12-01-2024 | 05:10

​ إسرائيل خارج مقعد الضحيّة

لا خبرة لإسرائيل في هذه القاعة التي تبدو غريبة تماما، وسيكون من الصعب استرداد المقعد المفقود، مقعد الضحية، الذي منحها لعقود طويلة نوعا من الحصانة الخاصة وأفضلية في تجاوز القوانين.
​ 
إسرائيل خارج مقعد الضحيّة
Smaller Bigger
كل شيء يبدو كأنه يحدث للمرة الأولى في إسرائيل، الحرب غير المنتهية، الانتصار البعيد من اليدين وهلهلة قداسة الجيش، اهتزاز الثقة بـ"الدولة" وحصانة المؤسسة ونزاهة الحكم واستقلال القضاء، شكل الحرب والاستنزاف الطويل الذي لا يبدو أنه سينتهي قريباً، نوعية الأعداء الذين لا يشبهون العدو المتفق عليه في أدبيات رئاسة الأركان وخططها ومناهج التعليم، مكان المواجهة وحقل المعركة المتداخل مع الجبهة الداخلية...
والآن محكمة العدل الدولية والمرافعات المتماسكة للفريق القانوني لجنوب أفريقيا التي سحبت كرسي الضحية من تحت "الدولة" ودفعتها نحو قفص القاتل.
هذا أيضاً يحدث للمرة الأولى.
 
لا خبرة لإسرائيل في هذه القاعة التي تبدو غريبة تماماً، وسيكون من الصعب استرداد المقعد المفقود، مقعد الضحية، الذي منحها لعقود طويلة نوعاً من الحصانة الخاصة وأفضلية في تجاوز القوانين.
 
الأمر الآن أن دليل التعريفات التي أطلقت على "الدولة" والذي كان يوزع على العالم في خطب القادة الغربيين وسياسيي الحزبين في الولايات المتحدة مثل لازمة، لم يعد صالحاً للعمل، "الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" تخضع لتهمة العنصرية وتوصف وصفاً متداولاً بمنظومة أبارتهيد، "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" يحاكم بتهمة الإبادة الجماعية واستهداف الأطفال والمرافق الصحية والبيوت الآهلة والبنى التحتية وتنفيذ إعدامات ميدانية للمدنيين، "أصحاب معجزة تحويل الصحراء إلى جنة" يخضعون للمحاكمة بتهم التدمير والإبادة والحصار والتجويع... 
 
سيحاول الفريق الإسرائيلي اليوم، الجمعة 12 كانون الثاني (يناير)2024، في مرافعته أمام قضاة محكمة العدل التمسك بما حدث في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي، هذه هي الحافة الوحيدة التي يمكن أن يتعلق بها أمام أكثر من تسعين يوماً من القتل والإبادة، سيتحدث طويلاً عن ذلك اليوم وقد يقوم بتحديث "رواية الرؤوس المقطوعة للأطفال" وأحجية "اغتصاب اليهوديات" إلى آخر ما اتفق على أنه غير حقيقي ويشوبه الزيف ويفتقر إلى الأدلة، ولكنه سيساعد في تعويم تهمة الإبادة التي تلاحقه في شوارع العالم منذ شهور، سيتحدث عن "الإرهاب" واختطاف الرهائن، وستكون هناك صور كثيرة لمختطفين وقصص عن حالات فردية تثير الحزن، والصواريخ التي تطلقها "حماس"، وعن حق "الدفاع عن النفس" و"عدم دقة التقارير المقدمة من فريق جنوب أفريقيا"، وسيسعى إلى تفكيك "التهمة"، وقد يخصص فقرة للتذكير بالمحرقة ومأساة اليهود في ألمانيا النازية. سيسعى إلى شراء الوقت، سيكون هناك الكثير من الخطابية والإنشاء والمآسي الشخصية، ولكنه يعرف أنه فقد المقعد، مقعد الضحية، وأن عليه أن يفكر خارج الفقاعة، وأن الـ"المواد الحافظة" التي وفرت له العيش داخل الفقاعة وخارج المساءلة القانونية قد استنفدت صلاحيتها، وهو ما عليه أن يتعايش معه ويتكيف مع متطلباته الجديدة منذ الآن، حتى لو صوّت القضاة الثمانية، الأغلبية المطلوبة، تحت ضغوط الولايات المتحدة والغرب الاستعماري لتخفيف تهمة الإبادة.
 
لعل الخطأ، في نظر الكثير من السياسيين في إسرائيل، بدءاً بالقرار "المتسرع" لانضمام إسرائيل الناشئة الباحثة عن شرعية دولية عام النكبة "1948"، في ذلك الحين، إلى الموقعين على "اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية"، (انضمت إسرائيل إلى المعاهدة في 11 كانون الأول / 1948 وصادقت عليه في 9 آذار/ مارس 1950).
 
في ما بعد ستتصف سياسات إسرائيل بشأن العلاقة مع المؤسسات القانونية الدولية، بالغموض والتهرب، مثل عدم توقيعها على بروتوكول محكمة الجنايات أو اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، هذا الامتناع الذي منحها حرية العمل خارج الاتفاقات الدولية، وساعدها على التهرب من مطالب محكمة الجنايات، سمح لها ببناء قوة نووية ضاربة وتخزين عشرات الرؤوس النووية تحت أنف العالم من دون محاسبة، وهو ما دفع وزير التراث في حكومة نتنياهو، "عميحاي إلياهو"  ابن الحاخام الأكبر في صفد، إلى الدعوة لاستخدامه، السلاح النووي، للخلاص من غزة.  
 
جلسة محكمة العدل الدولية التي عقدت أمس الخميس، تبدو كأنها قادمة من زمن آخر، زمن قديم، وأن القضاة كانوا في طريقهم إلى القاعة منذ وقت طويل، وأنهم وصلوا إلى جلستهم متأخرين 75 سنة، هكذا يبدو الأمر.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية