«الشّعبوية اللليبرتاريّة»: وصفة جديدة للسّلطويّة
ما يعنيه خافيير مايلي بالحرية الاقتصادية هنا، ليس مجرد المبادرة الحرة التي تضمنها أغلب الاقتصادات الغربية، على نحو متفاوت، بل تحرير كل مناحي الحياة العامة والخاصة، وتحول كل نشاط إلى سلعة، وقد دافع في حملته الانتخابية عن الخصخصة المطلقة للحياة الاجتماعية، بما في ذلك الشوارع، ودافع عن إنشاء سوق للأعضاء البشرية.
قبل أيام وقف الرئيس الأرجنتيني الجديد خافيير مايلي خطيباً في منتدى دافوس الاقتصادي، وذلك في أول رحلة له إلى الخارج منذ توليه منصبه في 10 كانون الأول (ديسمبر) الماضي. حدث لم تتوقف عنده التغطية الإعلامية، بسبب الانشغال في ما يجري في الشرق الأوسط. لكن كلمة مايلي المختصرة أمام المشاركين في المنتدى، تعطي انطباعاً حول طبيعة الشعبوية اللليبرتارية الصاعدة في الغرب، والتي يمكن أن نشهد منها نسخةً أميركية في حالة عودة ترامب إلى السلطة. بما يعنيه كل ذلك من تأثيرات ليست فقط على الدول الغربية، بل على العالم كله.
يرتكز خطاب خافيير مايلي السياسي منذ أن كان مرشحاً رئاسياً على المسيانية، فهو مدفوع بتصور نرجسي وديني لشخصه، يقدم فيه نفسه على أنه الوحيد القادر على إنقاذ الأرجنتين من أزمة عميقة، بل كما يذهب في خطابه في دافوس، فهو القادر على قرع الجرس في العالم الغربي، قائلاً: "أنا هنا اليوم لأقول لكم إن الغرب في خطر. لأن أولئك الذين من المفترض أن يدافعوا عن القيم الغربية يسلكون طريقاً تؤدي ــ بلا هوادة ــ إلى الاشتراكية، وبالتالي نحو الفقر. ولكن من المؤسف أن كبار زعماء العالم الغربي في العقود الأخيرة، مدفوعين ببعض الرغبات الخيّرة في مساعدة الآخرين، هجروا نموذج الحرية لمصلحة نسخ مختلفة مما نسميه بالجماعية". يدافع مايلي عن نموذج المدرسة الاقتصادية النمسوية، التي تقوم على الفردية المنهجية وترفض تدخل الدولة. وهو يعارض تطبيق الأساليب التي تستخدمها العلوم الطبيعية على الاقتصاد. ويدافع أنصارها عن أفكار ليبرالية متطرفة، معارضاً كلاً من النموذج الكينزي الجديد والاقتصاد الكلاسيكي الجديد، الذي يعطي الدولة دوراً أساسياً.
يخلط خافيير مايلي على نحو غريب بين الاشتراكية ودور الدولة في الاقتصاد الليبرالي، محدداً مكمن الخطر الذي يواجه الغرب من خلال هذا الخلط الذي يبدو متعمداً، فيقول: "إن الغرب في خطر على وجه التحديد لأنه في البلدان التي يجب أن ندافع فيها عن قيم السوق الحرة والملكية الخاصة وغيرها من مؤسسات التحررية، فإن قطاعات من المؤسسة السياسية والاقتصادية، بعضها بسبب أخطاء في إطارها النظري وغيرها من الطموحين للسلطة يقوّضون أسس التحررية ويفتحون الباب أمام الاشتراكية، وبالتالي أمام الفقر والبؤس والركود. لأنه يجب ألا ننسى أبداً أن الاشتراكية هي دائماً وفي كل مكان ظاهرة إفقار، وقد فشلت في جميع البلدان التي تمت تجربتها فيها. لقد كان فشلاً اقتصادياً، وفشلاً اجتماعياً، وفشلاً ثقافياً. فالمشكلة الأساسية التي يواجهها الغرب اليوم هي أننا يجب أن نواجه ليس فقط أولئك الذين يواصلون النضال من أجل الاشتراكية، حتى بعد سقوط جدار برلين والأدلة التجريبية الدامغة، ولكن أيضاً قادتنا ومفكرينا الذين، ضمن إطار نظري معيب، يقوّضون أسس النظام الذي منحنا أكبر توسع في الثروة والازدهار في تاريخنا".
لكن ما يعنيه خافيير مايلي بالحرية الاقتصادية هنا، ليس مجرد المبادرة الحرة التي تضمنها معظم الاقتصادات الغربية، على نحو متفاوت، بل تحرير كل مناحي الحياة العامة والخاصة، وتحول كل نشاط إلى سلعة، وقد دافع في حملته الانتخابية عن الخصخصة المطلقة للحياة الاجتماعية، بما في ذلك الشوارع، ودافع عن إنشاء سوق للأعضاء البشرية.
ورغم أن الرئيس الأرجنتيني يدافع من خلال خطابه عمّا يسمى الرأسمالية اللاسلطوية، التي لا يتم فيها حظر الاحتكارات، وتعطي فيها الحرية المطلقة للشركات والأفراد للتجارة الحرة والمطلقة بلا عوائق ولا ضرائب ولا حواجز، أي إخراج جهاز الدولة تماماً من لعبة الاقتصاد، إلا أنه يستعمل في الوقت نفسه جهاز الدولة لفرض رؤيته الشعبوية. وكذلك يقدم برنامجاً سياسياً شعبوياً يعادي بوضوح حقوق النساء والأقليات ويشكك في المسألة المناخية، مدفوعاً بنزوع قومي وديني شديد العنصرية.
ويستخدم هو والمقربون منه الليبرالية الاقتصادية كغطاء للترويج لمشروع استبدادي يميز تطور اليمين المتطرف على نطاق عالمي منذ انتخاب دونالد ترامب في عام 2016.
ربما لن يكون نموذج مايلي يتيماً في المستقبل في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعيشها الكثير من دول أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، حيث من المتوقع أن يصبح نموذج "فاشية السوق الدينية"، كما يسميها أرييل غولدشتاين، أو "السلطوية التكنوقراطية"، على نحو أدق شائعاً. فهو ذلك النوع من النظام الذي يعتزم الليبراليون والقوميون المحافظون تأسيسه في الأرجنتين اليوم وربما تعميمه غداً. وهو بالمناسبة ليس جديداً في جوهره على المنطقة، فقد وُجدت صيغ مماثلة له في تاريخ أميركا اللاتينية: في تشيلي في عهد بينوشيه، وفي الأرجنتين فيديلا، وفي بيرو في عهد فوجيموري، وفي البرازيل في عهد بولسونارو. نموذج يجمع بين الإصلاحات النيوليبرالية والاستبداد السياسي، الذي تم التعبير عنه في الأنظمة الديكتاتورية في السبعينات في أميركا اللاتينية وفي البرازيل في السنوات الأخيرة. قد يكون الاختلاف عن ظاهرة بولسونارو هو أن الأخير يتمتع بدعم قوي من الجيش والمبشرين، وهو ما لن يكون من السهل على خافيير مايلي تحقيقه. لكن هذا النموذج ليس بعيداً من النهوض الاقتصادي القائم على العرقية، والذي يقوده ناريندرا مودي في الهند، مع فارق جوهري، في اعتماد مودي بقوة على الدولة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض