24-01-2024 | 05:00

التحليق عالياً في تونس

لا يمكن أن يتصور التونسيون عالما من دون مطارات اعتبارا لوثوق ارتباط مصالحهم بالخارج. ولا يمكن للبلاد أن تستغني عن منافع النقل الجوي الاقتصادية. لكن رغم ذلك فمطارات تونس بدأت تسبب أيضا صداعا للسلطات.
التحليق عالياً في تونس
Smaller Bigger
تبدو مطارات تونس اليوم مرآة لتطور مجتمعها وطموحات أهلها وكذلك للمصاعب التي تواجهها موازنتها.

عدد المسافرين عبر المطارات في ازدياد. تقول الأرقام التي أصدرتها أخيراً هيئة النقل الجوي في تونس إن عدد مستعملي المطارات التونسية تجاوز خلال العام الماضي ثمانية ملايين و800 ألف مسافر، أي بزيادة تقارب 20 في المئة مقارنة بالسنة الماضية.
وهذا انعكاس طبيعي لارتفاع أعداد المسافرين عبر المطارات التونسية بكل أصنافهم.

فالمطارات هي الممر الذي يسلكه عشرات الآلاف من التونسيين في ذهابهم وإيابهم من بلاد المهجر. واستخراج جواز السفر والحصول على التأشيرة إلى الخارج أصبحا يجسدان جوهر الحلم الذي يراود الكثير من التونسيين: البحث عن ظروف أفضل للعيش والعمل في بلدان أخرى.

تقول الأرقام الرسمية إن عدد التونسيين والتونسيات المقيمين في الخارج في ازدياد بنسبة تفوق 3 في المئة كل عام. وقد ارتفع عددهم إلى أكثر من مليون و700 ألف سنة 2021 مقابل مليون و200 ألف سنة 2011. ومن المرجح أن يكون نسق الهجرة أكبر من الأرقام المعلنة. وهناك أيضاً التونسيون الذين يتنقلون للخارج للسياحة أو لزيارة أقاربهم أو للتجارة.

وهناك كذلك من يدخل المطار للمرة الأولى في حياته وفي سن متقدمة عندما يتأهب لتأدية مناسك الحج أو العمرة. يكتشف هو ومودّعوه ومستقبلوه، وأحياناً قرى كاملة ترافقه، إجراءات السفر الجوي. كما أن الرحلات الجوية تحمل آلاف السياح ورجال الأعمال كل يوم إلى الخارج.

بالإضافة إلى هؤلاء، وفي بلاد تشكل الأنشطة غير النظامية فيها أكثر من 40 في المئة من الأنشطة الاقتصادية، يتحول تجار الشنطة باستمرار نحو وجهات مفضلة لديهم، مثل اسطنبول أو دبي، في رحلات للتسوق في الخارج بحثاً عن هامش للربح يحققونه من بيع ما يشترونه من بضائع عند العودة إلى البلاد.

وهناك السياح الأجانب الذين يتوقع أن يقدر عددهم مع نهاية 2023 بأكثر من 9 ملايين زائر مقارنة بـ6 ملايين و437 ألف زائر عام 2022.

نحو 52 في المئة من السياح الذين يزورون تونس يفدون عليها جواً. وأعداد هؤلاء في تنام مطرد.

ورغم أهمية السياحة التي تؤمن 9 في المئة من الناتج القومي، فإن الأهمية الاقتصادية للمطارات والنقل تتجاوز السياحة، إذ هي من الاعتبارات الأساسية التي يراعيها رجال الأعمال والمستثمرون في تحديد وجهاتهم.

وبحسب الأرقام الرسمية، يساهم النقل الجوي بنسبة لا تقل عن 2 في المئة من الناتج القومي الخام لتونس.

ولا يمكن أن يتصور التونسيون عالماً من دون مطارات اعتباراً لوثوق ارتباط مصالحهم بالخارج. ولا يمكن للبلاد أن تستغني عن منافع النقل الجوي الاقتصادية. لكن رغم ذلك فمطارات تونس بدأت تسبب أيضاً صداعاً للسلطات.

فازدياد عدد المسافرين زاد في اختناق المطارات ومنها بالذات مطار تونس قرطاج الدولي الذي يستقبل وحده أكثر من ستة ملايين و800 ألف مسافر في السنة.

هذا المطار الذي لا يتسع لأكثر من 5 ملايين يتوقع استقبال سبعة ملايين السنة القادمة. وتخشى السلطات ويخشى المسافرون من تزايد الازدحام وتدهور الخدمات في مطار تونس قرطاج فيما تشكو بعض المطارات الداخلية من قلة المسافرين.
 
ويتساءل كثيرون: ماذا عسى البلاد أن تفعل لتستوعب تدفق الزوار والمهاجرين إن هي تجاوزت يوماً العراقيل التي منعت إلى حد الآن تنفيذ اتفاقية "السماوات المفتوحة" مع الاتحاد الأوروبي، والتي يمكن أن تفتح الباب أمام العشرات من شركات الطيران لتنافس الخطوط التونسية وتنقل إلى البلاد ملايين إضافية من السياح؟

لا تبدو هناك حلول سهلة في المتناول. يتحدث المسؤولون عن توسعة مطار تونس قرطاج. ولكن وجود هذا المطار وسط مناطق العمران غير بعيد من قلب العاصمة وفي مفترق طرق سريعة ومناطق عمرانية كثيفة يجعل محاولات توسعته عملية محفوفة بالمصاعب، ولا يمكن أن توفر إلا حلولاً وقتية في أفضل الحالات.

البعض اقترح في فترة ما بناء خط مترو يربط مطار النفيضة الحمامات الذي تمتلك حقوق استغلاله (بالإضافة إلى امتلاكها حقوق استغلال مطار الحبيب بورقيبة في المنستير) شركة تركية إلى حد سنة 2047. يبعد هذا المطار مسافة 100 كيلومتر من تونس ويستقبل أساساً الرحلات السياحية غير المنتظمة من أوروبا نحو فنادق الحمامات وسوسة ومنتجعاتهما، ونادراً ما يستعمله المسافرون التونسيون في رحلات منتظمة.

منذ سنوات وعقود خلت ما فتئت الحكومات المتعاقبة في تونس تتحدث عن إنشاء مطار جديد خارج العاصمة يمكن أن يستوعب أنشطة النقل الجوي ويطورها. بل إن إحدى الحكومات كانت قد أعلنت في 2018 نيتها إنجاز مطار جديد في منطقة بنزرت بكلفة قدرها 800 مليون دولار وقدرة استيعاب لـ10 ملايين مسافر في السنة. مثل الكثير من وعود حكومات ما بعد 2011 لم يتقدم هذا المشروع قيد أنملة.

 موقع تونس الجغرافي يسمح لها نظريا بأن تشكل منصة إقليمية ودولية للنقل الجوي والبحري. واستتباب الأمن في تونس خلال السنوات الأخيرة عامل إضافي مهم يساعد على نمو أنشطة النقل الجوي بلا محاذير. ولكن هذه الإمكانات النظرية غير مستغلة لضعف البنية التحتية الحالية.

الجميع في تونس يعرف أن النقل الجوي ليس نشاطاً هامشياً في عالم اليوم، بل هو من المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي.

الجميع يراقب تطور أنشطة المطارات في العالم وفي المنطقة، حيث تحولت المطارات إلى منصات لوجستية وواجهات للتطور التكنولوجي ومصدراً مهماً للدخل والنمو بالنسبة إلى دولها.

يشغّل القطاع الملايين من البشر في العالم ويوفر مداخيل تقدر بـ3,5 تريليونات دولار من الناتج القومي الخام للمعمورة. ويقول الخبراء على سبيل المقارنة إن أي دولة لها هذا المستوى من الدخل من شأنها أن تحتل المرتبة 17 بين اقتصادات العالم.

المطارات أصبحت اليوم مدناً صغيرة في حد ذاتها تعكس تقدم البلدان ومواكبتها للتكنولوجيات الحديثة. التونسي العائد من السفر إلى الخارج يشعر بالغبن لأن مطارات بلاده لا تتطور.

يبقى العائق الأكبر أمام تونس هو محدودية موازناتها، وبالتالي عدم توافر الاعتمادات المالية اللازمة لتطوير مشاريع البنية التحتية الكبرى ومن بينها المطارات.

وما يزيد في تعقيد الأمور وضع شركة الخطوط التونسية كأكبر مستعمل لمطارات البلاد والداعم المفترض لأنشطتها. الشركة الحكومية تعاني منذ سنوات عجزاً في موازناتها وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على إيجاد خطط تسمح لهذه الشركة باسترداد عافيتها المالية وبتوسيع أسطولها الجوي الذي بقي متواضعاً وعاجزاً عن تلبية طلبات المسافرين، ما ينعكس سلباً على جودة الخدمات وانتظام الرحلات.

والخطوط التونسية تحتاج إلى حد الآن إلى الدعم المالي من الدولة للتعويض عن خسائرها، وهي غير قادرة على تشغيل كامل أسطول طائراتها نظراً إلى عدم استطاعتها تحمل كلفة صيانتها كلها. يؤدي ذلك في عدد من الحالات إلى تأخر رحلاتها أو إلغائها واضطراب الحركة في المطارات. ولكنها تبدو في العامين الاخيرين وكأنها في طريق استعادة عافيتها وتعزيز أسطولها رغم المصاعب. 

تحتاج تونس لجذب قدر أكبر من الاستثمارات، بما فيها استثمارات القطاع الخاص التي يمكن أن تعاضد جهد الدولة من أجل بناء المطارات وتنفيذ مشاريع البنية التحتية الأخرى التي ما زالت تحتاجها البلاد.

تحتاج أيضاً إلى تصميم ورؤية استراتيجية من أصحاب القرار. فليس من الواقعي بالنسبة إلى تونس أن تأمل توسيع تعاونها مع الخارج من دون تطوير لمطاراتها.

ولن يمكن لهذا التعاون أن يحلّق عالياً إن لم يكن للطائرات والمسافرين فضاءات ملائمة للانطلاق من تونس نحو العالم.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية