25-01-2024 | 05:00

باكستان... أفق مفتوح على الحرب والأزمات!

عندما رشقت باكستان مواطنيها الانفصاليين "البلوش" المتمركزين في إيران بوابل من القذائف، حذّر عدد من المهتمين من احتمال التصعيد، في وقت لا يحتاج فيه العالم إلى مزيد من الحروب.
باكستان... أفق مفتوح على الحرب والأزمات!
Smaller Bigger
عندما رشقت باكستان مواطنيها الانفصاليين "البلوش" المتمركزين في إيران بوابل من القذائف، حذّر عدد من المهتمين من احتمال التصعيد، في وقت لا يحتاج فيه العالم إلى مزيد من الحروب. وأعرب آخرون عن خشيتهم من ارتفاع سخونة الوضع بسبب تجاوز إسلام آباد خطاً أحمر، لم تستطع واشنطن ولا تل أبيب أن تتخطّاه صراحة وفي وضح النهار!.
 
ثمة أسئلة مستقاة من الاتهامات التي تبادلها الطرفان، لا تزال في انتظار الإجابات. مثلاً، لماذا تركت إسلام آباد "جيش العدل" يعمل ضدّ إيران من أراضيها؟ وهذا التنظيم الجهادي هو وريث حركة "جند الله" الأصولية التي قيل إنّ باكستان قد ساعدت إيران في القبض على مؤسسها عبد المالك ريغي وإعدامه. وبالمثل، ما الذي يحمل طهران على السماح لانفصاليين وعملاء هنود، تؤويهم، بالعمل ضدّ باكستان من أراضيها؟.
 
ثمة أدلة على وجود نزاع بالواسطة أداته جماعات من إتنية "البلوش" التي يقدّر عدد أبنائها بـ10 ملايين نسمة موزعين على الحدود بين باكستان وإيران وأفغانستان. من الصعب ضبط حدودهما المشتركة (900 كلم)، كما تُقدّر قيمة التبادلات التجارية بينهما بـ 2 مليار دولار سنوياً، وتزود إيران باكستان بالكهرباء والنفط اللذين تحتاجهما حاجة ماسّة. فهل ضرب كل منهما الآخر، بقرار ذاتي، أم أنّ أصابع أجنبية أضرمت النار، وبوسعها أن تُشعلها ثانية وثالثة؟... في هذه الحالة لا يُستبعد الانفجار وربما الحرب!.
 
في الأساس، لم تملك باكستان خيار الردّ على جارتها. انتهكت إيران سيادتها بالهجوم على من تصفهم بـ"الإرهابيين" في غرب البلاد. وتردّد أنّ الجيش أمر بشن الغارات الانتقامية حتى من دون استشارة رئيس الوزراء (البلوشي) الموقت، أنوار الحق كاكار. ولم يكن بمقدور القوات المسلحة التي تمسك بزمام الأمور في باكستان، تجاهل اعتداء دولة أجنبية على حرمة البلاد في مثل هذا التوقيت الحساس مع انطلاق المعركة الانتخابية.
 
وقبل يوم واحد من اشتعال الوضع، أطلق رئيس الوزراء الأسبق، نواز شريف، حملة حزبه "الرابطة الإسلامية الباكستانية" استعداداً للانتخابات المزمع إجراؤها الشهر المقبل. سمح له العسكر، وهم حماة الديموقراطية الباكستانية التي يفصّلونها على مقاسهم، بالعودة من منفاه الذي أجبروه هم على الذهاب إليه قبل 5 سنوات. فقد غضبوا منه حينذاك، و"صرفوه من الخدمة"!.
 
وشريف، الذي وضعت المحكمة العليا حداً لولايته الثالثة حينما أدانته بالفساد، يعود فيما الاقتصاد على ركبتيه. فالتضخم اقترب في العام الماضي من نحو 40 في المئة، وفقر الطاقة على أشدّه ما سبّب صعوبات منها انقطاع متكرّر في التيار الكهربائي. وتراجعت أرقام الصادرات كما تقلّصت الاستثمارات وباتت التحويلات الآتية من الخارج أقل منها سابقاً بنحو 4 مليارات دولار.
 
وبلغت العملة الوطنية (روبية) مستوى متدنياً، يعزوه خصوم خان إلى إنفاق حكومته المتفلّت من أي ضوابط. ولسوء الحظ أنّ الحكومة الائتلافية التي تسلّمت زمام الأمور في إسلام آباد بعد إقالته، لم تكن مؤهّلة لإدارة الاقتصاد بحكمة. وأدّى ذلك إلى إرجاء الاتفاق مع صندوق النقد الدولي لوضع برنامج جديد من شأنه أن يتكفّل بالمضي بالاقتصاد على طريق التماثل للشفاء. إلاّ أنّ التعافي سيبقى بعيد المنال، طالما بقيت قيمة الدين الخارجي الذي ينبغي أن تسدّده إسلام آباد بحلول تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل أكثر من 27 مليار دولار.
 
وعلى جبهة السياسة، كانت الزلازل أشدّ وقعاً. فالاضطرابات الاقتصادية وغياب التنمية في ظل الافتقار الى الاستثمار، أثارا موجةً من الإضرابات. وتعرّضت البلاد في العام الماضي إلى 124 هجوماً إرهابياً كبيراً، ما حفّز السلطة على ترحيل عدد هائل من اللاجئين الأفغان، ومنهم أطفال ويافعون رأوا النور في باكستان، ما يجعلهم من مواطنيها.
 
وفي سياق متصل، فإنّ عمران خان زعيم حزب "حركة الإنصاف الباكستانية" الذي تقدّم على الأحزاب كلها في انتخابات 2018، بدعم من الجنرالات، خرج من السلطة بانقلاب أبيض اتهم الجيش بتدبيره. ثم تمّ جرّه إلى المحكمة مرات عدة. وانتهى به الأمر أواسط العام الماضي في زنزانةٍ ممنوعاً من المشاركة في الانتخابات، على رغم قرار محكمة الاستئناف بإطلاقه بسند كفالة. ولما عمّت الاضطرابات مناطق كثيرة، استجابت الحكومة بحملة اعتقالات واسعة شملت ما يزيد على 10 آلاف شخص.
 
ووجّهت السلطات ضربة قاصمة الى "حركة الإنصاف"، إذ زجّت بكبار مسؤوليها ممن رفضوا الرضوخ لإملاءات الجيش والتنكّر لخان علناً، فقد اتُهموا بارتكاب جرائم خطيرة وتمّ إبقاؤهم في الزنازين التي أمرت محاكم عليا بإخراجهم منها.
 
والخطير أنّ المعتقلين ضمّوا عسكريين يقدّر عددهم بالمئات. وكان بعض هؤلاء على رأس عملهم، مثل ثلاثة ضباط كبار أحدهم جنرال، تمّ سجنهم أواخر حزيران (يونيو) الماضي، بتهمة الفشل المفترض في "المحافظة على أمن وحرمة" عدد من المواقع والممتلكات التابعة للقوات المسلحة في وجه الهجمات التي شنّها أنصار رئيس الوزراء السابق. ومن المرجح أنّ الجيش توصّل في خضم الأزمة إلى نوع من التحالف مع "الرابطة الإسلامية الباكستانية" بزعامة شريف.
 
ولا يبدو أنّ الفوز سيكون هذه المرّة من نصيب "حزب الشعب الباكستاني"، الذي كان قوياً ذات يوم وصاحب سيرة تعمّدت بالدماء. فقد حكم الحزب البلاد أربع مرات، الأولى بقيادة مؤسسه ذو الفقار علي بوتو رئيس الوزراء الأسبق الذي أعدمه الجنرال ضياء الحق. وخلفت بوتو ابنته بناظير التي ترأست الحكومة مرتين واغتيلت في 2008. وها هو الحزب يرشح ابنها بلوال بوتو-زارداري وزير الخارجية السابق، لرئاسة الوزراء. لكن حظه في النجاح، محدود، فخصمه قوي يضرب بسيف الجيش، كما تراجعت أسهم حزب الشعب بشكل كبير. فمثلاً لم ينلْ في انتخابات 2018 في إقليم البنجاب، سوى 7 مقاعد، مع أنّه حصل على 93 مقعداً في الإقليم في 2008.
 
على أية حال، إذا مرّت الانتخابات بسلام، وتركها الضباط تتمّ بشفافية، على غير عادتهم، قد يكون هناك أمل بأن يمهّد ذلك لخروج البلاد من مآزقها. لكن سجل شريف لا يشجع على التفاؤل بمعالجة التحدّيات الراهنة التي تواجه باكستان وشعبها. وإذا لم يثبت التحالف المفترض بين قادة المؤسسة العسكرية ونواز شريف فعاليته، من وجهة نظرهم، فربما يقرّرون إزاحته والإمساك بالسلطة. إلاّ أنّ هذا أيضاً لن يكون طوق نجاة لـ240 مليون باكستاني يعيشون في ظروف لا تُطاق.
 
ثمة حاجة لطرق مبتكرة وربما وجوه جديدة للتعامل مع انسداد الآفاق الاقتصادية واضطراب العلاقة بين الطبقة السياسية والمواطن، بدلاً من تداول السلطة بين الأشخاص أنفسهم والجنرالات، لإنتاج الحلول العتيقة إيّاها التي فشلت سابقاً في شفاء العلل القديمة، ولن تفلح اليوم في معالجة أزمات غير مسبوقة.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية