23-01-2024 | 15:53

معنى الانتخابات وتقويضها في العراق: البصرة مثالاً

تحدث "الإطار التنسيقي" عن رغبته باستبدال جميع المحافظين. ما علاقة بغداد وساستها بانتخابات مجالس المحافظات؟ ما هو الحق الذي يمتلكه سياسي إطاري من النجف أو بغداد في أن يكون له دور في تقرير من سيكون محافظ البصرة مثلاً؟
معنى الانتخابات وتقويضها في العراق: البصرة مثالاً
Smaller Bigger

في عام 2010، في أثناء شدة الصراع السياسي على نيل منصب رئيس الوزراء بين أياد علاوي الذي تصدر تحالفه نتائج الانتخابات بفوزه بـ 91 مقعداً، ونوري المالكي، رئيس الوزراء حينها، الذي جاء تحالفه ثانياً بـ 89 مقعداً، ذَكرَ الأخير، في لقاء تلفزيوني له، أنه لن يسمح أن يتولى منصب رئيس الوزراء من لا يستحقه ولا تتمثل فيه الصفات الوطنية والقيادية الخ... تحدث الرجل عن المنصب التنفيذي الأعلى في البلد بوصفه أمانة أخلاقية وليس استحقاقاً انتخابياً، في تشويه عميق لمعنى الديموقراطية ودور الانتخابات فيها.

بعيداً عما إذا كان المقصود بكلام المالكي علاوي أم لا، ما كان يشير إليه الرجل مناقض تماماً لمعنى الديموقراطية كما تُفهم عالمياً وكما نص عليها الدستور العراقي. الذي يحسم تولي المناصب العامة المنصوص على أن الحصول عليها يتم عبر التنافس الانتخابي، الشعبي أو البرلماني، هو نتائج الانتخابات وحدها، ولا شيء غير هذه النتائج. في النسخة البرلمانية العراقية تشمل أهم هذه المناصب الرئاسات الثلاث (البرلمان والحكومة والجمهورية)، وأعضاء البرلمان ومجالس المحافظات والمحافظين.

لم يتوقف الأمر عند مثل هذا، بل أصبح جزءاً مألوفاً من الخطاب السياسي المقبول الذي يتكرر قبل كل انتخابات وبعدها، خصوصاً في السنوات الأولى بعد إطاحة نظام صدام حسين، القول إن الفوز الانتخابي هو فقط أحد معايير الحصول على المنصب إلى جانب معايير أخرى!! فتَحَ هذا النهج السياسي المناهض للديموقراطية البابَ على تفاهمات وصفقات وتسويات سياسية دائمة يلتف الكثير منها على معنى القانون والدستور ونتائج الانتخابات، لتساهم هذه كلها في صناعة اضطراب سياسي لم يتوقف منذ 2003. هذا هو السبب الرئيسي في أنه لم يحصل أي انتقال سلس للسلطة في العراق منذ الانتخابات الأولى في 2005، فدائماً ما تكون فترات تبديل الحكومات في بغداد بعد كل انتخابات أوقات صراع واضطراب تستغرق طويلاً ويجري فيها حتى استخدام العنف عند الحاجة، إضافةً إلى تصاعد بورصة المزايدات والابتزازات والتهديدات والفضائح في أثناء مواسم التبديل الحكومي هذه. يقود كل هذا الى الفشل في بناء وترسيخ قواعد التبديل الحكومي انتخابياً وتشكيل تقاليد وأعراف سياسية رصينة حولها. باختصار، الذي يحصل في العراق هو تحويل هذه المواسم، التي ينبغي أن يُحتفى فيها بمعنى الديموقراطية والتداول السلمي والسلس للسلطة، إلى صراعات حادة وتطويع الجمهور على القبول بهذه المعايير المناهضة للديموقراطية بوصفهاً جزءاً طبيعياً من الديموقراطية!

في هذه الأيام، يحاول الإطار التنسيقي، الكتلة البرلمانية الحاكمة، تجربة التقليد السيئ هذا من جديد، بعد إعلان نتائج انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، إذ أسرع الإطار الى إعلان تشكيله "لجنة عليا من 5-6 اعضاء من أجل وضع خارطة طريق... للمضي في تشكيل الحكومات المحلية خاصة..."، لماذا أصلاً اجراء انتخابات مجالس المحافظات من أجل أن تتولى، في آخر المطاف، لجنة في بغداد وضع "خارطة طريق… لتشكيل الحكومات المحلية"؟

في ما بعد تحدث الإطار عن رغبته باستبدال جميع المحافظين. ما علاقة بغداد وساستها بانتخابات مجالس المحافظات؟ ما هو الحق الذي يمتلكه سياسي إطاري من النجف أو بغداد في أن يكون له دور في تقرير من سيكون محافظ البصرة مثلاً؟ ناخبو البصرة ذهبوا للتصويت ونتيجة تصويتهم ينبغي أن تكون المعيار الوحيد في تحديد من هو المحافظ، سواء اتفقنا أو اختلفنا سياسياً مع الفائز الانتخابي! هذا هو معنى الانتخابات في كل الدول الديموقراطية الحقيقية: هي حسم للخلافات والصراعات عبر صناديق الاقتراع، وليس استئنافها واستخدامها بعد الانتخابات لتقويض الفائزين وتحويل كامل الموضوع إلى صفقة سياسية جديدة. وإذا كانت هناك حاجة للتفاوض بسبب خلو نتائج الانتخابات من حسم لصالح أحد الأطراف، فالصحيح هو أن الأطراف والشخصيات المحلية البصرية بانتماءاتها السياسية والحزبية المختلفة، والمُشاركة في الانتخابات، هي التي تتولى التفاوض بنفسها، وليس الأحزاب الرئيسية في بغداد التي تنتمي لها هذه الأطراف والشخصيات.

هذه الهيمنة المركزية بإعادتها تفسير نتائج الانتخابات سياسياً حسب مصالح الكتلة البرلمانية الأكبر في بغداد، لا تقوض فقط معنى الديموقراطية، أو ما تبقى منها عراقياً، بل هي أيضاً تمنع بروز ديناميات وحركات سياسية محلية تكتفي بالاشتغال على مستوى المحافظات وليس المستوى الاتحادي. جذر الديموقراطية تاريخياً وتطورها، فضلاً عن ممارستها، هو محلي: تبدأ في المدن وتتمظهر صعوداً عبر كامل الدولة ومؤسساتها والرقعة الجغرافية التي تحكمها هذه الدولة.

ما يزيد الأمر سوءاً في السياق العراقي الحالي هو اللجوء الى تقويض الفوز الانتخابي الصحيح عبر تجيير القانون لأغراض سياسية كما في إلغاء فوز النائب، عن الكوتا المسيحية، في البصرة، فاهرام هايك، الذي يُعتقد أنه قريب من قائمة "تصميم" التي يتزعمها محافظ البصرة أسعد العيداني، الحاصلة على عدد المقاعد الأعلى، 12 من مجموع 23. باستخدام حجة انتماء هايك لحزب البعث المخلوع، استطاع الإطار وحلفاؤه إزاحة نائب يمكن أن يقوي موقف العيداني في الاحتفاظ بمنصب المحافظ الذي يشغله حالياً، عبر استبداله بنائب إطاري حاصل على عدد أقل بكثير من الأصوات، ليصل عدد مقاعد الإطار في البصرة إلى 11. التلاعب بالقانون واضح في هذه الحالة إذ لا يحق للمرشح الانتخابي خوض الانتخابات أصلاً، إلا بعد ضمان عدم شموله باجراءات اجتثاث البعث أو ما يُعرف بالمساءلة والعدالة، لكن مصالح الإطار التنسيقي السياسية تبدو أهم من القانون الذي كثيراً ما يُعاد تفسيره في العراق لصالح الطرف الأقوى.

قد يحصل الإطار التنسيقي على منصب محافظ البصرة الغنية بالموارد، أو قد يتوصل الى صفقة ما مع قائمة العيداني تبقي الأخير في منصبه مقابل تقديم تنازلات ما. لكن في حالة نجاح الاحتمال الأول واعتماد خيار لم ينشأ من تصويت أغلبية الناخبين في البصرة عليه، يصبح اجراء الانتخابات لا معنى له، ما دامت نتائج هذه الانتخابات، لوحدها، لا تقرر الفوز والخسارة اللتين تُترجمان على نحو مباشر وواضح على نيل المناصب وفقدانها. حق الجمهور الحصري و"المقدس" في أي ديموقراطية هو أنه الوحيد، عبر تصويته، الذي يمنح المنصب والشرعية ويسلبهما. الصحيح هو ألا يُسلب جمهور البصرة الانتخابي هذا الحق. هذا الجمهور نفسه هو الذي ينبغي أن يقرر بعد أربع سنوات من الآن، في انتخابات مجالس محافظات مقبلة، إذا كان العيداني يستحق أن يبقى في منصبه محافظاً أم لا، وليس الإطار التنسيقي في بغداد! هذا الالتفاف شبه المستمر على قرار الناخبين العاديين هو أحد الأسباب الرئيسية لفشل التجربة الديموقراطية العراقية.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.