في مقابل غزارة الدراسات والأبحاث حول الشعبوية، حين تكون قوة معارضة واحتجاج، لا تقول الأدبيات سوى القليل عن كيفية تأثير الشعبويين على أنماط الحكم ومؤسساته. في الواقع، لم يبدأ الباحثون إلا أخيراً التفكير في الطريقة التي تؤثر بها تصرفات الشعبويين وقراراتهم على البيروقراطيات والعمليات السياسية. وحتى الآن، فإن النتائج ليست مشجعة. وقد أوضح بعض الباحثين أن الشعبويين يستولون على الهياكل الإدارية أو يفككونها، فيما يشير آخرون إلى أنهم يقومون بتسييس البيروقراطيات. ويظهر الباحثون أيضاً أن الشعبويين يضعون عملية إدارة القطاع العام والشبكات التعاونية تحت الضغط، بكل ما يعنيه ذلك من أضرار كبيرة على الجهاز الإداري وأنماط صنع السياسات في البلاد.
في ورقة بحثية نشرت في المجلة الأوروبية للأبحاث السياسية، قبل عام، ينتهي كل من ياسمين سارة كونيغ وتيلكو سوالف إلى أن من المهم التمييز بين البيانات الحزبية للأحزاب الشعبوية، وخطاب السياسيين الشعبويين، والمحتوى السياسي الفعلي للأحزاب الشعبوية الموجودة في السلطة. فالخطاب العدائي وبيانات الأحزاب المتطرفة لا تعبر تلقائياً عن نفسها كقوانين تضر بالديموقراطية الليبرالية، إذ إن تحديد أوجه عدم التوافق بين الأيديولوجية الشعبوية والديموقراطية الدستورية من الناحية النظرية لا يعني مباشرةً عدم توافق السياسات التي بدأتها الحكومات مع المشاركة الشعبوية والديموقراطية الدستورية في الممارسة العملية. ربما تبدو هذه النتيجة صالحة للتطبيق في الدول ذات المؤسسات الديموقراطية الراسخة، ولا سيما المؤسسات القضائية القوية والمستقلة، وكذلك في الدول التي يكون فيها الشعبويون جزءاً من ائتلاف حكومي، وبوصفها أحزاباً، وليست شخصيات أفراد في نظم رئاسية حيث يترجم وصول هؤلاء الأفراد، مباشرةً إلى قوانين معادية للحريات.
أما من ناحية الدور الذي تلعبه الشعبوية – حين تكون في الحكم – على مستوى جهاز الدولة، فلا نجد الكثير من الدارسات في هذا السياق، إذ تتركز دراسات الشعبوية الحاكمة في مستوى القضايا الدستورية. لكن من بين الأبحاث القليلة حول مسألة البيروقراطية الورقة التي نشرتها جامعة كامبريدج، قبل عام ونصف، تحت عنوان "الشعبويون في الحكومة: عاديون أم استثنائيون؟"، وحررها الثلاثي: جوستين أسكيم ورون كارلسن وكريستوفر كولتفيت. يحدد هذا العمل البحثي تجليان لوجود الشعبوية في الحكم في مستوى عمل جهاز الدولة.
أولاً، تفتقر الأحزاب الشعبوية إلى القدرة على تحويل الأفكار الكبيرة والشعارات الشعبية التي تطلقها خلال الحملات الاحتجاجية والانتخابية، إلى سياسات عامة والنظر في تفاصيل تنفيذ السياسات. غالباً ما تكون الأحزاب الشعبوية جديدة ومركزية نسبياً، وبالتالي لديها فروع حزبية محلية ضعيفة مقارنة بفروع الأحزاب الجماهيرية القائمة. وهذا الضعف يقلل من قدرتها على تحديد الكفاءات السياسية وتوظيفها وتطويرها؛ فلديها مجموعات ضحلة نسبياً لاستقطاب المرشحين منها، بمجرد دخولهم الحكومة. علاوة على ذلك، نادراً ما يكون للأحزاب الاحتجاجية والأحزاب الشعبوية جذور في المنظمات المهنية، أو المجموعات المهنية، أو المؤسسات التعليمية، أو الاتحادات الإقليمية أو غيرها من الأوساط المرتبطة بمجالات الحكم مركزياً ومحلياً. في أنظمة المحسوبية، يمكن أن يعني الوصول المحدود إلى الخبرة في مجال الحكم أن الأحزاب الشعبوية تفتقر إلى المرشحين لشغل المناصب السياسية المعينة في البيروقراطية. وفي أنظمة الجدارة الأكثر صرامة حيث تقتصر التعيينات السياسية على السياسيين التنفيذيين على قمة الوزارات الحكومية، يمكننا أن نتوقع من الأحزاب الشعبوية تعيين سياسيين تنفيذيين يتمتعون بخبرة مهنية وسياسية أقل من تلك التي يتمتع بها أولئك الذين ينتمون إلى الأحزاب الرئيسية الكبرى. أما التجلي الثاني، فهو الأكثر خطورةً. في قلب الأيديولوجية الشعبوية الهشة، تكمن فكرة النخبة والمؤسسة باعتبارهما عدوين للشعب الفاضل.
بالنسبة إلى الشعبويين، يعد موظفو الخدمة المدنية جزءاً من النخبة، والعديد من الأحزاب الشعبوية التي تدخل المكاتب الحكومية لديها تاريخ في التعبير عن وجهات نظر شديدة التشكك حول الخدمة المدنية الدائمة، وهي المجموعة التي يجب عليها العمل معها بشكل وثيق أثناء وجودها في الحكومة. يُنظر إلى موظفي الخدمة المدنية على أنهم خدم للنظام الفاسد، وبالتالي يجب تهميشهم وعزلهم قدر الإمكان، وبالتالي فصل السياسيين التنفيذيين عن البيروقراطية. ومن المتوقع أيضاً أن تصبح العلاقات السياسية والإدارية غير موثوقة بطبيعتها، على سبيل المثال، مع عدم ثقة السياسيين نسبياً برغبة موظفي الخدمة المدنية وقدرتهم على إعطاء القادة الشعبويين ما يحتاجون إليه من حيث الأدلة الداعمة والحجج والمشورة المستجيبة سياسياً.
هذه النتائج تؤكد التجارب الشعبوية عالمياً، إذ تكشف دراسة الحالة الخاصة بالهند كيف دمرت سياسات رئيس الوزراء الشعبوي مودي الشركات الصغيرة؛ فقد تسببت سياسته المتمثلة في إزالة الأوراق النقدية الكبيرة من السوق في انخفاض قصير المدى بنسبة 47 في المئة في الإيرادات وخسائر كبيرة في الوظائف. وبذلك فاقم تدهور أوضاع الطبقات الوسطى والفقيرة على نحو كبير، بدفع قوي لرؤوس الأموال الكبيرة من خلال تحالف "أفضل من النقد" الذي تموله الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ومؤسسة بيل وميليندا غيتس ومؤسسة سيتي، ومؤسسة فورد، وماستركارد، وشبكة أوميديار، وشركة فيزا.
وهو تحالف انضمت إليه الهند قبل عام بالضبط من سحب النقود. وكان الهدف المعلن من الدفع غير النقدي، هو جعل من المستحيل على القطاع غير الرسمي البقاء كما هي الحال اليوم، على الرغم من أنه يوظف أكثر من 70% من العمالة في الهند. وفي البرازيل في عهد الرئيس السابق جايير بولسونارو، استفادت الشركات الصغيرة من تخفيض اللوائح التنظيمية ومتطلبات الترخيص، كما فعلت الأعمال التجارية الزراعية في غابات الأمازون المطيرة، لكن الشركات المالية والشركات التي تركز على الخارج تواجه تقلبات شديدة.
تكشف هذه النتائج التي لا تزال أوليةً، في ظل نقص واضح في الدراسات حول آثار وجود الشعبوية في السلطة، عن قصور القول الرائج اليوم، ولا سيما في أوروبا، حول فسح المجال للحركات اليمينية الشعبوية المتطرفة بالوصول إلى السلطة، ومن ثم المراهنة على فشلها في تلبية حاجات ناخبيها، وبالتالي فشلها. لأن مجرد وصولها إلى السلطة، هو فقط تجلٍ لفشلها، بل بداية تفكيك للمجتمع ومكاسبه القليلة التي حققها على مدى عقود من النضال في النقابات والمؤسسات المدنية. وحينذاك ستكون إعادة بناء الخراب صعبةً أو شبه مستحيلة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض