17-01-2024 | 04:25

تونس في امتحان التصنيف

عاد صندوق النقد الدولي مجدداً محوراً للجدل في تونس، بعدما أدرجها ضمن "قائمة سلبية" تضمّ بلداناً مثل فنزويلا واليمن وبلاروسيا وتشاد وهايتي وميانمار.
تونس في امتحان التصنيف
Smaller Bigger
 
عاد صندوق النقد الدولي مجدداً محوراً للجدل في تونس، بعدما أدرجها ضمن "قائمة سلبية" تضمّ بلداناً مثل فنزويلا واليمن وبلاروسيا وتشاد وهايتي وميانمار.

يعود هذا التصنيف أساساً إلى تعثر المفاوضات بين تونس و الصندوق بخصوص مشروع قرض بقيمة 1,9 مليار دولار، وذلك بعد تباين المواقف بين الحكومة التونسية والمؤسسة المالية العالمية حول الإجراءات التقشفية التي يدعو إليها الصندوق وترفضها تونس، خشية تداعياتها المحتملة على الوضع الاجتماعي.

وشغل بعض الخبراء لما قد تكون له من انعكاسات على قدرة تونس على الاقتراض من الخارج، وهي التي تحتاج هذا العام إلى موارد مالية بقيمة 9 مليارات دولار من بينها 5 مليارات دولار من الخارج.

خلال الأسبوع نفسه لفت الانتباه على الساحة التونسية، وبخاصة على منصّات التواصل الاجتماعي، إدراج تونس في تصنيف من نوع آخر، يتمثل في قائمة أفضل الوجهات السياحية العشر في العالم. صدرت هذه القائمة عن الدليل السياحي الفرنسي المعروف باسم "دليل روتار"، وهو مرجع معتمد في مجاله منذ أكثر من 50 عاماً. وصنّف الدليل الجنوب التونسي على أنّه الوجهة العالمية الخامسة للسياحة لهذا العام.

نزل هذا التصنيف برداً وسلاماً على كل المهتمين بقطاع السياحة في تونس، وأنعش آمالهم في أن تكون السنة الحالية سنة الانطلاقة الحقيقية لأنشطة الفنادق والأسفار وسائر الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بتوافد السياح من الخارج.

بشكل عام، أظهر وضع تونس على قائمة صندوق النقد الدولي السلبية أو في خانة الوجهات السياحية العالمية المفضّلة اهتمام التونسيين، بما قد يعنيه تصنيفهم من قبل أي أطراف خارجية، وإن اختلفت ردود فعلهم في الحالتين، فإحداها عمّقت الشعور بالأزمة وخفّفت الثانية من وطأتها.

نادراً ما تثير التصنيفات الإيجابية جدلاً. أما التصنيفات المثيرة للقلق، وبخاصة منها تلك الصادرة عن المؤسسات الاقتصادية العالمية ووكالات الترقيم السيادي، فذلك شأن آخر.

هناك في تونس من يقلّل من قيمة بعض التصنيفات السلبية ويشكّك في منهجيتها. وهناك بالعكس من يرى فيها مسألة مهمّة لا بدّ من أخذها في الاعتبار، إذ من شأنها أن تؤثر في قدرة البلاد على جذب المستثمرين والسياح وإقناع المؤسسات الأجنبية بإقراض تونس.

لا جدال في أنّ صدقية محاولات التصنيف الاقتصادي تبقى رهينة الدقّة والموضوعية التي ينتهجها أصحابها في استقاء المعلومات والمعطيات الأصلية التي تبني عليها نتائجها وفي المنهجيات التي تعتمدها في تحليلها لها.

ولكن، ومهما كان هامش الخطأ والتقدير في عمل هذه الأطراف، فإنّ التصنيف الاقتصادي يكتسي في كثير من الحالات قيمةً مرجعية على صعيد المعاملات الدولية. ولا يمكن نظرا الى ذلك التغافل عنه من قِبل أي دولة حريصة على الحفاظ على مصالحها في العالم.

ومن بين هذه الحالات عمليات التصنيف السيادي التي تتولاها وكالات التصنيف الائتماني مثل "فيتش وموديز وستاندرد آند بورز" وغيرها.

هذه الوكالات خفّضت ترقيم تونس أكثر من 10 مرات منذ 2011. وهذا ليس أمراً هيناً. ذلك أنّ الترقيم ينعكس على قيمة سندات الديون وكلفة الاقتراض ودرجة الثقة باستطاعة الدولة تسديد ديونها ومستوى المخاطر بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب.
 
هناك أيضاً تقرير "منتدى دافوس" حول التنافسية الاقتصادية الذي كانت الدولة التونسية في فترة ما من تاريخها تفتخر بترتيبها فيه. كانت تونس في 2010-2011 تحتل المرتبة 32 عالمياً من جملة 139 دولة، وتسبق في ذلك بلداناً مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال. ولكنها أصبحت سنة 2019 تحتل المرتبة 87 من جملة 140 دولة، وذلك نتيجة إهمال الحكومات المتعاقبة خلال عقد من الزمن بعد 2011، الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، في خضم انشغالها بـ "انتقال ديموقراطي" متعثر.

ليس هذا التصنيف الوحيد الذي تدهورت فيه مرتبة تونس خلال الأعوام الأخيرة في انعكاس للأزمة المالية والاقتصادية في تونس. وهذا لا يجب أن يكون عامل إحباط، بل دافع لإنجاز الأفضل في المستقبل، آخذاً في الاعتبار ما أمكن تحقيقه من مؤشرات أفضل في الماضي، ولو كان في سياقات مختلفة .

ومن المهمّ أيضاً الإشارة إلى أنّ معظم عمليات التصنيف الاقتصادي، وإن كانت تنبني على تقييم موضوعي للتوازنات المالية والاقتصادية في اي بلد، فهي تنطلق من ضوابط الاقتصاد الحر والقوانين التي تحكمه، والتي لا يمكن أن تتعارض في توجّهاتها الكبرى مع مواقف المؤسسات المالية العالمية. ويُخطئ من يتوقع منها عكس ذلك. بل هناك عمليات تصنيف تخضع لاعتبارات إيديولوجية أكثر تشدّداً.

و أحسن مثال على ذلك هو مؤشر "الحرّية الاقتصادية" الذي يضع تونس في المرتبة 132 من جملة 162 دولة، أولها سنغافورة وآخرها بورما (ميانمار).

هذا المؤشر من إنجاز مؤسسة "ذي هيرتدج فاونديشن" وهي مؤسسة بحوث محافظة تنبذ الخيارات الاشتراكية والاجتماعية في الاقتصاد وتحالف الدول مع غير المعسكر الغربي.

تعرّف المؤسسة مفهومها للحرّية الاقتصادية بالقول إنّه "في المجتمعات الحرّة تسمح الحكومات لليد العاملة ورأس المال والبضائع كي تمرّ بحرّية، وتمتنع هذه الحكومات عن تقييد الحرّية إلاّ لما هو ضروري لحماية تلك الحرّية".

من هذا المنطلق، ليس مفاجئاً أن يتدهور ترتيب تونس، بعدما أصبح العامل الاجتماعي عوضاً عن قوانين السوق، عاملاً محدداً للسياسات الاقتصادية للدولة.

ومن المهم الإشارة إلى أنّ التحيّز الإيديولوجي لا يمنع "ذي هيرتدج فاونديشن" من أن تكون من أكثر مراكز الضغط تأثيراً في واشنطن، وإن كان الجميع يعي مدى تشدّدها في الدفاع عن الطروحات اليمينية.

هناك بالتأكيد أطراف عديدة أخرى تبني تصنيفاتها على أسس سياسية وإيديولوجية. وذلك لا يجعل هذه التصنيفات دون فائدة، ولكن يجب أخذ هذا المعطى في الاعتبار لفهم الأرقام والمراتب التي يقدّمها التصنيف .

بشكل عام، تنبثق معظم عمليات التصنيف من مؤسسات غربية لم يكلّفها أحد بذلك، لكنها تتمتع بما يكفي من الإمكانات البشرية والمادية ومن الثقة بالنفس (وربما أيضاً من الغرور) حتى تسمح لنفسها بإسناد النقاط والرتب والأعداد لمختلف بلاد العالم، وكأنّ الجميع تلاميذ أمامها في قاعة الامتحان. تعجز أرقامها في كثير من الأحيان عن تقديم صورة أمينة عن واقع بعيد منها، قد يكون أكثر تعقيداً وتشعباً مما تتصور. ولكن ذلك لا يثنيها أبداً عن إصدار تصنيفاتها.

وهي تقوم بذلك في المجال الاقتصادي، ولكن أيضاً في مجالات شتى تشمل الحرّيات السياسية والتنمية البشرية وحتى تقدير مناخات السلم والسعادة والتفاؤل وغيرها، في مختلف بلدان العالم.

تتفاوت صدقية هذه التصنيفات، بل هي في بعض الحالات ظالمة. ولكنها تساهم في نهاية المطاف ومهما كانت الاعتبارات، في رسم الصورة الخارجية لأي بلاد ودولة وفي تحديد مكانتها بين الأمم.

ومن غير الواقعي التغافل عنها أو استنقاص تأثيرها. لكن محاولة تصحيح عمليات التصنيف تبدأ بالإنجاز في الداخل وليس بالتركيز على هنات المصنّفين.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية