22-01-2024 | 06:00

وَهكَذَا أَتَيْنَا إِلَى رُوما.. الكاثوليكيّة أكبر طائفة في العالم، وأقدم ملَكيَّة!

وَفقاً للتقليد الكاثوليكي تأسست الكنيسة الكاثوليكية على يد السيد المسيح ذاته عندما خاطب تلميذه بطرس وقال: «أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا» (متى 16: 18). ويعتقد الكاثوليك أنّ البابا –ومقرّه روما– هو خليفة بطرس الذي عيّنه المسيح أول رئيسٍ لكنيسته. وكلّ "بابا" هو جزء من سلسلة ما تسميه الكاثوليكية بـ "الخلافة الرسولية"، الممتدة منذ تأسيس الكنيسة.
وَهكَذَا أَتَيْنَا إِلَى رُوما.. الكاثوليكيّة أكبر طائفة في العالم، وأقدم ملَكيَّة!
Smaller Bigger
تحدّثتُ في مقالة سابقة عن البدايات الأولى للمسيحية، وكيف تطوّرت من طائفة يهودية صغيرة مضطهدة، إلى أن صارت الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية التي كانت "سيدة العالم" في ذلك الوقت، أي القرون الميلادية الأولى. ووصلتُ في السرد التاريخي إلى "الانقسام العظيم" الذي صارت الكنيسة المسيحية بعده كنيستين شرقية وغربية تناصبان بعضهما بعضاً عداءً، ستتبعه عداوات، «وسينقسم المنقسم مرة أخرى، في الغرب الذي كان هائماً في عصور الظلام، قبل الشرق، وستُمعن الكنيسة الكاثوليكية في سلطتها وسطوتها على كامل أوروبا، إلى أن يأتي قسٌّ ألماني يدعى مارتن لوثر، ويقول "لا" لما اعتبره فساداً مالياً وأخلاقياً وعقائدياً في الكنيسة».

لكن قبل البدء بالحديث عن ثورة مارتن لوثر، والبروتستانتية التي نشأت عنها، لا بدَّ أولاً من الحديث عن موضوع هذه الثورة، أو بتعبير آخر، من قامت عليه أو ضده، والمقصود طبعاً الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وممارساتها في العصور الوسطى، وكيف وصلت بها الأمور لتكون موضوعاً لمطالبات بالإصلاح تصلُ حدَّ الثورة.

الكاثوليكية محرّكٌ رئيسٌ للتاريخ
إذا كانت المسيحية هي الديانة الأكثر انتشاراً في العالم اليوم، فإن الكاثوليكية هي طائفتها الأكبر، إذ يفوق عدد المنتمين إليها تعداد مسيحيي الطوائف الأخرى مجتمعة. واحدٌ من كل اثنين من المسيحيين، وواحدٌ من كل سبعة أشخاص في جميع أنحاء العالم هم من الكاثوليك. كذلك يفوق الكاثوليك بالعدد أياً من التقاليد الدينية الأخرى تقريباً، فعددهم أكبر من جميع البوذيين أو الهندوس. ومع أنّ عدد المسلمين أكبر، إلا أن عدد الروم الكاثوليك كطائفة يفوق أياً من الطوائف الفردية للإسلام (السُّنة مثلاً أو الشيعة).

إذاً، فهي الكنيسة الأكبر والأكثر انتشاراً والتي لعبت أدواراً كبرى رسمت معالم التاريخ البشري بالعموم، والتاريخ الأوروبي على وجه التحديد، ولا نبالغ إذا قلنا إنها كانت العامل الأكثر أهمية وحسماً في تشكيل الثقافة والسياسة والمجتمع والهُويّة الأوروبية.

إنّ التعرف إلى هذه الكنيسة: تاريخها وبنيتها المؤسسية، ومعتقداتها وممارساتها، ومكانتها في العالم، وتأثيرها في تاريخه القديم والحديث والمعاصر، يتجاوز البعد الديني إلى أن يكون معرفة ثقافية شاملة، فمن دون الحد الأدنى من المعرفة حول ماهية الكنيسة الكاثوليكية من الصعب فهم المعنى التاريخي للعصور الوسطى، وللحروب الصليبية، أو المعنى الفكري لأعمال القديس توما الأكويني أو المعنى الإنساني لكتابات إيراسموس، أو المعنى الأدبي لكوميديا دانتي الإلهية، أو المعنى الفني للكاتدرائيات القوطية، أو حتى لأعمال عصر النهضة، أو المعنى الموسيقي لمؤلفات ما عرف بـ"الموسيقى المقدسة" وهي مجموعة من مؤلفات أهم الموسيقيين في التاريخ مثل موزارت وشوبرت وفيفالدي..

أقدم مؤسسة في الغرب

وَفقاً للتقليد الكاثوليكي تأسست الكنيسة الكاثوليكية على يد السيد المسيح ذاته عندما خاطب تلميذه بطرس وقال: «أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا» (متى 16: 18). ويعتقد الكاثوليك أنّ البابا – ومقرّه روما – هو خليفة بطرس الذي عيّنه المسيح أول رئيسٍ لكنيسته. وكلّ "بابا" هو جزء من سلسلة ما تسميه الكاثوليكية بـ"الخلافة الرسولية"، الممتدة منذ تأسيس الكنيسة.
 
وقبل الانقسامات التي بدأت تشهدها المسيحية منذ "مجمع خلقيدونية" الذي تحدثتُ عنه في المقالة السابقة، كان تاريخ الكاثوليكية والمسيحية بالعموم كُلاً واحداً متطابقاً.

استُخدم مصطلح "كاثوليكي" لأول مرة في القرن الثاني الميلادي، وهو يعني "عالمي" أو "عام" أو "جامع". وقد ورد في كتابات القديس إيريناوس، أسقف ليون، في القرن الثاني الميلادي، إذ استخدمه للإشارة إلى الكنيسة التي أسسها المسيح نفسه، والتي تمتد إلى جميع أنحاء العالم. أما البداية الرسمية للكنيسة الكاثوليكية الرومانية أو البابوية كما نعرفها اليوم – بحسب دليل مودي للاهوت – فقد حدثت عام 590م، مع البابا غريغوري الأول (540-604) الذي وحَّد الأراضي الواقعة تحت سلطة البابا، وبالتالي سلطة الكنيسة، والتي أصبحت في ما بعد تُعرف باسم "الولايات البابوية".

المسيحية، من القدس إلى روما

يقول التقليد المسيحي إنه بعد موت المسيح، ذهب بطرس تلميذه إلى روما وأنشأ كنيسةً للدين الجديد هناك، لكن قد تكون الأمور أعقد من ذلك بقليل!
يعدّ سِفْرُ أعمال الرسل المصدرَ الرسمي والرئيس للأحداث التي جرت بعد موت المسيح، بالإضافة إلى أسفار الرسائل، وهي كما يتضح من اسمها، رسائلُ بعثها تلاميذ المسيح إلى الجماعة المسيحية الناشئة في بعض الأماكن، أحياناً إلى كنائسَ معينة أو إلى أشخاص معينين أو إلى المسيحيين بعامة.

و"أعمال الرسل" هو عنوان خامس أسفار العهد الجديد، أي أول الأسفار بعد الأناجيل الأربعة التي تروي قصة المسيح، وبطبيعة الحال لا يذكر هذا السِّفْر كلّ أعمال الرسل، بل يحاول أن يشرح كيف تأسست الكنيسة المسيحية في ما يتجاوز جغرافيا فلسطين وسوريا. يركّز قسمه الأول على أعمال بطرس، ولا حديث فيه عن أي رابط بين بطرس وروما، فيما يركّز الثاني على شخصية بولس، ويتطرّق في بعض الأماكن لأعمال غيرهما من الرسل. والسِّفْر موجّه إلى رجل يدعى ثاوفيلس كان في الغالب مسيحياً له مركز مهم في الإمبراطورية الرومانية.

يبدأ هذا السِّفْر بتصوير أتباع "الدين الجديد" على أنهم مجموعة قليلة تحاول شقّ طريقها في الدعوة والتبشير على مستوى ضيق ومحدود، ليصلَ في إصحاحه الأخير إلى جملة «وَهكَذَا أَتَيْنَا إِلَى رُومِيَةَ» – وهي روما، ويتحدّثَ عن استقبال تلاميذ المسيح الواصلين من قبل مجموعة من المؤمنين موجودة هناك من قبل، وذلك في العام 60 للميلاد تقريباً. وكذلك وفي رسالة بولس الموجهة إلى "أهل رومية" والتي يعود تاريخها إلى بداية خمسينات القرن الأول، نجد أن هناك مجموعة مسيحية قائمة أصلاً في روما.

لقد كانت هناك علاقات جيدة بين اليهود وروما، ومن الثابت أنَّ يهوداً كانوا يعيشون هناك زمن التلاميذ، نقلَ مَنْ آمن بالمسيح منهم التقليدَ القائل بأنه يجب عليهم الاعتراف بالمسيح ولكن مع الحفاظ على الناموس. إذاً لم يؤسسْ وصول بولس – وربما بطرس – للجماعة المسيحية في روما، بل عزّز العمل الذي كان قد بدأ بالفعل في الازدهار في عاصمة الإمبراطورية، أما البصمة التي تركها بولس تحديداً فهي إيصال تفكيره العالمي بالمسيحية إلى روما.

لقد آمن بولس بأن وجودَ المسيح نقطةُ تحوّل في التاريخ، وأنه ينهي بالتالي الحاجة إلى العيش في ظل الشريعة اليهودية. لقد قال في رسالته إلى رومية: «فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ..» (رو 11: 13)، أي إنه لم يعد يخاطب اليهود وحدهم، لقد رأى أن للجميع الحقّ والقدرة على الوصول إلى الإيمان الجديد، مثلهم كمثل اليهود، وأن التحرر من الناموس يحرر الجميع.

وهكذا بدأت الكنيسة المسيحية تأخذ خطاً أممياً جامعاً "كاثوليكياً"، ولولا ذلك لبقيت مجرد طائفة يهودية لا أكثر. ورغم ذلك، يقول التقليد الكاثوليكي بأن بطرس هو مؤسس الكنيسة، رغم أن تياره كان مختلفاً إلى حد ما، إذ كان يرى المسيحيين كحركة إصلاحية داخل اليهودية تستمر في اتباع العديد من القوانين اليهودية، لا أكثر.

إذاً، في تلك المرحلة كان كل المسيحيين كاثوليكيين، وفي حقيقة الأمر ما زالوا، إذ لم يتخلَّ المسيحيون من الطوائف الأرثوذكسية عن فكرة أنّ كنيستهم "جامعة" و"عالمية"، وما زالت كل هذه الطوائف تعلن في كل الصلوات إيمانها بـ"كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية"، في ما يسمونه "قانون الإيمان". لكن مفهوم "الكاثوليكية" أصبح اصطلاحاً يدلُّ إلى كل من يتبع بابوية روما. 

سقوط الإمبراطورية، صعودٌ للكاثوليكية
هناك نقاط علام رئيسة في تاريخ المسيحية الأول، تشترك فيها كلُّ الكنائس، كونها لم تكن قد انقسمت بعد، كتحول الإمبراطور قسطنطين إلى المسيحية مثلاً، وهذه تحدثت عنها في المقالة السابقة. لكن، هناك بعض الأحدث أثرت على نشأة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بالتحديد، وأسهمت في تبلورها كمؤسسة مستقلة متمايزة ذات نفوذ وتأثير، من أبرز هذه الأحداث انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس.
 
 
 
 

ففي عام 476 م أطاح قائد عسكري جرماني يدعى أودواكر الإمبراطورَ الروماني الغربي رومولوس أوغسطس، ما عدَّه المؤرخون نهاية الإمبراطورية الرومانية الغربية، وبتعبير آخر نهاية العصر الروماني القديم وبداية العصور الوسطى.

لهذا الانهيار أسباب عديدة منها: الأزمة الاقتصادية التي كانت تعانيها الإمبراطورية، والفساد السياسي الذي أدى إلى ضعف الحكومة الرومانية وجعلها غير قادرة على حماية نفسها من التهديدات الخارجية البربرية والجرمانية.. إلى آخره من أسباب لا تهم موضوعنا، فما يهم أنَّ هذا الانهيار أدّى إلى وصول القبائل الجرمانية إلى حكم أوروبا.
اعتنق العديد من هؤلاء الحكام الجدد المسيحية، لكن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية اعتبرت بعض مذاهبهم هرطقة. فنشأ صراع بينها وبينهم، وسعَت الكنيسة إلى تأكيد سلطتها باعتبارها الحامل الوحيد للحقيقة المسيحية، فنمَتْ نتيجةً ذلك القوة الروحية للبابا، وأخذتْ تقترن بالمزيد من النفوذ في الشؤون السياسية. وبدأت القبائل والأمم تعترف بقوة البابا وسلطته، ما رسّخ مكانة الكنيسة كقوة دينية مهيمنة في أوروبا.

الإسلام كعامل مساعد على صعود الكاثوليكية
في القرن السابع الميلادي بدأ الإسلام الانتشار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ونتيجة الفتوحات الإسلامية سقطت ثلاث من الكنائس (البطريركيات) الخمس الكبرى بيد المسلمين، وهي أنطاكية والقدس والإسكندرية، وظلت كنيستا القسطنطينية وروما تحاول كل منهما أن تظهر وكأنها حامل راية المسيحية الأحق.

لقد ساعد الصراع مع الإسلام في تعزيز قوة البابا وترسيخ مكانته كقائد روحي لـ"العالم المسيحي"، وكمسؤول عن الدفاع عن المسيحية ضد الإسلام. لقد شعر الأوروبيون أن هُويّتهم الدينية مهددة بسبب الدين القادم من الشرق، فزاد التركيز على هذا المكوّن من مكونات الهُويّة الأوروبية، وبدأت تظهر أوروبا على أنها "قارة مسيحية"، كاثوليكية على وجه التحديد، ومع الدخول في الألفية الثانية زاد باطراد دور الكنيسة في المجتمع الأوروبي، وبدأت الكاتدرائيات القوطية الضخمة تزداد، تعبيراً عن الفخر الشعبي بالعقيدة المسيحية.

ومرة أخرى بعد قرون عدة، وتحديداً عند سقوط الإمبراطورية البيزنطية عام 1453 على يد العثمانيين المسلمين، تفرّدت الكنيسة الكاثوليكية بزعامة المسيحية الأوروبية، وأصبح البابا هو المرجع النهائيّ في مسائل العقائد واللاهوت، وأصبح له دور أكثر أهمية في السياسة هناك. أضف إلى ذلك أن سقوط بيزنطة أدى إلى زيادة التركيز على الشرق الأوسط من قبل الكنيسة الكاثوليكية، فقد بدأت إنشاء مؤسسات جديدة لدعم المسيحيين في الشرق الأوسط، وبذلت جهوداً أكبر لنشر تعاليمها في المنطقة.

توما الأكويني
قد لا يرى البعض أن إدراج توما الأكويني هنا، واعتباره أحد أسباب قوة الكنيسة الكاثوليكية أمراً مبالغاً به، لكنني أخالفهم الرأي تماماً، فالأكويني أحد أهم اللاهوتيين والفلاسفة في الكنيسة الكاثوليكية، وقد أثّرتْ أفكاره كثيراً على الكنيسة والثقافة الغربية بالعموم.

انضم الشاب، المولود في إيطاليا عام 1225، إلى الرهبانية الدومينيكية في سنٍّ مبكرة. ودرس في جامعة نابولي حيث تعرّفَ إلى فلسفة أرسطو، وتأثر بها، وسعى إلى التوفيق بينها وبين اللاهوت المسيحي. وقد ترك العديد من الأعمال اللاهوتية والفلسفية من أشهرها: "الخلاصة اللاهوتية" و"التعليق على كتاب الخلاص". وقد ناقشَتْ هذه الأعمال قضايا مهمة للغاية في اللاهوت المسيحي، مثل العلاقة بين العقل والإيمان، وطبيعة الله، وطبيعة الإنسان، وهدف الحياة.

ساعدتْ أفكارُ توما الأكويني في تطوير اللاهوت المدرسيّ، وهو التيار الذي ساد في الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى. وجعلتْ من الممكن للمسيحيين دراسة الفلسفة الأرسطية من دون الشعور بأن إيمانهم مهدد. كما ساعدتْ أفكاره في تطوير اللاهوت المسيحي وجعل الكنيسة الكاثوليكية أكثر حداثة وقبولاً، وعزّزتْ دورها في التعليم والفكر.

ما بعد الانفصال..
إذاً، عوامل كثيرة أسهمت في زيادة قوة الكنيسة الكاثوليكية وهيمنتها، في أوروبا أولاً، ومنها إلى مناطق كثيرة في العالم، وبخاصة خلال "عصر الاستكشاف"، فقد انتقلت الكاثوليكية مع الحملات العسكرية، البرتغالية والإسبانية والفرنسية، إلى معظم أنحاء العالم. وغالبية هذه البعثات كانت تديرها طوائف دينية مثل الفرنسيسكان، والدومينيكان، والأوغسطينيين، واليسوعيين، وكانت الإرساليات الكاثوليكية إلى الشعوب الأصلية ترافق - جنباً إلى جنب - الجهود الاستعمارية الأوروبية في الأميركيتين والمستعمرات الأخرى في آسيا وأفريقيا.

أمّا في عام 1521 ومن خلال قيادة المستكشف البرتغالي فرديناند ماجلان ووعظه، فقد تم تعميد الكاثوليك الأوائل، وأصبحت الفلبين أول دولة مسيحية في جنوب شرقي آسيا. وفي العام التالي وصل المبشرون الفرنسيسكان إلى ما يعرف الآن بالمكسيك، وصار يُطلق على عمليات التبشير المنهجي المبكر هناك اسم "الغزو الروحي للمكسيك".
كان هذا التبشير يتمُّ بأساليب معظمها حضاري، من خلال إنشاء المدارس والمشافي، وإدخال طرق حديثة في الزراعة والبناء، إلى المناطق المكتشفة؛ ومع ذلك، وقعت اشتباكات متكررة بين الجانبين، وبخاصة في المناطق التي عارض فيها السكان الأصليون الاستعمار الأوروبي لأرضهم.

وإذا كان التعامل مع سكان المستعمرات الأصليين يغلب عليه الطابع السلمي، إلا أن التعامل مع أتباع الأديان الأخرى، أو مع اللادينيين أو المسيحيين الذين اتهمتهم الكنيسة بالهرطقة، لم يكن بهذه السلمية على الإطلاق. فبعد بضعة عقود على الانفصال بين الكنيستين، الكاثوليكية والأرثوذكسية، وتحديداً عام 1096، انطلقت الحملة الصليبية الأولى، بهدف "استعادة الأراضي المقدسة من الحكم الإسلامي".

الحروب الصليبية

كانت مدينة القدس تحت الحكم الإسلامي منذ القرن السابع الميلادي. ولكن في القرن الحادي عشر بدأ السلاجقة، وهم مجموعة من المسلمين الأتراك، التوسع في المنطقة. وقد أدى هذا التوسع إلى تهديد السكان المسيحيين المحليين، ورحلات الحج من الغرب، والإمبراطورية البيزنطية نفسها.

في مجلس بياتشينزا عام 1095 طلب مبعوثو الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول الدعمَ العسكريَّ من روما في صراعه مع السلاجقة، ورأى البابا أوربان الثاني في هذا الطلب فرصةً مزدوجة لتدعيم أوروبا الغربية وإعادة توحيد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية تحت حكمه. وفي وقت لاحق من العام عُقد مجمع كليرمونت، حيث دعم البابا أوربان الثاني الطلب البيزنطي للحصول على المساعدة العسكرية، وحثَّ المؤمنين على القيام برحلة "حج مسلحة" إلى القدس.

وقد استجاب العديد من المسيحيين في أوروبا لدعوة البابا، وشكلوا جيشاً كبيراً، وساروا إلى الشرق. وفي عام 1099 وصل هذا الجيش إلى القدس، وتمكّن من الاستيلاء عليها. تلت هذا الاستيلاء مذابح لغير المسيحيين، وتأسيس الممالك الصليبية. كما تمَّ تعيين أساقفة غربيين لاتينيين في الأبرشيات الشرقية رغم أن معظم رعيتها أرثوذكسيون.
وكانت الحملة الصليبية الأولى بداية لسلسلة من الحملات العسكرية التي شنتها القوى المسيحية الكاثوليكية بهدف الاستيلاء على الأراضي المقدسة من المسلمين. وقد استمرت هذه الحملات قروناً عدة، وكان الإخفاق نهايتها. 

محاكم التفتيش
لم تكن الحملات الصليبية موجهة فقط ضد المسلمين في الشرق، بل شنّت الكنيسة حملاتٍ مماثلةً ضدَّ من وسمتهم بالمهرطقين. فككل نظام أيديولوجي، دائماً ما تظهر بعض الخطوط التي تشذُّ إلى حدٍّ ما عن مساره الرئيس، وتحاول أن تجد لنفسها مكاناً، فتقول إن الإيمان بات مشوباً وتجب إعادة الصفاء له، أو تنتقد ممارسات السلطة الأيديولوجية (البابوية في هذه الحال)، أو في بعض الأحيان تصل إلى اكتشافات تناقض تلك الأيديولوجيا وأساساتها ومنظومتها ككل.

كل هؤلاء دعتهم الكنيسة بالمهرطقين، وأقامت ما يعرف اليوم بـ"محاكم التفتيش" لإيجادهم واستجوابهم، والوصول بهم إلى الاعتراف بـ"ذنبهم"، فإما إرجاعهم إلى "الدين القويم" أو معاقبتهم، بما يصل إلى السجن مدى الحياة أو الإعدام حرقاً.

كانت "الهرطقة الكاثارية" (يشار إليها أحياناً بـ"ألبيجينسية")، وهي بإيجاز مبدأ يؤمن أتباعه بوجود عالمين: خيّر روحيّ، وشرير ماديّ. وخلاص الإنسان يتحقق من خلال التخلي التام عن الثاني، والمصطلح مشتق من الكلمة اليونانية التي تعني الأطهار. وقُمعَت هذه "الهرطقة" بحملة صليبية خاصة في القرن الثالث عشر، وتأسست محاكم التفتيش رداً عليها في مجمع تولوز عام 1229.

بدأت محاكم التفتيش في جنوب فرنسا، حيث كانت حركة ألبيجينسية، وقد أصدر البابا غريغوري التاسع مرسوماً في عام 1233 يمنح محاكم التفتيش سلطة التحقيق في الجرائم الدينية في فرنسا. وانتشرت محاكم التفتيش بعد ذلك في إسبانيا والبرتغال – حيث كانت هناك أقليات من المسلمين واليهود – وغيرهما من الدول.

استمرت هذه المحاكم لقرون، وكانت مسؤولة عن مقتل أو تعذيب مئات الآلاف من الأشخاص: مواطنون عاديون متّهمون بالهرطقة أو الرِّدَّة أو السحر، يهود ومسلمون تحولوا إلى المسيحية ثم اتُّهموا بالعودة إلى دينهم الأصلي، مصلحون دينيون عارضوا تعاليم الكنيسة الكاثوليكية، وكذلك فنانون وكتَّاب وعلماء عارضوا سلطة الكنيسة أو عبروا فقط عن آراء غير تقليدية، وأشهرهم على الإطلاق غاليليو غاليلي الذي اتُّهم بالهرطقة لدفاعه عن نظرية مركزية الشمس التي تعارضت مع إيمان الكنيسة بأن الأرض هي مركز الكون... أما أشهر هذه المحاكم، فهي محاكم التفتيش الإسبانية التي تأسست عام 1478 بموجب مرسوم صدر عن الملِكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا، واستمرت حتى عام 1834، عندما ألغيت من قبل الحكومة الليبرالية.

لكن رغم هذه المحاكم، وغيرها من الممارسات السلبية كالتعصب والفساد الذي استشرى في الكنيسة، لا يمكن إلا الاعتراف بدورها الكبير في عصر النهضة الأوروبية، فقد كانت الكنيسة الكاثوليكية أكبر راعٍ للفنون والثقافة في أوروبا في ذلك الوقت، حيث مولّت بناء الكاتدرائيات والمتاحف، ودعمت العديد من الفنانين والكتّاب والعلماء، وأسست المدارس والجامعات، كما دعمت التعليم اللاهوتي والفلسفي. وقد أدّى انتشار هذا التعليم إلى زيادة الوعي الديني لدى الناس، وجعلهم أكثر استعداداً لتحدي السلطة الدينية وممارساتها، وسيظهر هذا واضحاً في ثورة مارتن لوثر أستاذ علم اللاهوت ومؤسس الكنيسة اللوثرية الإصلاحية، وواحد من أهم الشخصيات في التاريخ المسيحي والعالمي والذي قسمت دعوته أوروبا في الماضي إلى قسمين، كاثوليك وبروتستانت، وما زالت منقسمة ومعها دول كثيرة أخرى..

مررنا هنا على بعض الأسباب البعيدة لهذه الثورة، أما أسبابها المباشرة ومجرياتها، وما نتج منها من أحداث غيرت تاريخ الكنيسة، فهي موضوع المقالة القادمة من سلسلة الإجابة عن سؤال "هل تجاوزت المسيحية فعلاً تاريخها الطويل من الخلاف والصراع؟".

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
كتاب النهار 5/3/2026 12:19:00 PM
علمت "النهار" أن الرياض أكدت للجانب اللبناني ضرورة التقدّم في السير بالمفاوضات مع إسرائيل، لكنها قلقة إلى حدّ ما من نزعة الجانب الأميركي إلى التسرّع في الدفع إلى لقاء الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة الإسرائيلي.
لبنان 5/2/2026 11:27:00 PM
سجال واسع في لبنان بعد فيديو "ساخر"… وحذف المحتوى بإشارة قضائية
لبنان 5/3/2026 12:03:00 AM
توالت المواقف المستنكرة للإساءة الى البطريرك الرعي الذي تلقى سيلاً من الاتصالات المُدينة.