30-01-2024 | 05:40

لماذا تتقاعس الأحزاب الجزائرية عن تطوير البلديات التي تديرها؟

خلال هذا الأسبوع، دعت أحزاب من الموالاة والمعارضة وزارة الداخلية الجزائرية، إلى التشاور حول مشروع قانون البلديات، وعدم التسرّع في استصداره قبل الاتفاق على مسألة مركزية تتعلّق بصلاحيات رؤساء البلديات
لماذا تتقاعس الأحزاب الجزائرية عن تطوير البلديات التي تديرها؟
Smaller Bigger
خلال هذا الأسبوع، دعت أحزاب من الموالاة والمعارضة وزارة الداخلية الجزائرية، إلى التشاور حول مشروع قانون البلديات، وعدم التسرّع في استصداره قبل الاتفاق على مسألة مركزية تتعلّق بصلاحيات رؤساء البلديات وطريقة اختيارهم من قائمة الفائزين في الانتخابات البلدية عبر الوطن.
 
وحتى هذه اللحظة لم يصدر أي ردَّ فعل من طرف وزارة الداخلية تجاه الأحزاب الثلاثة، وهي حزب التجمّع الوطني الديموقراطي (الارندي)، وحركة مجتمع السلم (حمس) وحزب صوت الشعب.
 
في هذا السياق، يطرح مراقبون سياسيون جزائريون الأسئلة التالية: هل تختزل قضية عدم فاعلية رؤساء البلديات في الجزائر بقانون البلدية الذي تعتبره الأحزاب المذكورة آنفاً مجحفاً في حق رئيس البلدية حقاً، أم أنّ المشكلة تتمثل في الجوهر في غياب ثقافة الإدارة العصرية داخل هذه الهيئة الشعبية التي ما فتئ التخلّف يفرّخ فيها منذ الاستقلال حتى الآن؟.
 
تعيد بعض الأحزاب الجزائرية، التي نادت هذا الأسبوع بضرورة توسيع صلاحيات رؤساء البلديات، الأزمة الخانقة التي تتخبّط فيها البلديات إلى مختلف أشكال التضييق التي يعاني منها رؤساؤها جراء هيمنة رؤساء الدوائر والولاة (المحافظون) على الموازنات المالية والقرارات ذات الصلة بالتنمية، وإلى الممارسات السلبية للبرلمان ولوزارة الداخلية، باعتبار الأول هو الذي سنّ قانون البلدية، وباعتبار الثانية هي التي تحتكر الإشراف المباشر على الانتخابات البلدية وتعيين السكرتير العام لها أو تلك الأخرى، علماً أنّ هذا السكرتير هو الذي يحرّك في الحقيقة كل العمليات الإدارية، في حين يكتفي رؤساء البلديات الأحرار أو الممثلون للأحزاب، بالظهور في الواجهة السياسية فقط.
 
ماذا ينبغي فعله إذاً لإخراج البلديات الجزائرية من وضعيتها المزرية لكي تنطلق في عمليات تفعيل دورها التنموي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية؟
 
يرى العارفون بأوضاع البلديات الجزائرية، التي تُعتبر الخلية الأولى في معمار البنية السياسية والاجتماعية الوطنية، أنّ المشكلات الحقيقية لا تتمثل فقط في عدم تمتع رؤساء البلديات بالصلاحيات الواسعة، كأن تلجأ هذه البلدية أو تلك، مثلاً، إلى الاقتراض من البنوك المحلية لإنجاز هذا المشروع الاقتصادي أو ذاك المشروع الثقافي.
 
وفي الحقيقة، فإنّ القراءة الصحيحة للمشكلات البنيوية المعقّدة التي تعاني منها البلديات عبر القطر الجزائري، وعددها لا يقلّ عن 1548 بلدية، تكشف لنا أنّها قديمة جداً، وهي نتاج إبقاء النظام الجزائري، منذ الاستقلال حتى الآن، على البنية الإدارية الموروثة عن العهد الاستعماري الفرنسي، ويعني هذا أنّ الجزائر لم تفكّ ارتباطها بالثالوت الإداري الفرنسي المتمثل في البلدية، والدائرة، والولاية (التي تقابلها المحافظة في البنية الادارية في دول أجنبية أخرى).
 
إنّ التمسك بهذا الثالوث هو مصدر البيروقراطية التي تتحكّم في النسق الإداري الجزائري، ولا يمكن توسيع صلاحيات رؤساء البلديات من دون القضاء راديكالياً على هذه البنية الموروثة من العهد الكولونيالي.
 
من المعروف أنّ رئيس الدائرة ووالي الولاية، بحسب النظام الإداري المعمول به في الجزائر، هما اللذان يتحكّمان في كل القرارات الإدارية الأساسية منها على سبيل المثال فقط، منح جوازات السفر للمواطنين، وتسليم البنايات التي ينجزها القطاع العام التابع للدولة، وتوزيع أموال الموازنة السنوية التي تخصّصها الحكومة لكل البلديات، وأكثر من ذلك، فإنّ أعضاء مجلس التنسيق الولائي، الذي يتشكّل من جميع المسؤولين المعينين من طرف مختلف الوزارات في هذه الدائرة أو تلك الولاية، مثل المديرين ونواب المديرين والمكلّفين بالمهام، لا يتحكّم فيهم رؤساء البلديات، وإنما والي الولاية ويأتمرون بأوامره.
 
في مثل هذا المناخ يجد رؤساء البلديات أنفسهم في وضع المستشار العربي الذي لا يُستشار إذا حضر ولا يُسأل عنه إذا غاب الغيبة الكبرى أو الصغرى، وبذلك لا تبقى لهم أية صلاحيات ذات أهمية وعلاقة بإقرار وتنفيذ مضامين برامج التنمية المحلية. هناك مشكلة أخرى لا تقلّ سلبية عن المشاكل المترتبة على الإبقاء على الهيكلة الإدارية الكولونيالية، وهي تتمثل في تدخّلات كبار مسؤولي الأجهزة المركزية العليا، التي تصنع القرار السياسي على مستوى دواليب الهرم الأعلى للسلطة، في اختيار رؤساء البلديات وفرضهم غالباً على رأس المجلس البلدي المحلي.
 
والمدهش في الأمر، هو أنّ الأحزاب الثلاثة المذكورة آنفاً، والتي تشكو من تردّي أوضاع رؤساء البلديات وتطلب حالياً من وزارة الداخلية التريث في طرح قانون البلدية للتطبيق ميدانياً، هي جزء عضوي من بنية النظام الحاكم، وذلك بحكم اختيارها موقف الموالاة وليس المعارضة الحقيقية، وأكثر من ذلك، فإنّ حزبي التجمع الوطني الديموقراطي وحركة مجتمع السلم يسيطران بشكل خاص على عدد كبير من البلديات التي تقع في قبضة رؤساء تابعين لهما، ولم يحقّقا أية إنجازات مُعتبرة فيها.
 
في هذا السياق، ينبغي التذكير أنّ التقارير المحايدة تؤكّد أنّ البلديات التابعة لأحزاب الموالاة المذكورة آنفاً، ولأحزاب المعارضة وغيرها، تتبع نمطاً واحداً من الممارسة الإدارية المرسومة من مراكز صنع القرار السياسي والإداري في أعلى هرم السلطة، وجراء ذلك لم توفّر الحلول الناجعة للمشكلات التي تحول دون تحقيق إنجازات حداثية متطورة، تضمن الأمن الغذائي لسكان تلك البلديات، أو تساهم أيضاً في تأسيس المؤسسات والمنظورات الثقافية والعلمية والفنية المتطورة، بل بالعكس، فإنّها ما فتئت تلعب دوراً سلبياً محورياً يتمثل في التنزه على رداءة المعمار، واستفحال أزمة السكن، وتغوّل ظاهرة البطالة، فضلاً عن انتشار ظواهر أخلاقية مرضية في المجتمع وهلمّ جرّا.
 
في ضوء ما تقدّم، يرى خبراء التنمية وإدارة شؤون المواطنين، أنّ الإصلاح الإداري المطلوب عبر بلديات الوطن مشروط بإحداث تغيير جذري في الهيكلة والقضاء على النمط الإداري البيروقراطي الموروث عن العهد الكولونيالي.

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة