15-01-2024 | 06:00

وهمّ البطولة و"متلازمة كاساندرا"

فيما لا تزال الحرب دائرة في غزة، بدأ جزء من أسرار يوم السابع من تشرين الأول يخرج إلى العلن، من خلال الميديا الإسرائيلية
وهمّ البطولة و"متلازمة كاساندرا"
Smaller Bigger

فيما لا تزال الحرب دائرة في غزة، بدأ جزء من أسرار يوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) يخرج إلى العلن، من خلال الميديا الإسرائيلية. ورغم أن السياق الزمني يبدو عنصر تشكيك في كل ما يصدر عن وسائل الإعلام الإسرائيلية، في ظل سيطرة الرقابة العسكرية على حرية تداول المعلومات، إلا أن ما بثته القناة الثانية عشر مؤخراً حول الفشل الاستخباراتي يبدو جديراً بالنقاش.

أحدث عناصر التحقيق في المعلومات المتوفرة لدى المخابرات الإسرائيلية لا تزال تثير الشكوك حول المستوى الأمني. بحسب تحقيق القناة، فخلال عيد الفصح 2023، كان الجيش الإسرائيلي جاهزاً وكل شيء كان يشير إلى أن حماس تستعد لتنفيذ هجوم كبير. ولذلك فهمت المقاومة الفلسطينية أن الجيش كان في حالة حرب، وتم إلغاء الهجوم أو تأجيله، وانتهى الأمر بالجيش إلى استنتاج أنه كان إنذارًا كاذبًا. وبعد أسابيع قليلة، قامت مساعدة من وحدة الاستخبارات العسكرية، بحسب معلومات كشفت عنها القناة 12، بإبلاغ ضابط كبير في القيادة الجنوبية ورئيس "الوحدة 8200" عن خطط لعمليات تسلل واسعة النطاق لعناصر من حماس. وتمكنت المجندة من جمع التفاصيل العملياتية للهجوم الذي تم تنفيذه في 7 تشرين الأول (أكتوبر). وأمام هذه المعلومة العاجلة، ألغى قائده المباشر إجازته وأحال هذه المعلومة إلى رئيس المخابرات العسكرية... لكن الجنرال أهارون هاليفا لم ينقل المعلومات إلى رئيس الأركان ورئيس المخابرات الداخلية.

 

 

قبل شهر من 7 تشرين الأول، عادت المساعدة، التي كانت مصدر هذه الاكتشافات، وحذرت من أن "حماس تتدرب"، مؤكدةً على أن هذه ليست مجرد مناورات تدريبية، بل هي عملية حقيقية جارية. وتكشف الجندية سيناريو "حماس" بالتفصيل، لكن رؤساءها يقولون لها إنه "هراء".

ربما يكون هذا الكشف الإعلامي ضمن خطة لإعادة الاعتبار للمخابرات الإسرائيلية، من خلال نفي فرضية العماء الاستخباراتي، وتحويل الأمر إلى تقصير بشري قامت به قيادة المخابرات، مع إظهار أن الجهاز نفسه قد قام بمهمته في جمع المعلومات وتحذير القيادة. تبقى هذه الفرضية قائمة بقوة في ظل حرب السرديات والروايات الجارية بموازاة القتال. أما الفرضية الثانية، فهي صدقية ما كشفته القناة الإسرائيلية؛ وهنا يحتاج النقاش استدعاء مفاهيم من علم النفس لتحليل "الخيبة" الإسرائيلية صباح السابع من تشرين الأول. في علم النفس تشير "متلازمة كاساندرا" إلى المواقف التي يتم فيها تجاهل التحذيرات أو المخاوف المشروعة أو تجاهلها.

تعتبر شخصية كاساندرا رمزية للغاية. وكان للانتقال اليوناني من الفكر الأسطوري إلى الفكر الفلسفي تأثيرات مختلفة على اتساع العالم الحديث بأكمله. وباعتبارها شخصية أسطورية، كانت كاساندرا واحدة من أميرات طروادة القديمة، وكانت تتمتع بالقدرة على التنبؤ بالمستقبل. فقد وقع الإله أبولو في حبها ومنحها هدية النبوءة. وعندما أنكرت كاساندرا الإله ونعمه، ألقى عليها لعنة، حتى لا يصدق أحد كلماتها أو تنبؤاتها. تنبأت كاساندرا بتدمير طروادة على يد اليونانيين، وعندما وجد الطرواديون الحصان الخشبي الكبير خارج أبواب مدينتهم، أخبرتهم أن اليونانيين سيدمرونهم إذا أحضروا الحصان إلى المدينة، وقالت قولتها الشهيرة "احذروا من حاملي الهدايا". لكن أحداً لم يصدقها أحد في طروادة، لتقع الكارثة.

 

في الحالة الإسرائيلية الراهنة، لا يهم من هو القائم بدور كاساندرا، ربما يكون جهاز المخابرات، وربما يكون ذلك مجرد إعادة ترميم لسمعة الجهاز، التي حطمها هجوم السابع من تشرين الأول. ولكن المهم هو من هم "الطرواديون" المخدوعون، هم بلا شك القيادة السياسية والعسكرية والاستخباراتية، وأصل الخديعة وأساسها هو الشعور الطاغي بالغطرسة. إن هذا الشعور المتخيل بالمنعة والتفوق الأبدي في مقابل الاستهانة بالخصم والاستعلاء، الذي عززته الهزائم العربية وخيبات العقود الثمانية الماضية، هو الذي جعل هذه القيادة تتجاهل تحذيرات أجهزتها، لو فرضنا جدلاً وجود مثل هذه التحذيرات حقاً. وقد بدا ذلك بوضوح خلال الساعات الأولى التي أعقبت الهجوم من خلال تصريحات قادة الحرب الإسرائيليين حول طبيعة الردّ، وكأن العملية البرية في غزة ستكون نزهةً أو سالكةً على نحو بسيط للسيطرة على القطاع. واليوم وقد تجاوزنا المئة يوم من الحرب، يبدو أنهم يدفعون ثمن هذه الاستهانة والشعور الزائف بالتفوق.

لكن خلف هذه الغطرسة، توجد متلازمة أخرى تهمين على البنية النفسية الإسرائيلية، على الأقل منذ حرب 1967، وهي متلازمة البطل الخارق، والتي تعزز شعوراً وهمياً بأن إسرائيل كبطل الأفلام الهوليودية لا يموت أبداً. ربما يقفز من عمارة عالية نحو الأرض، أو يُضرب بالرصاص، أو يغرق في قاع المحيط، لكنه لا يموت. ومع أن هوليوود نفسها، كفت منذ سنوات عن مثل هذه الحماقات الدعائية، فإن إسرائيل مازالت تبقي نظرتها تجاه خصومها العرب وكأننا في اليوم التالي لنكسة حزيران". هذه البطولة المتخيلة، تصيب إسرائيل بحالة من الذهان، الذي لا يمثل فقط ظاهرة نفسية لها ارتباطات وثيقة بالحياة الجماعية، بل إنه يشكل أيضًا خطابًا سياسيًا. فالأيديولوجية الإسرائيلية ستضع في جميع الأوقات تماسك نظامها الفكري فوق الاعتراف بالحقائق الموضوعية، وتسعى إلى تنفيذ هذا النظام بالكامل من خلال تأهيله كعملية تاريخية أو طبيعية، وبالتالي تتصرف مثل الشخص الذهاني الذي ينكر الواقع عن طريق استبداله بالإسقاط قبل كل شيء. وتظهر ثنائية الانفصال عن الواقع والإسقاط بشكل أكثر وضوحاً اليوم في الردود الإسرائيلية السياسية والقانونية على التهم الموجهة لها بالإبادة الجماعية في محكمة العدل الدولية.

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة