10-01-2024 | 04:30

التونسي والبحث عن "سوبرمان"

لم تعد مشاهدة الأفلام في الصالات السينمائية تستهوي أغلبية التونسيين. فقد أغلقت معظم قاعات العرض أبوابها خلال العقود الماضية، بعدما شحّت مداخيلها لأسباب عدة،
التونسي والبحث عن "سوبرمان"
Smaller Bigger
لم تعد مشاهدة الأفلام في الصالات السينمائية تستهوي أغلبية التونسيين. فقد أغلقت معظم قاعات العرض أبوابها خلال العقود الماضية، بعدما شحّت مداخيلها لأسباب عدة، من بينها منافسة الثورة التكنولوجية لها، حيث أصبحت أحدث الأفلام تصل إلى الناس حتى غرف جلوسهم، في الوقت الذي تدنت فيه نوعية الأشرطة السينمائية الأجنبية المتوفرة في القاعات، وذلك بسبب عامل الكلفة.
 
من حين إلى آخر، هناك حالات نادرة تجذب التونسيين نحو صالات السينما مجدداً. إحداها، شريط كوميدي للمخرج التونسي الشاب قيس شقير بعنوان "سوبر تونسي" يلاقي نجاحاً في قاعات العرض منذ شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
 
أول ما يلفت النظر في هذا الشريط هو نجاحه تجارياً رغم أنّ كلفة إنتاجه كانت محدودة.
اعتمد المخرج وصفة بسيطة ولكنها ناجعة. وكما فعل في إنتاجات له سابقة، عوّل مخرج الشريط على باقة من الممثلين والممثلات الناجحين تلفزيونياً، من أمثال كمال التواتي، وكريم الغربي، وبسام الحمراوي، وسفيان الداهش، ونعيمة الجاني.
 
لم يطلب صاحب هذا الشريط الدعم من وزارة الثقافة (التي ما زال يقصدها الكثير من السينمائيين رغم شح مواردها). ولم يسع إلى الفوز بتمويلات سخية من قِبل أطراف أوروبية دأبت على تشجيع إنتاج الأفلام الدرامية ذات المحتوى النمطي الذي يستجيب لميول النخبة ولهواجس وتهيؤات الغرب. ولم تخامر المخرج منذ البداية فكرة ترشيح الشريط لنيل جوائز في المهرجانات. ما كان يهمّه هو نجاح الشريط في السوق المحلية، وإن كان تلقّى لاحقاً طلبات لتوزيع الفيلم في أوروبا.
 
اعتمد الشريط على سيناريو خيالي يسخر من التناقضات التي تطبع سلوكيات التونسيين وتصوراتهم عن أنفسهم. وهذا السيناريو لا يبتعد في مقوماته عن صيغة السوبرمان التي راجت عبر قصص الكرتون والأفلام الأميركية منذ بداية القرن الماضي: بطل يمتلك قوة خارقة تسمح له باعتراض الصواريخ النووية وإيقاف القطارات قبل أن تخرج عن مسارها.
 
ولكن البطل الخارق في صيغته التونسية، شخص تحتكر خدماته الحكومة أو توظفها لفائدتها في مقابل زهيد، من أجل استدرار الأتاوات من القوى العظمى. وتصبح تونس بفضله قوة مهيمنة في العالم يقصدها كبار القادة لتقديم شواهد الطاعة.
 
أقوى المشاهد الكاريكاتورية للشريط هي تلك التي تُظهر الأوروبيين وهم يمتطون قوارب الهجرة غير النظامية نحو تونس. وتلك التي تصوّر الفرنسيين وهم مصطفون في طوابير طويلة أمام قنصلية تونس في باريس سعياً للحصول على التأشيرة، وهم يشتكون من تضييقات السلطات التونسية عليهم في منحها للتأشيرات.
 
تحيل مشاهد الهجرة الأوروبية إلى فترة تعود إلى أكثر من قرن، كان فيها الإيطاليون يصلون إلى شمال تونس بصفة غير قانونية، بما يوحي أنّ محاولة التونسيين اليوم الوصول إلى أوروبا بكل السبل وما يرافق ذلك أحياناً من إذلال، ليس قدراً محتوماً.
 
ولكنها توجّه سهام النقد إلى المجتمع والسلطة على حدّ سواء. يضحك المشاهد عندما يسمع المواطنين التونسيين ضمن أحداث الشريط يحتجون على كثافة التدفق الأوروبي نحو بلادهم بشكل "يهدّد تركيبة البلاد السكانية"، في إشارة لتظلّم الكثير من التونسيين من تدفّق أفارقة جنوب الصحراء عبر حدود بلادهم.
 
لا يستطيع المتفرج إلاّ أن يقارن المشاهد الخيالية بواقعه الصعب، حيث يترقّب الطامحون للهجرة غير النظامية تحسن الأوضاع المناخية ومرور عاصفة التضييقات الأمنية المشدّدة، ليعودوا إلى البحث عن مكان على متن القوارب الخشبية والمعدنية حتى تنقلهم إلى لمبادوزوا .
 
وفي الوقت نفسه تواصل الآلاف المؤلفة من الكوادر والكفاءات إعداد ملفاتها في صمت، للاستقرار في الخارج، على أساس عقود عمل تتفاوت مدتها ولكنها تجسّد كلها الرغبة في بدء حياة جديدة في بيئة أخرى غير بيئتهم الحالية التي لم يعودوا يستطيعون تحمّل درجة إرهاقها النفسي والمادي لهم.
 
ويسعى كثير من التونسيين في هذا الإطار لإعداد أبنائهم وبناتهم للدراسة والإقامة في الخارج بإرسالهم إلى المدارس الأجنبية والمؤسسات التعليمية الخاصة، التي توفّر لهم تدريباً أفضل على اللغات والمناهج الأجنبية.
 
وحتى أسماء المواليد الجدد يبدو أنّها تطورت في اتجاه الأسماء الأيسر نطقاً بالنسبة للأجانب، أو توفر شروطاً أفضل للاندماج في المجتمعات الأجنبية. تقول الإحصائيات الرسمية إنّ الأسماء العشرة الأكثر تداولاً بالنسبة للإناث أصبحت تضمّ سنة 2022 أسماء إناث مثل مريم ولينا وأسيل وياسمين وألين، وأسماء ذكور مثل يوسف وآدم ويعقوب وزكريا وهارون.
 
لا يحتاج الشريط لتذكير المشاهد التونسي بذلك الواقع الذي يعرفه جيداً. كما أنّ بداية الفيلم التي توحي بأنّ تونس أصبحت دولة عظمى لا تطول كثيراً. فالأحداث تبدّد بسرعة كل الأوهام وتُظهر حدود الخيال السينمائي. إذ هي تُظهر أنّ تونس بقيت بلاداً متخلّفة في ظل سلطة تحجب عن شعبها ثمار الثروة التي تجنيها من الخارج، وذلك بسبب جشعها وسوء تصرفها والقيود البيروقراطية والأعباء الجبائية الموجعة التي تفرضها على مواطنيها.
 
كما ينتقد الشريط بقية المجتمع، حيث لم تتغيّر عقليات الناس في غياب ثقافة العمل واحترام قوانين السير أو قواعد الحفاظ على البيئة واستشراء العنف المجاني بين السكان.
 
يسخر الشريط أيضاً من تعلّق الناس بوهم الفارس المنقذ، إذ يظهر أنّ "السوبرمان التونسي" لا يغيّر من أحوال التونسيين شيئاً. وقوته الخارقة سرعان ما تتبخر ويصبح هو نفسه يصارع من أجل البقاء.
 
حتى الشخصيات الشريرة في الشريط تنطق بالحكمة. إحداها تحاول محو الذاكرة الجماعية للتونسيين لتخلّصهم من انجذابهم نحو الماضي وهوسهم بعظمة تاريخهم القديم، عوض التركيز على المستقبل.
 
لم تنه تونس إلى اليوم مرحلة الصراع على الهوية وتصفية الحسابات مع فترات الحكم السابقة. وتبدو إلى اليوم كمن يقود سيارته باستراق النظر إلى مرآتها الخلفية وليس النظر أمامه.
 
من ميزات الشريط أنّه لا يسقط في الوعظ المباشر والخطابات النخبوية، ويبقى ملمّحاً ساخراً حتى النهاية.
 
تاريخياً، يستمر شريط "سوبر تونسي" على نهج الفن الساخر الذي تجلّى في تونس، أيام بورقيبة وبن علي، بمسرحيات فاضل الجعايبي وتوفيق الجبالي ولمين النهدي الساخرة، والتي وفّرت للتونسيين سبلاً آمنة للضحك من أنفسهم وحكامهم وللتنفيس عن أزماتهم.
 
وسخرية الشعوب من أحوالها قد تكون بداية الطريق نحو التخلص من الأوهام وفضح واقع هو أحياناً أغرب من الخيال.
 
قد يكون الفنان، مهما كانت طرق تعبيره، أكثر توفيقاً من الساسة والإعلاميين في إبلاغ الجمهور الواسع، ومعه صاحب القرار، الرسائل التي يحتاج إلى سماعها اليوم.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية