 5 في المئة من جملة المبادلات التجارية لهذه البلدان مع مختلف الأطراف في العالم، و تُعَدّ هذه النسبة الأقل بين كل المجموعات الإقليمية في العالم.
 
والفشل في التنسيق والتكامل يتجاوز المبادلات التجارية ليشمل المنظومات المصرفية والجمركية والصناعية وغيرها من المنظومات الاقتصادية.
 
السبب الرئيسي في ذلك هو غياب الثقة بين بلدان المنطقة وانعدام الرؤية الاستراتيجية لمعظم أنظمتها.
 
استبطنت هذه الأنظمة على مدى السنين حسابات ضيّقة ومعادلات صفرية جعلتها لا تؤمن في إمكان النجاح المشترك، بل هي كثيراً ما يبدو أنّها تراهن على إخفاق الطرف الآخر لتحقيق مكاسبها الآنية.
 
لم تعد شعوب المنطقة تنتظر منها شيئا آخر، بل هي تبحث عن حلول تتجاوز العراقيل القائمة.
 
تحدّث قادة بلدان المنطقة، منذ عقود، عن إقامة مناطق للتبادل الحرّ على الحدود. لكنهم لم ينجزوا منها شيئاً. والمفارقة اليوم هي أن يكون المهرّّبون نجحوا في إقامة هذه المناطق الحرة على طريقتهم.
 
وهذا بالطبع ليس حلاً. فالحل هو أن تتطور اقتصادات البلدان المغاربية بوتيرة أسرع، بشكل يسمح بخلق مواطن الشغل التي يحتاجها شبابها العاطل من العمل. واحتمال تحقيق هذا الهدف سيكون أقرب إلى الواقع إذا ما تحرّك يوماً ما قطار الإندماج الاقتصادي المغاربي.
 
ومهما تكن الاعتبارات، فإنّ الحل ليس في جعل الشرائح المهمشة والمقصاة من الدورة الاقتصادية النظامية في المنطقة المغاربية قرابين للفشل. هذا الفشل يجب أن يتحمّل وزره آخرون، في مقدّمتهم أولئك الذين دفعتهم الحسابات الخاطئة إلى استبعاد فرضية التكامل والاندماج الإقليميين.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية