مسؤولون... إسرائيل نحبها حتى نتقاعد!
ربما كانت "عودة الوعي" لدى كارتر أسرع منها عند آخرين. فهو سار على "طريق دمشق" باكراً، وتحول جذرياً كالقديس بولس، إذ قارن في كتابه "فلسطين: سلام لا أبارتيد" (٢٠٠٦) بين الاستعمار الاستيطاني العسكري للضفة الغربية بنظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.
قبل نحو شهرين من نهاية ولايته الثانية في 2017، تلقى باراك أوباما التماساً غير مباشر من سلفه الديموقراطي جيمي كارتر من أجل "منح الاعتراف الدبلوماسي لدولة فلسطين". وتمنى كارتر في مقالة نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" على أوباما أن يتخذ تلك "الخطوة السهلة" قبل خروجه من البيت الأبيض للمساعدة على إحلال السلام في المنطقة. لكنه لم يذكر لماذا لم يقم بهذا الإجراء "البسيط" حينما كان على رأس السلطة!
الواقع أن السؤال ذاته يوجه إلى العديد من المسؤولين السابقين في الغرب ممن لم يفعلوا شيئاً لغزة عندما كانوا قادرين على الحل والربط. إلا أن بعضهم تباكوا، ويتباكون حالياً، عليها، بعدما غادروا مناصبهم وصاروا أكثر شجاعة ليعربوا عن موقفهم الحقيقي من الاحتلال الإسرائيلي.
وربما كانت "عودة الوعي" لدى كارتر أسرع منها عند آخرين. فهو سار على "طريق دمشق" باكراً، وتحول جذرياً كالقديس بولس، إذ قارن في كتابه "فلسطين: سلام لا أبارتيد" (2006) بين الاستعمار الاستيطاني العسكري للضفة الغربية بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
غير أنه لم يبدأ تغيير موقفه من دولة الاحتلال وهو لا يزال في منصبه، كما فعل شارل ديغول. معروف أن الرئيس الفرنسي الأسبق تعاطف مع إسرائيل أولاً وربما أعطاها سلاحها النووي، وخاض معها حرب السويس، أو ما يعرف باسم "العدوان الثلاثي" في 1956. وراح يعيد النظر بها، وما إن انتهت حرب الأيام الستة باحتلالها أراضيَ عربية، حتى كان شجاعاً بما فيه الكفاية لكي يهاجمها علناً كدولة مستعمرة تبحث عن التوسع، محذراً من أن ذلك سيجلب الويلات لها وللمنطقة برمتها.
لم يحذُ الكثير من المسؤولين الفرنسيين حذو الزعيم التاريخي، ما عدا استثناءات محدودة. لكن حتى أولئك الذين اختاروا طريقاً آخر في التعامل مع إسرائيل، مثل إيمانويل ماكرون، انتهى بهم الأمر إلى انتقادها علناً، ولو بتردد، جرّاء أعمال الإبادة التي تشهدها غزة منذ ثلاثة أشهر.
في المقابل، كان البريطانيون أكثر "صمتاً" وأشد تصالحاً مع الاحتلال. هناك قلة من وزراء شجعان من العمال والمحافظين، وضعوا النقاط على الحروف، حين كانوا في الحكومة وبعدما خرجوا منها. بيد أن النموذج البريطاني الغالب يتمثل في علاقة تقوم على الرياء، والتملق. فحين يكون على رأس عمله، يثني على إسرائيل في العلن ويهاجمها سراً أو يبدأ بانتقادها فقط حينما يغادر منصبه.
وكان معظم رؤساء الحكومات العماليين أصدقاء مخلصين لإسرائيل. مثلاً توني بلير دعمها بقوة وهو في 10 داونينغ ستريت، وواصل التعاون معها بعد تنحيه. وتردد أخيراً أن بنيامين نتنياهو يفكر بتكليفه إدارة عمليات تهجير أهل غزة، وهو خبر نفاه بلير. وبصرف النظر عن طبيعة موقفه، فالرجل ظل منسجماً مع نفسه.
أما الزعيم العمالي الحالي كير ستارمر الذي يكاد يسبق الأميركيين وخصومه المحافظين البريطانيين في الوقوف مع إسرائيل ظالمة أو مظلومة، فتبين أنه كان قبل سنوات خصماً عنيداً لها! انتشرت أخيراً صوره وهو يدعو عام 2015 في اجتماع عام إلى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وظهر خلفه ملصق كبير كتب عليه "اطردوا العنصرية الإسرائيلية من الفيفا".
في الجانب الآخر، كانت هناك تناقضات في مواقف رجال دولة محافظين، ربما كان ونستون تشرشل، رئيس الوزراء الأسبق أبرزهم. اتهم بموجب أدلة دامغة بالعنصرية تجاه العرب والهنود والسود ممن اعتبرهم "سلالات أقل قيمة". ولم ينجُ اليهود منه، لكنه كان يخفي عداءه للسامية ويجاهر بتأييده الصهيونية بقوة ويتباهى بوعد بلفور.
ولما صار العرب قوة مؤثرة بفضل النفط، صار البريطانيون يحسبون حسابهم. هكذا تجنب أليك دوغلاس هيوم رئيس الوزراء الأسبق التملق لإسرائيل. وفي سابقة سياسية، أكد في 1970، وكان يومها وزيراً للخارجية، أن بريطانيا لا تستطيع أن "تتجاهل الطموحات السياسية للفلسطينيين العرب". والسبب الجوهري في هذا التأكيد ليس أخلاقياً بقدر ما هو مصلحي.
وبين مجايلي هيث وهيوم، اللورد بيتر كارينغتون واللورد إيان غيلمور وكان لكل منهما صولات وجولات في أروقة السلطة، كما حاولا إضفاء شيء من التوازن على السياسة البريطانية حيال النزاع العربي الإسرائيلي. ولم يغيرا موقفيهما اللذين تعززا بعد التقاعد.
كارينغتون الذي شغل منصبي وزير الدفاع ثم الخارجية قبل أن يصبح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، اصطدم مع مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل ووزير خارجيته إسحق شامير أكثر من مرة بسبب حركة الاستيطان النشطة التي كانت تجعل حل الدولتين مستحيلاً.
أما اللورد غيلمور، وزير الدفاع ووزير الدولة للشؤون الخارجية الأسبق، صديق فلسطين المخلص، فقال في مقالة نشرها بعد إحدى زياراته للأراضي المحتلة في 2001 إن "المستوطنات الإسرائيلية اللا شرعية في الضفة الغربية سيئة بما فيه الكفاية، لكن المستوطنات في قطاع غزة هي إهانة للحضارة".
دوغلاس هيرد، وزير الخارجية الأسبق المعروف باعتداله، انتقد إسرائيل فقط بعد مغادرته وظيفته. ففي كتابه "مذكرات" (2003)، خلُص الى أن "غزة، المكان الأكثر بؤساً بين مناطق سكن البشر التي زرتها على الإطلاق"، وذلك بسبب الاستيطان الذي يعيق السلام.
ولماذا الصمت والمجاملة وادعاء البعض ما لا يؤمنون به؟
الأسباب كثيرة ومعقدة. إلا أن إحدى الإجابات المحتملة، هي سياسة الترهيب التي تستهدف كل نصير للحق الفلسطيني. أذكر أنني قابلت اللورد غيلمور في 2001 في مجلس اللوردات لمعرفة رده على انتقادات وجهها صهيوني معروف إليه بسبب شجبه سياسات إسرائيل. فجأة بدا قلقاً للغاية. فقد قال من دون قصد كلمة يمكن أن تؤدي إلى اتهامه بالعداء للسامية. ولعل "الهلع" الذي رأيته على وجهه يومذاك يوضح خطورة تلك التهمة على أي سياسي.
نفوذ اللوبي الصهيوني في أميركا الذي كثيراً ما يكون مادة خصبة لنظريات المؤامرة، ليس متخيلاً بالكامل. وفي إشارة غير مباشرة في كتابه "مذكرات"، يقول هيرد إن أي تقدم على طريق السلام يستلزم "وضع الضغوط القوية ضمن النظام السياسي الأميركي، جانباً".
وتضم جماعات الضغط الموالية لإسرائيل العديد من المتبرعين الأثرياء الذين يستطيعون أن يمنعوا أي أميركي، أو بقدر أقل بريطاني، من الوصول إلى مركز ما. وهناك المصالح الاقتصادية التي قد تحمل السياسي على الميل إلى هذا الجانب أو ذاك. كما تلعب الدعاية ذات الجذور العميقة في المجتمع الغربي، التي ترسم للعرب والفلسطينيين صوراً مشوهة مستقاة مما يقوله عتاة العنصريين الإسرائيليين عنهم.
وماذا فعل العرب، أو يفعلون، لمواجهة هذا الواقع؟ في الغالب، لا شيء أو ربما المساعدة من حيث لا يدرون، على تعزيزه!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض