قبل أن يطوي العام صفحته، تقدمت حكومة جنوب أفريقيا بطلب أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بسبب العدوان القائم منذ تسعين يوماً على غزة. وهو الإجراء الذي يثير قلق تل أبيب المتهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية. تقول وثيقة جنوب أفريقيا المؤلفة من 84 صفحة والتي تستحق دراسة أكثر عمقاً "إن أفعال إسرائيل في قطاع غزة هي إبادة جماعية بطبيعتها، لأنها تسعى إلى تدمير جزء من المجموعة العرقية والقومية الفلسطينية". وتسعى الوثيقة أيضاً إلى إثبات نية إسرائيل ارتكاب إبادة جماعية، وهي نقطة أساسية في إثبات وجود الإبادة الجماعية. على سبيل المثال، هناك إشارة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي قارن في 28 تشرين الأول الماضي (أكتوبر)، بين الفلسطينيين والعماليق، وهم شعب ذكر في التوراة يطلب الله من الإسرائيليين تدميره.
رغم الأفعال التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد شعب غزة قتلاً وتهجيراً، والتصريحات الواضحة ذات النزعة الإبادية الصادرة عن قادة الحرب في تل أبيب، إلا أن الجانب الإسرائيلي يبدو معتقداً بسهولة تفنيد تهمة الإبادة الجماعة، من خلال تأكيد فكرة "الحرب العادلة". أولاً عبر تقديم حجة الدفاع عن النّفس، كمبرر أساسي لهذا العدد الهائل من القتلى في صفوف المدنيين. رغم ذلك تبدو حظوظ الإسرائيليين في إقناع المحكمة بهذه الحجة ضعيفةً، لأن اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة الإبادة الجماعية التي دُمجت في القانون الإسرائيلي بقرار للكنيست عام 1950، في قرار تم تبنيه بالإجماع، في الأيام التي كانت تعتبر فيها هذه الاتفاقية رد فعل مضاداً مناسباً لإبادة الشعب اليهودي، تشير بوضوح إلى أنه " لا يمكن لأي هجوم مسلح ضد أراضي دولة ما، بغض النظر عن خطورته - حتى في حالة الهجوم الذي ينطوي على جرائم جماعية - أن يكون بمثابة مبرر أو دفاع عن عدم الامتثال لاتفاقية الوقاية والسيطرة.
لكن المعضلة القانونية الأكثر شدةً بالنسبة إلى إسرائيل، ليست في مدى تعامل المحكمة مع حجة الدفاع عن النفس أو مدى قبولها للدفاع الجنوب أفريقي حول خطورة الجرائم المرتكبة خلال الأعمال الحربية على الأرض، لأنها يمكن أن تنكر ذلك أو تهرب من مواجهته عبر نفي الأدلة. لكن في الكم الهائل من التحريض الذي مارسه قادتها السياسيون على إبادة الفلسطينيين، من خلال تصريحات موثقة وعلنية. فإلى جانب مقارنة نتنياهو بين الشعب الفلسطيني والعماليق، وتحول الصراع إلى انتقام توراتي، أعلن وزير الدفاع يوآف غالانت في بداية الحملة العسكرية قائلاً "إننا نفرض حصاراً كاملاً على مدينة غزة. لا كهرباء ولا طعام ولا ماء ولا وقود. كل شيء مغلق"؛ أما الرئيس إسحق هرتسوغ، فقال في محادثة مع مراسلين أجانب في 12 تشرين الأول إن إسرائيل تقاتل "أمة بأكملها مسؤولة عما حدث (في السابع من أكتوبر). وإن الحديث عن وجود مدنيين غير متورطين هناك هو كلام كاذب. سنقاتل حتى نكسر عمودهم الفقري".
أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فقال: "لكي نكون واضحين، عندما نقول إننا سندمر حماس، فإننا نعني أيضاً أولئك الذين احتفلوا والذين دعموا والذين وزعوا الحلوى. كلهم إرهابيون، وسيكونون جميعاً كذلك". أما وزير المال بتسلئيل سموتريش، فقد دعا علناً إلى إفراغ قطاع غزة من سكانه؛ فيما ذهب وزير التراث عميحاي إلياهو بعيداً عندما صرح لإحدى الإذاعات المحلية بأن "إسقاط القنبلة الذرية على غزة هو السبيل الممكن لمعالجة المشكلة." ومن بين أمور أخرى، أقرتها اتفاقية لمناهضة الإبادة الجماعية هي اعتبار "التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية"، عملاً من أعمال الإبادة الجماعية. لذلك سيكون لزاماً على إسرائيل الآن أن تقنع محكمة العدل الدولية في لاهاي والمجتمع الدولي بأنها بريئة مما يردده قادتها ويعلنونه في كل فرصة.
إن نظرية "الحرب العادلة"، والتي تشكل جزءاً أساسياً من تطبيع وجود إسرائيل ككيان منذ عام 1948، لم تعد قادرةً على تفسير الوحشية الإسرائيلية أمام العالم. لقد وفر مفهوم الحرب العادلة منذ فترة طويلة قواعد ومفردات لاستخدام القوة. في أصل التفكير في الحرب العادلة نجد القناعة بإمكان تحديد شرعية أهداف الحرب والوسائل المستخدمة، إذ ترتبط فكرة الحرب العادلة ارتباطاً وثيقاً بإمكان وجود أخلاقيات للعنف؛ فهي تفترض إمكان التمييز بين الاستخدامات المشروعة وغير المشروعة للقوة. وتطرح اعتبارين: من ناحية، في ظروف معينة، يمكن أن تكون الأسباب التي تؤدي إلى الحرب مشروعة، ما يعطي الحرب في بعض الأحيان مبرراً أخلاقياً (الحق في الحرب)؛ ومن ناحية أخرى، هناك طريقة عادلة لشن الحرب (قانون الحرب). فمنذ عام 1948، دأبت إسرائيل على خوض حروبها ضد العرب وفقاً لمنطق "الحرب العادلة"، ورغم الفظائع التي ارتكبت في فلسطين ومصر وسوريا ولبنان، حافظ جزء من العالم – لا سيما الغربي – على تعاطف ومساندة قوية لإسرائيل، باسم منطق الحرب العادلة. في العقود السابقة لم تكن الحروب تصل إلى الرأي العام موثقة بالقدر الكافي، فمن خلال غربال وسائل الإعلام السائدة، كانت إسرائيل تستفيد من غياب صورة المجازر عن الشاشات. لكن هذا المنطق أصبح هشاً، في زمن يشاهد فيه العالم المجزرة طازجةً على الهواء من خلال منصات التواصل الاجتماعي. وحتى حلفاؤها أصبحوا في حرج شديد من هذا الانكشاف والعراء الوحشي أمام أعين العالم.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض