22-01-2024 | 04:50

عودة الحديث عن المفاوضات النّووية... هل تنتقل إيران إلى اليوم التّالي؟

صحيح أن الأزمة الاقتصادية في إيران تمنعها من أي مغامرة عسكرية، لكن قلق المعتدلين مقبول، بخاصة أن إيران تعتمد على جارتيها العراق وباكستان بشكل كبير في تبادل السلع بنظام المقايضة، بالإضافة إلى المنافسة التي تواجهها داخل هذين البلدين في ظل الاهتمام التركي والخليجي بالاستثمار فيهما.
عودة الحديث عن المفاوضات النّووية... هل تنتقل إيران إلى اليوم التّالي؟
Smaller Bigger
الخوف من مغامرات المحافظين والعسكريين هو الشعور السائد في إيران، فالهجمات التي شنتها قوات الحرس الثوري على سوريا والعراق وباكستان تمت تحت ذريعة استهداف الجماعات المتطرفة والانفصالية، لكن الرد العسكري من باكستان والحديث عن تسببه في ضحايا مدنيين، جعل الإيرانيين يشعرون بالقلق من التهور والسقوط في هاوية الحرب، في ظل التوترات السائدة في المنطقة على خلفية الحرب الدائرة في غزة وعدم استجابة إسرائيل للضغوط الأمنية والعسكرية لإيقاف هذه الحرب.
 
صحيح أن النظام الإيراني سرعان ما كشف بألسنة قادته أن تلك الضربات ما هي إلا رسالة إلى الخارج، سواء إلى الجماعات المسلحة التي تستهدف أمن إيران أو إلى الدول والأجهزة الاستخبارية التي تحركها من وراء ستار، لكن كان هدفه تأكيد رسالته وضمان إيصالها، مع تأكيد أيضاً إدراكه عواقب خطواته وتبرير ما أقدم عليه، وجدية استعداده للرد إذا ما تعرض أمنه الداخلي لأي تهديد خارجي.
 
بعين الرّيبة!
لكن الداخل الإيراني، بخاصة من جانب الإصلاحيين، نظر إلى الأمر بعين الريبة، لا سيما أن هناك انتخابات برلمانية على الأبواب مقررة مطلع آذار (مارس) المقبل، وهناك تيار محافظ ومتشدد يقلق من عودة التيار الإصلاحي إلى أروقة البرلمان،  إذ إن مشاركته في العملية الانتخابية هي السبيل الوحيد لاستعادة إقبال الناخب الإيراني على صناديق الاقتراع. وبذلك ربما وجد المتشددون والحرس الثوري الموالي لهم ضالته في توجيه تلك الضربات لتعبئة الرأي العام نحو المخاوف الأمنية، بحيث يصبح لا سبيل سوى الالتفاف حول النظام المحافظ في ظل التهديدات الأمنية المحيطة بالبلاد.
 
كذلك لدى التيار الإصلاحي والمعتدل مخاوف من استمرار تفرد المحافظين بالسلطة بعدما سيطروا على الحكومة والبرلمان والأجهزة الرقابية، الأمر الذي جعلهم خاضعين لحلفائهم العسكريين الذين لهم حساباتهم الخاصة، فإن بعث الرسائل العسكرية إلى أعداء إيران عبر بريد دول الجوار، يهدد قواعد الدبلوماسية والاتفاقيات الأمنية التي تم توقيعها مع تلك الدول، بما يقضي على مبدأ "الأولوية لدول الجوار"، لمصلحة عودة متلازمة "الدبلوماسية والميدان" التي أضرت بمصالح إيران لسنوات، والتي تمت مراجعتها بالمصالحة مع السعودية في آذار (مارس) 2023، بخاصة أن رد باكستان على الضربة الإيرانية أشعر الإيرانيين بأن الأمور قد تخرج عن السيطرة.
 
ولا تتوقف مخاوف المواطن الإيراني عند استرجاع ذاكرة الحرب العراقية-الإيرانية المؤلمة، بل لديه مخاوف اقتصادية مؤلمة أيضاً في ظل ارتفاع مستوى التضخم وتشديد العقوبات وعجز الموازنة وشح الدواء وارتفاع أسعار العملات الأجنبية على خلفية هذه الضربات، وقبلها التوتر المستمر في المنطقة التي إيران من أهم فواعله!
 
والخلاصة أن التيار المعتدل، وإن قبلَ التبرير الرسمي لتلك الضربات، يجد أن إثمها أكبر من نفعها! بخاصة أنه يصفها بالخطأ الاستراتيجي الذي يمكن أن يدمّر ثقة دول الجوار في أي اتفاق أمني مستقبلي مع إيران. وهو ما جعل قلقه يزاد من ذهنية تفكير التركيبة التي تشكل السلطة الحالية في إيران، إذ إن هناك تحالفاً بين المحافظين المتشددين والعسكريين، وبات مصير الدبلوماسية مرهوناً بالميدان! لا سيما أن المحافظين في إعلامهم هاجموا الدولة الباكستانية لاستضافتها جماعة "جيش العدل" المعارضة المسلحة، بل طالبوا حكومة إسلام آباد بأن تكون ممتنة بدلاً من مهاجمة طهران التي تناصر محاور المقاومة وتطارد الجماعات المسلحة التي تحركها إسرائيل وأميركا!
 
صحيح أن الأزمة الاقتصادية في إيران تمنعها من أي مغامرة عسكرية، لكن قلق المعتدلين مقبول، بخاصة أن إيران تعتمد على جارتيها العراق وباكستان اعتماداً كبيراً في تبادل السلع بنظام المقايضة، بالإضافة إلى المنافسة التي تواجهها داخل هذين البلدين في ظل الاهتمام التركي والخليجي بالاستثمار فيهما، ما يعني أن أي قطيعة سياسية قد تنعكس سلباً على الاقتصاد الإيراني ومزيداً من العزلة الإقليمية، أي أن أي ضرر في العلاقات الدبلوماسية لا يصب في مصلحة إيران في الوقت الحالي.
 
خطوات محسوبة
تعيش المنطقة وضعاً هشاً وحساساً، لكن الجميع يدرك السقف المسموح بالتحرك تحته، فإسرائيل لسنوات تستهدف ضرباتها العسكرية الجماعات الموالية لإيران في سوريا وقادتها ومستشاريها، ويمكن الادعاء أن روسيا متهمة بتوفير المعلومات لها، لكن إيران لم تصل إلى قطيعة مع موسكو أو تدخل في حرب مباشرة مع تل أبيب.
 
على ذلك، تبدو الضربات المتبادلة بين إيران وباكستان محسوبة وإن بدا غير ذلك أمام الإعلام، فإن طهران تريد الضغط على حكومة إسلام آباد لتفعيل الاتفاقيات الأمنية بينهما، بخاصة أن عمليات جماعة "جيش العدل" تزايدت في الآونة الأخيرة، وباكستان متهمة بالعجز عن السيطرة على حدودها المشتركة مع إيران التي يبلغ طولها 900 كم، كما أن الاستخبارات الباكستانية متهمة أيضاً بالتعامل مع هذه الجماعات المتطرفة والاستفادة منها في نزاعها مع الهند على إقليم كشمير. 
 
وإيران متهمة أيضاً بالتغاضي عن جماعة "جيش تحرير بلوشستان" (تأسست عام 2000م) التي تستهدف المشاريع الصينية في إقليم بلوشستان-باكستان، ما يعني أن تلك الضربات كانت محسوبة من كلا الطرفين، بخاصة أن باكستان لديها صراع عسكري طويل مع جارتها الهند، بما يحتم عليها الرد للحفاظ على صورتها وهيبة جيشها.
 
يوم أمس واليوم التالي!
في إطار الخطوات المحسوبة أيضاً، وإن كان الحوثي قد أدرج أميركا وبريطانيا إلى جانب إسرائيل في بنك أهدافه، لكن في الحقيقة هو يضع إيران في أولوية الباحثين عن أمن تدفق التجارة عبر البحر الأحمر وباب المندب، فضربات هذين البلدين على الحوثي لن تؤتي ثمارها على المدى البعيد من دون العودة إلى إيران أولاً!
 
لذلك لم تنقطع بريطانيا عن التواصل مع إيران، رغم أن رئيس وزرائها ديفيد كاميرون حمّلَ إيران مسؤولية تزويد الحوثي بالأسلحة والدعم، لكنه جلس أيضاً مع وزير خارجيتها حسين عبد اللهيان، على هامش قمة دافوس، الأربعاء 17 كانون الثاني (يناير)، للتشاور في إمكان أن تلعب إيران دوراً في استعادة أمن الملاحة في تلك المنطقة.
 
وإذا نجحت القوى الغربية في إبعاد تركيز العالم عن غزة والالتفات نحو جماعة الحوثي، فإن إيران لن تسمح بتحول أحداث البحر الأحمر غطاءً لإسرائيل، وهو ما قد يدفع إيران إلى التهدئة في تلك المنطقة في إطار تبادل المكاسب، سواء مع القوى الغربية أم الإقليمية. فالحديث يدور الآن عن زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الإيراني للقاهرة، وسط ما يدور عن اتصالات مصرية مع جماعة الحوثي اليمنية، بعد تأكيدات بأن إسرائيل والشركات الغربية استفادت من أزمة الملاحة في مياه البحر الأحمر. بالإضافة إلى أن اتساع دائرة التوتر مع القوى الدولية عند باب المندب وتلقي الحوثي مزيداً من الضربات الأميركية والبريطانية لا يصبان في مصلحة إيران؛ لأن قوى حليفة لها مثل الصين بدأت تتذمر من طول أمد تعطل شريان التجارة في تلك المنطقة.
 
بل إن تصريح الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، بأن التطبيع مع السعودية مفتاح لخروج المنطقة من الحروب نحو أفق جديد، الذي تعاقب مع تصريح وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، بأن الاعتراف بإسرائيل مشروط بإيقاف الحرب في غزة، والذي تعاقب أيضاً مع حديث رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق تركي الفيصل إلى شبكة "سي إن إن"، ودعوته إلى نظرة واقعية من جانب إسرائيل و"حماس" تجاه حل القضية الفلسطينية. 
 
كل هذا جعل إيران تقلق من القوى الدولية والإقليمية التي قد تتركها منغمسة في محورها المقاوم (يوم أمس) والذهاب نحو صفقة كبرى في إطار إيقاف حرب غزة والانتقال إلى خطة الولايات المتحدة الأميركية لما يُسمى "اليوم التالي" الذي يعني تحقيق المكاسب للجميع والعودة إلى ما توقف قبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023! 
ولذلك لم يكن عبثاً ما دار في الإعلام الإنكليزي والإيراني من أن الرياض لعبت دور وساطة اتصال بين واشنطن وطهران خلال أحداث غزة؛ فإيران منذ تقاربها مع السعودية لديها حرص على عدم تهميشها عن أي سيناريوهات مستقبلية متعلقة بالمنطقة.
 
ولذلك أيضاً نجد أنه وسط محاولات الاستثمار في أزمة غزة، تحدث مساعد الرئيس الأميركي براناي وادي، الذي يشغل منصب مدير شؤون الرقابة على الأسلحة في مجلس الأمن القومي، عن رغبة أميركية في استئناف المحادثات النووية مع إيران. الأمر الذي قابلته همهمات داخل إيران تطالب بالعودة إلى طاولة المحادثات في مسقط؛ لأن إيران يجب ألا تربط مصيرها ومصالحها بتعقيدات السياسة الإسرائيلية التي لا تريد الخروج من أزماتها، مثلما جاء على لسان الرئيس السابق للجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني حشمت فلاحت بيشه، في حواره مع صحيفة "آرمان ملي"، السبت 20 كانون الثاني، وأيضاً بلسان وزير الخارجية عبد اللهيان، خلال مشاركته في مؤتمر دافوس وخلال حواره مع الصحافي الأميركي فريد زكريا، حيث أكد أن الرسائل لم تنقطع بين واشنطن وطهران رغم أزمة غزة.
 
بل إن مساعد وزير الخارجية الإيراني وكبير المفاوضين علي باقري سافر إلى جنيف، والتقى هناك مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إنريكي مورا، وتناولت المحادثات بينهما رفع العقوبات، ما يعني أن إيران لديها رغبة جادة في استئناف محادثاتها النووية بهدف تخفيف وطأة العقوبات الغربية عن اقتصادها المكبل، ما دامت القوى الخارجية بدأت في بحث اليوم التالي لإنهاء الحرب في غزة، وإن استمرت إسرائيل في مغامراتها وطال بها الوقت!
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
لبنان 5/2/2026 7:19:00 PM
 انتشار عدد من الصور المسيئة إلى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في حملةٍ تتجاوز حدود التعبير عن الرأي