ليست المصادفة التي خلقت لبن شابيرو، مقدّم البودكاست الشهير، شعبيةً بين العرب خلال السنوات القليلة الماضية، فراحوا ينشرون مقتطفات من برنامجه، ويتبادلون أجزاءً من محاضراته، ويهلّلون لمناظراته. إنّ خلف طبقة الصوت المستفزة تلك، والثقة المفرطة في النفس، تكمن آراء تروق لأغلبية الرجال المشرقيين، إذ يقدّم شابيرو نفسه كمحافظ ومتدين ومعادٍ للنسوية، ليلتحق بعرّابي "المانوسفير"، أو المجتمعات الافتراضية المعادية للمرأة، مثل آندرو تيت وروش في وغيرهم.
هذا ما يظهر للعيان.
ولكن من يتابعون بتجرّد حديث شابيرو عن نفسه وتنشئته وحياته اليومية، سيلاحظون بأنّ الكثير من المبادئ التي تنادي بها النسوية، وتطمح إلى تعزيزها في كنف الأسرة، بل والتي يحاربها صراحةً من يصنّفون أنفسهم كمعادين للنسوية، قد تغلغلت في سلوكيات شابيرو، وتجلّت من خلال أسلوب حياته.
لقد ترعرع في منزل خرجت فيه الأم، والتي كانت مديرة تنفيذية، إلى العمل، فيما قرّر الأب ملازمة البيت لتربية الصغار. ثم كبر الابن المتدين المحافظ، فكان عاقداً العزم –كما صرّح بعظمة لسانه- على أن يرتبط بامرأة تشاركه الطموح الوظيفي والاندفاع، فجاءت مور، وهي المتخصّصة في طب العائلة.
مضى شابيرو وزوجته لينجبا 4 أطفال، وهنا أزعم بأنّه لو أنصت إليه بإمعان معظم محبيه ومعجبيه من الرجال العرب، واستمعوا خصيصاً إلى تعاطيه مع الأبوة، لطالبوا بخوزقته في الساحات العامة، إذ يتضح من حديث شابيرو إيمانه الجذري بتقاسم الرجل والمرأة لمهام التربية، والاهتمام بالأطفال، والأعمال المنزلية، بل وفي إمكان أن يأخذ الأب حصّة أكبر إذا اقتضت الظروف ذلك، حيث لا يعتبر هذه المسؤوليات حكراً على الأم.
لا يخجل شابيرو من كونه يتحمّل معظم أعباء التربية بسبب انشغال زوجته بجدول أعمالها الأقل مرونةً. إنّه يتولّى تجهيز أطفاله للمدرسة صباحاً، ويضعهم في الفراش في كل ليلةٍ، ويفتخر بنهوضه من النوم لتلبية احتياجات الرضيع، بينما تنال مور قسطاً من الراحة، كما أنّه يربط المئزر ويطبخ الوجبات، والأمثلة عديدة لمن سينحّي تحيزاته جانباً، إما مع أو ضدّ شابيرو، ويكتفي بالاستماع إليه.
ها هو الرجل الذي يصدّر نفسه لمحطّمي العالم باعتباره سيفهم المسلول ضدّ النسويات "يطبّق" النسوية بين ظهراني بيته.
سأعترف بأنّه لو كان دخلي الشخصي يماثل دخل شابيرو من "صناعة معاداة النسوية"، لبعت القضية بدوري، وربما استهجنت قيام الآباء بتبديل الحفاضات المتسخة لأطفالهم باعتبارها إهانة غير لائقة لرجولتهم. إنّ التقارير تقدّر تحصّل شابيرو على 3 ملايين دولار سنوياً من شركته الإعلامية، وهي المنتجة لبودكاست "ذا بين شابيرو شو"، وملايين أخرى سنوياً من مبيعات كتبه، ناهيك بمداخيل إلقائه للمحاضرات.
إنّها "صنعة"، لا تختلف في شيء عن صنعة المزارع والبنّاء والمعلّم والخياط. يرتدي شابيرو "الزي الموحّد" لباعة كراهية المرأة، يروّج لبضاعته الفاسدة، ثم يخلع الزي بنهاية المناوبة ويعود إلى حياته الطبيعية. ولا عزاء للأغبياء والسذج.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض