09-01-2024 | 05:00

حزن الفلسطينيين العميق

انه الحزن العميق كما في رواية جان بول سارتر التي حملت العنوان نفسه. الحزن الذي لا يضاهيه حزن. لكنه حزن مجبول بصبر لا تحمله الا الجبال. جبال هؤلاء الفلسطينيين الصابرين صبراً يفوق صبر أيوب الذي فرج الله كربه وعذابه وكافأه على إيمانه واحتسابه.
حزن الفلسطينيين العميق
Smaller Bigger
إنه الحزن العميق. الحزن الذي لا يدانيه حزن. لكنه حزن مجبول بصبر لا تحمله إلا الجبال. جبال هؤلاء الفلسطينيين الصابرين صبراً يفوق صبر أيوب الذي فرّج الله كربه وعذابه وكافأه على إيمانه واحتسابه، فمن يكافئ هؤلاء المؤمنين المعذبين؟
 
وبقدر إيمانهم بعدالة قضيتهم وأحقية الصراع الذي يخوضونه بقدر ما هي السياسة والنكران قاسيان وظالمان. موجع حتى أعماق الروح مشهد الصحافي وائل الدحدوح وهو يودع ابنه الصحافي حمزة الذي قتلته آلة الحقد الإسرائيلية عن سابق عمد وتصميم مع معرفتها الأكيدة بوظيفته الصحافية وهو وزميله مصطفى ثريا وقبلهما العشرات، وما بعدهما الى ما لا نهاية. وليس المشهد إلا واحداً من مسلسل من المشاهد المتكررة على مدار اليوم في غزة وفي الضفة الغربية أيضاً.
 
ما زال الفلسطينيون يُذبحون بلا توقف منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وما زال العالم يتفرج عليهم وهم يُقتلون من دون أي خطوة حقيقية لوقف هذه الجريمة الوحشية المتمادية. إنه عار المجتمع الدولي برمّته، عار الدول وعار المنظمات الدولية وعار الفلاسفة والمفكرين وعار حقوق الإنسان. هو عارنا جميعاً. عار الإنسانية جمعاء. 
 
يكشف العدوان الهمجي على غزة كل يوم للعالم أجمع عن مدى الحقد الإسرائيلي وإجرام الطبقة الحاكمة في تل أبيب، لكنه يكشف أيضاً عن عجز هذا العالم وتواطئه. بات واضحاً أن المعسكر الغربي اتخذ قراراً بالتصفية النهائية للقضية الفلسطينية تمهيداً لفرض سلام الأمر الواقع على هذا الشعب وعلى العرب جميعاً. 
 
ليس دقيقاً القول إن إسرائيل ليس لديها مخطط لليوم التالي. هي تملك مخططاً واضحاً تتشاركه مع أميركا وغير أميركا. امس قال جو بايدن انه يعمل مع حكومة اسرائيل لوقف الهجمات على غزة تحت ضغط التظاهرات الشعبية الرافضة للمجزرة، لكن وزير خارجيته قال في اللحظة ذاتها انه سيطلب (سيطلب) من اسرائيل اللجوء الى عمليات مركزة لتقليل عدد الضحايا وليس لوقف القتل الممنهج. انه منتهى الرياء والمخادعة.
 
إذا ربطنا الوحشية الإسرائيلية بالمواقف الدولية والضعف العربي وغياب الموقف الحازم والسكوت العارم والوقائع الميدانية، فليس صعباً الاستنتاج أن الحرب مستمرة حتى تدمير غزة كلياً، وبعده تفرض إسرائيل تصورها لليوم التالي. وسيناريوات هذا اليوم تتراوح بين تهجير جديد للفلسطينيين، أو للعدد الأكبر منهم، وبين إعادة توزيعهم وحشرهم في بقعة أضيق من البقعة الحالية مع تشديد الإجراءات العقابية اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، دافعة إياهم إلى الفرار إلى أي مكان متاح في العالم.
 
لا يبدو العالم مستعجلاً على إنهاء الحرب رغم انها بدأت تحرج قوى كثيرة في العالم الذي سارع بعد 7 تشرين الاول (أكتوبر) الى ابداء تضامنه مع اسرائيل فيما يغمض عينيه عن مشاهد القتل والدمار، واذنيه عن سماع أصوات الألم المتصاعدة الى عنان السماء في غزة. الصورة بدأت تتظهر بوضوح، والفلسطينيون يواجهون نكبة جديدة في إعادة طبق الأصل لنكبة 1948. 
 
الحرب وحشية والغزاويون يقاتلون باللحم الحي. لقد أصبحوا عرايا في العراء، قتلى وجرحى ومرضى وجوعى، بردانين وخائفين وحزينين الحزن العميق، الحزن الذي صوره بشكل كثيف جان بول سارتر في الرواية التي حملت الاسم نفسه "الحزن العميق" .
 
إسرائيل تضرب عرض الحائط بالأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية وكل القيم الأخلاقية والإنسانية، مستغلة الموقف الأميركي الذي يقدم لها كل أنواع الدعم، فيما يتظاهر أنطوني بلينكن بالحزن على مقتل ابن الدحدوح من دون أن يدين القاتل.
 
حصل الفلسطينيون على دعم من المحور الذي تنتسب اليه "حماس". من اليمن إلى الجبهة اللبنانية، لكنه كان أقل من أن يوقف الحرب على غزة أو ينقل بعض وطأتها إلى مكان آخر، ما سمح لإسرائيل بتركيز جهد أكبر في الجنوب مكتفية بمشاغلة "حزب الله" في الشمال. الآن إسرائيل تستفرد بغزة وتمعن فيها قتلاً وتقطيعاً للأوصال، وإذا لم يقف العالم وقفة حقيقية لردع نتنياهو، أو لم يحصل تطور ميداني على جبهات أخرى، أو لم تشعر القوى المؤثرة بأن استمرار الحرب يعرّض مصالحها للخطر، فإن إسرائيل ستكمل جريمتها الموصوفة وتفرض رؤيتها لليوم التالي، واليوم التالي سيفرض يوماً تالياً عنوانه الأساسي هو استمرار الصراع الذي لن ينتهي ما دام هناك شعب فلسطيني مقتلع من أرضه التي يعيش مذلولاً في مخيمات على تخومها.
 
ستمر بعد أيام صعبة جداً على غزة وأهلها الذين أظهروا بأساً وصبراً كبيرين متمسكين بأن النصر هو صبر ساعة، وما زالت المواجهات والتطورات في غزة والإقليم تحمل مفاجآت، لعل بعضها، أو تغيراً في المواقف الدولية أو في الاستراتيجيات العربية، يوقف المجزرة.
 
يعرف حكام اسرائيل ونخبها الفكرية ومثقفوها ان وجودها ووجودهم فيها ليسا طبيعيين وانه متى انتهت الحاجة اليها لن تستطيع البقاء دولة حروب وآلة قتل الى الابد. وهذا موضوع متداول في الاوساط الفكرية والصحافية الاسرائيلية. لا نكبة 1948 ولا كل الحروب التالية أعطت اسرائيل سلاما، على العكس تماما، بعد كل الحرب كان يزداد العداء لها وتقوى شكيمة القوى المعادية لها، والتي تتوالد في عمق مأساة العيش والعذاب. المشكلة ان العقلية التي تدير اسرائيل هي عقلية من زمن سحيق مليء بكل حمولات التاريخ والايديولوجيا التي عفا عليها زمن العقل والانسانية.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية