حدثان اثنان طبعا الحياة الحزبية الجزائرية هذا الأسبوع، هما إعلان رئيس حزب جبهة المستقبل، عبد العزيز بلعيد يوم الخميس الماضي، عدم ترشحه لولاية جديدة على رأس الحزب، الذي ينتظر أن يعقد مؤتمره الثالث في 11 كانون الثاني (يناير) الجاري، وانعقاد اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني يوم الأحد الفائت في العاصمة الجزائرية تحت إشراف أمينه العام الجديد عبد الكريم بن مبارك، حيث تمّت المصادقة على كل من النظام الداخلي للحزب وعلى قوائم أعضاء لجانها الدائمة، وعلى الأعضاء الجدد للمكتب السياسي.
وفي هذا الصدد، يرى معلّقون سياسيون جزائريون، أنّ هذه التغييرات قد خطّط لها أعلى هرم السلطة، وأنّ عرَّابها هو شفيق مصباح، مستشار رئيس الجمهورية، المكلّف بالعلاقات مع الشباب والمجتمع المدني والأحزاب السياسية، ويعني هذا أنّها لم تنبع تلقائياً وذاتياً من هذين الحزبين المذكورين أو إحساساً منهما بضرورة إحداث التغييرات الراديكالية في هياكلها الادارية على الأقل.
وفي الواقع، فإنّ إعلان رئيس حزب جبهة المستقبل، عبد العزيز بلعيد، عن عدم ترشحه للأمانة العامة للحزب، يعني أنّه تخلّى أو أُجبر على التخلّي عن الزعامة، كما لا يُنتظر أن يترشح أيضاً لمنصب رئيس الجمهورية كما فعل في الاستحقاقات الرئاسية السابقة، علماً أنّه كان يدرك حينذاك أنّ وجود اسمه ضمن قوائم المرشحين للرئاسة كمرشح "أرنب" ، كما اعتاد الشارع الجزائري على تسمية المرشحين الأحرار الذين يُوظفون من طرف السلطات العليا للقيام بمثل هذه المهام، يعني عملياً مجرد إعطاء الشرعية للانتخابات ولمرشح الأجهزة التي تملك القرار السياسي الحقيقي وتقوم بتعيين الرؤساء تحديداً.
يرجح خبراء السياسات الحزبية الجزائرية، أنّ انسحاب هذا السياسي الجزائري من قيادة حزب "جبهة المستقبل" يدخل في إطار فرض آلية تجديد الوجوه القيادية في هياكل أحزاب الموالاة من جهة، والإيحاء من جهة أخرى أنّ هذا النوع من الأحزاب ملتزم بالتداول على المناصب القيادية.
وفي هذا السياق، ينبغي الاشارة إلى أنّ حزب جبهة المستقبل قد واجه في السنة الماضية وفي الآونة الأخيرة أيضاً أزمات داخلية عدة، وتتلخص في مطالبة عدد معتبر من قياديي هذا الحزب، في المحافظات وفي المكتب المركزي معاً، عبد العزيز بلعيد شخصياً، بالتنحّي عن زعامة الحزب وفتح أبوابه للطاقات الشابة، علماً أنّ بقاءه على رأس قيادة هذا الحزب في تقدير معارضيه، سيكرّس تقليد حكم الرجل الواحد وسيادة الرأي الأوحد.
وتؤكّد المعلومات المتوفرة، أنّ السلطات العليا هي التي تقف وراء تسويغ فكرة تداول الزعامة على رأس أحزاب الموالاة، شرط ألاّ يؤدي ذلك إلى تسرّب العناصر المعارضة للنظام إليها. وفي الواقع، فإنّ الدكتور عبد العزيز بلعيد المتخصّص في الطب وشؤون القضاء معاً، قد استُنفد سياسياً، حيث أنّه قد بقي على رأس "جبهة المستقبل" 12 سنة كاملة، وفضلاً عن ذلك فقد شغل مناصب عدة بتزكية من النظام الحاكم منها الأمين العام الوطني للشباب الجزائري، كما كان عضواً قيادياً في حزب جبهة التحرير الوطني قبل أن يغادره ليؤسس مع مجموعة من الموالين له حزب جبهة المستقبل في عام 2012، ومن ثم أصبح عضواً في المجلس الوطني الشعبي (البرلمان) لعهدين 1997-2002 ومن 2002 إلى 2007. وإلى جانب هذا السجل السياسي ضمن مؤسسات وأطر النظام الحاكم، فإنّ الدكتور عبد العزيز بلعيد هو حفيد العائلة المؤسسة للزوايا الدينية في محافظة بانتة.
إذا كان وضع حزب جبهة المستقبل هكذا، فإنّ حزب جبهة التحرير الوطني لا يختلف عنه من حيث الآلية الجديدة التي يريد استخدامها لاكتساب الشرعية في المشهد السياسي الجزائري راهناً، ألا وهي آلية استبدال الأمناء العامين للأحزاب بشخصيات أخرى من النمط نفسه والتوجّه والولاء.
ففي المؤتمر الأخير الذي عقده حزب جبهة التحرير الوطني في قصر المؤتمرات، عبد اللطيف رحال بضواحي العاصمة الجزائرية، تمّ استقدام الشباب من مختلف المحافظات وبلغ عددهم ما لا يقل عن أربعة آلاف مندوب تقريباً، وأسفرت أعماله عن لجنة مركزية أكثر من ثلاثة أرباعها من الشبان والشابات، ولكن يُلاحظ أنّ الأعضاء الجدد لهذه اللجنة لا يتمتعون بالخبرة السياسية وإدارة شؤون المواطنين على مستوى المؤسسات في المدن الداخلية والأرياف، ويعوزهم التكوين العقائدي الفكري المؤسس على أحدث نظريات العمل الحزبي الميداني المتطور فكرياً وإدراكاً لحقائق الواقع الجزائري ولمشكلات الدولة الجزائرية المعاصرة.
وفي هذا السياق، يلاحظ المرء أيضاً أنّ أعضاء المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني الذي تمّ تشكيله والإعلان عنه يوم 7 من الشهر الجاري، قد غلبت عليه صيغة التمثيل الجهوي المكرّسة في الحياة السياسية الجزائرية منذ سنين طويلة، وبذلك صار المكتب السياسي الجديد لهذا الحزب مكوناً من 13 عضواً تمّ توزيعهم على الشكل التالي: (الجنوب الكبير 3 أعضاء، الشرق 3 أعضاء، الغرب 3 أعضاء، والوسط 4 أعضاء).
أما اللجان التي شُكّلت خلال هذه المناسبة، فهي تقريباً إعادة تدوير للجان القائمة والمعروفة سابقاً، ويُنتظر أن تصطدم بعائقين اثنين، أحدهما يتمثل في نقص الموارد المالية التي يفترض أن تغطي النشاطات الثقافية والسياسية، والندوات التكوينية التي يفترض أن تُعقد دورياً على مستوى مناضلي الحزب في الجزائر العميقة، وعلى مستوى النخب السياسية والثقافية والفكرية التابعة للحزب. أما العائق الثاني، فيتلخّص في عدم استقطاب هذا الحزب الشخصيات الفكرية ذات الاختصاص في استراتيجيات بناء الوعي السياسي الحداثي وأركان الثقافة العصرية الجديدة، والخبراء في مختلف شؤون التنمية المادية والروحية.
وفي الواقع، فإنّ حزب جبهة التحرير الوطني لا يملك، مثلاً، مراكز للتفكير مركزياً وعبر محافظات الوطن، ولا يملك دور النشر، أو المجلات المتخصصة في الفكر السياسي والتنموي والتربوي، أو المنابر الاعلامية المتطورة المكتوبة والمرئية التي توكل إليها مهمّة استشعار المشكلات الكبرى التي يعاني منها الناس قبل انفجارها.
في هذا السياق، يُلاحظ أنّ سيطرة الرقابة على ما يُنشر في جريدة "الأحرار" اليومية لسان حال هذا الحزب، فضلاً عن تخلّفها ورداءتها شكلاً ومضموناً، تعدّ من العراقيل التي سوف يواجهها الأمين العام الجديد، عبد الكريم بن مبارك، الذي وعد الجزائريين في عدد من تصريحاته بإحداث نقلة نوعية في عمل حزب جبهة التحرير الوطني وفي الآليات المتبعة في مؤسساته ومنابره المركزية والقاعدية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض