08-01-2024 | 05:00

مبعوث أممي إلى أفغانستان.. مخاوف من عودة تنظيم "القاعدة"

​ إن حركة "طالبان"، منذ حصولها على حكم كابول، وهي تسعى لتحقيق نجاح على مستوى السياسي والاقتصادي، حتى أن البنك المركزي الأفغاني يسعى لاستعادة العمل مع البنك الدولي لاستئناف المشاريع غير المكتملة، وهذا لم يكن يتم لولا رغبة من القوى الغربية.
مبعوث أممي إلى أفغانستان.. مخاوف من عودة تنظيم "القاعدة"
Smaller Bigger
لا يزال التعامل مع الحكومة الموجودة في العاصمة الأفغانية كابول معضلةً دوليةً منذ استيلاء حركة "طالبان" على السلطة هناك، تزامناً مع الانسحاب الأميركي وانتهاء عملية "حارس الحرية" وبعثة الدعم الحازم التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في31 آب(أغسطس) 2021.
 
فما أن عادت تلك الحركة والمجتمع الدولي في حيرة من كيفية التعامل معها؛ فهي لم تأت إلى سدة الحكم عبر انتخابات أو من خلال مجلس تعددي يعبر عن تركيبة المجتمع الأفغاني المتنوعة. 
 
لكن أهمية موقع أفغانستان وسط دول آسيا الوسطى وكبوابة نحو قوةٍ مثل الصين تستدعي معالجة هذه العزلة المفروضة، بخاصة أن الجماعات المتطرفة بدأت تتنامى هناك، بما يهدد دول جوارها ويهدد حكومة كابول نفسها. 
 
محاولة دمج
إصرار حركة "طالبان" على نظامها السياسي، دفع قوى إقليمية مثل الصين وروسيا وإيران إلى العمل تحت مظلة مؤتمر دول جوار أفغانستان لدعم الحكومة الموجودة هناك، خشية التأثير الأمني في الداخل على دول الجوار، مع استمرارية مطالبتها بتشكيل حكومة تعددية تضمن الحل السياسي للأزمة الأفغانية.
 
أيضاً قام مجلس الأمن الدولي بمبادرة نحو أفغانستان، من أجل مراقبتها، بعدما تزايدت أزمات حقوق الإنسان هناك، بخاصة تجاه المرأة، فقد اعتمد المجلس قراراً يدعو إلى تعيين مبعوث خاص، إلى جانب عمل البعثة الأممية داخل أفغانستان، في 29 كانون الأول(ديسمبر) 2023، وهدفه من ذلك هو مراقبة حركة "طالبان" قانونياً والضغط عليها إلى أن تستجيب لتشكيل حكومة تعددية تضمن الاعتراف بالحكومة الموجودة في كابول.
 
والأهم هو أن المخاطر التي تتزايد داخل أفغانستان من تنامي الجماعات المتطرفة المسلحة وارتفاع مستوى زراعة المخدرات وتجارتها وتهريبها تستدعي التواصل المباشر مع سلطة الأمر الواقع هناك، وهذه ستكون مهمة المبعوث الأممي.
 
صحيح أن القرار الأممي جاء بعد تقرير تقييم مستقل صدر في تشرين الثاني(نوفمبر ) 2023، دعا إلى تعزيز التعامل مع أفغانستان، بخاصة في ما يتعلق بالقضايا الحقوقية، وكذلك بعد جهود إماراتية ويابانية، لكن الأمر بات يتعلق بمخاوف غربية من انغلاقها على دول جوارها، بخاصة روسيا والصين وإيران، فالأولوية الآن الاقتراب من أفغانستان بدلاً من الاكتفاء بمعاقبتها بالعقوبات بصورة تجعلها نقطة معتمة أمام القوى الغربية، بخاصة أن أفغانستان مشكلتها هيكلية ويصعب حلها في ظل تشدد الحركة الحاكمة وإصرارها على نظامها السياسي، ما يجعل القوى الغربية في حاجة لإيجاد حلٍ من أجل الاعتراف بالإمارة الإسلامية، وذلك في إطار منافستها مع القوى الشرقية. فيجب ألا تتحول أفغانستان إلى عقبة في مواجهة النفوذ الغربي نحو الشرق، ولا سيما أن القوى الدولية لطالما اعتادت العمل مع الأنظمة السياسية وفق مبدأ المصلحة من دون وضع أي اعتبار إن كانت ديكتاتورية أم ديموقراطية، المهم هو تعاونها، فأفغانستان تحولت حالياً إلى منجم معادن كبير لمصلحة الصين وروسيا، والقوى الغربية لديها أطماع في ذلك أيضاً.
 
بحثاً عن البقاء
عندما تعين الأمم المتحدة مبعوثاً خاصاً إلى دولة ما، فإن الأمر غالباً ما يرتبط بدولة لا يمكن الوثوق بمستقبلها، وهو أمرٌ يزعج حركة "طالبان"، لكنه يضع أيضاً التواصل مع القوى الغربية في أولوية حساباتها.
 
إن خطوة دولة كازاخستان البلد المشارك في إقليم آسيا الوسطى، برفع اسم حركة "طالبان" من قائمة التنظيمات الإرهابية، يبدو أنه جاء بتوجيه من روسيا التي عززت علاقتها مع عدو الأمس ("طالبان")، ما استدعى القوى الغربية أيضاً لإعادة تحديد هوية "طالبان" الجديدة، خاصة أنها نجحت بقدر ما في تسيير الأوضاع الاقتصادية داخل البلاد، كما أن خروجها من المعارضة جعل المواطن الأفغاني يشعر بقدر من الأمان في تنقلاته من مدينة لأخرى، بالإضافة إلى عودة لاجئي الداخل إلى مدنهم، على عكس ما عجزت عن فعله الحكومات السابقة.
 
إن حركة "طالبان"، منذ حصولها على حكم كابول، وهي تسعى لتحقيق نجاح على المستوى السياسي والاقتصادي، حتى أن البنك المركزي الأفغاني يسعى لاستعادة العمل مع البنك الدولي لاستئناف المشاريع غير المكتملة، وهذا لم يكن يتم لولا رغبة من القوى الغربية. 
 
وتمثل مساعي التواصل بين هذه الحركة وقوى الداخل رغبةً منها في النجاح والبقاء، فقد التقى المساعد الإداري برئاسة وزراء "طالبان" عبد السلام حنفي عدداً من تجار أفغانستان، الاثنين 1 كانون الثاني/يناير، وأكد لهم أن حكومة "طالبان" مصممة على إعادة بناء أفغانستان.
 
ويمكن النظر أيضاً إلى التصريحات التي أطلقها المعاون السياسي لرئاسة وزراء "طالبان"، مولوي عبد الكبير، خلال لقائه ممثلين ووجهاء من ولايات ننكرهار وبنجشير المعروفة بمقاومتها لحكم تلك الحركة، الأحد 31 كانون الأول(ديسمبر)، أن الحركة الدينية تريد إثبات عملها تحت شعار أفغانستان للجميع من دون تمييز.
 
وكذلك تشير تصريحات المتحدث باسم حكومة "طالبان" ذبيح الله مجاهد، رداً على تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود"، الثلثاء 2 كانون الثاني(يناير)، أن هذه الحركة حريصة على تحسين صورتها الخارجية، فقد رفض اتهام بلاده بأنها تمثل خطراً على الصحافيين، مؤكداً أنه لم يتعرض أي أحد منهم للخطر خلال العام الماضي.
 
وقد لعبت إيران الجارة الغربية دوراً في مساعدة حكومة "طالبان" على تحقيق تلك النجاحات، بخاصة أن هناك حالة توتر بين حكومة كابول وحكومة إسلام آباد، وتمثل طهران نافذة بديلة لتوفير احتياجات أفغانستان من السلع والبضائع ومرور حركة التجارة، ولذلك نجد الحكومة الإيرانية تمارس سياسة الصبر الاستراتيجي مع الأزمات المستمرة مع "طالبان"، وعلى رأسها حبسها حصة إيران من مياه نهر هيرمند.
 
مقاومة "طالبان"
سياسياً، تنشط في أفغانستان اليوم ثلاث مجموعات معارضة لحركة "طالبان"، الأولى جبهة الإنقاذ التي تتشكل من مجموعة عسكريين سابقين، والثانية جبهة المقاومة الوطنية بقيادة أحمد مسعود، والثالثة حلقة أنقرة بقيادة تجمع سياسيين سابقين أمثال محقق ورباني.
 
وقد رحب مجلس المقاومة الوطنية من أجل إنقاذ أفغانستان بقرار تعيين المبعوث الأممي، لأن ذلك يفتح الباب أمام إمكان التواصل مع "طالبان" للنقاش حول تشكيل حكومة شاملة لإعادة أفغانستان إلى المجتمع الدولي، لكن أيضاً لم يخف هذا المجلس المعارض مخاوفه من تجاهل وجوده في إدارة هذا التواصل.
 
كذلك، يمثل التواصل الأممي مع "طالبان"، بالنسبة إلى شخصية بارزة مثل الرئيس الأفغاني السابق، حامد كرزاي، فرصة لاستعادة دوره كرجل سياسي يمكن أن يلعب دوراً في مبادرات الحل للوفاق بين القوى السياسية، وهو ما جعله يرحب بهذا القرار، بخاصة أن استجابة "طالبان" للتعاون ستكون فرصة قوية لإيقاف أعمال المقاومة المسلحة ضد "طالبان"، وفرصة للتركيز على التصدي للجماعات المتطرفة.
 
ويبدو أن المقاومة المسلحة ضد "طالبان" أصابها اليأس من أن تحصل على الدعم الكافي من دول مثل إيران أو الصين أو روسيا، بخاصة أن هذه الدول ترفض تقديم أي دعم سياسي أو لوجستي ضد "طالبان"، خشيةً على مصالحها التي تهددها الاضطرابات الأمنية، وهذا ما يجعلها شريكة في أي حوار حول مستقبل أفغانستان.
 
مخاوف من عودة "القاعدة"
ليس ضرباً من الخيال الحديث عن احتمالية عودة تنظيم "القاعدة"، فالأحداث الدامية في غزة تمثل فرصة قوية لإحياء الجماعات الجهادية في أفغانستان، بخاصة تنظيم "القاعدة"، وهو ما جعل رواد السوشيال ميديا يعيدون إحياء خطابات أسامة بن لادن حول فلسطين، لا سيما كلمته بعنوان "رسالة إلى أميركا" (lettertoamerica#) التي انتشرت بقوة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وانتقد فيها "سياسات أميركا في الأراضي الفلسطينية"، مبرراً هجمات تنظيمه على الولايات المتحدة بدعمها لإسرائيل.
 
ولذلك يمكن الاستنتاج أن قبول الولايات المتحدة بخطة دمج "طالبان" في المجتمع الدولي، الهدف هو عزلها عن تنظيم "القاعدة"، بخاصة أن الدولة الأفغانية ما زالت تمثل ملاذاً لعناصر التنظيمات المتطرفة، بالإضافة إلى أن حكومة "طالبان" مليئة بالشخصيات التي عملت بطريقة وثيقة مع تنظيم "القاعدة"، ومنها تاج مير جواد الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس الاستخبارات الذي مهمة فرقته مراقبة الجماعات الأجنبية داخل أفغانستان، بالإضافة إلى شبكة حقاني التي تستفيد من ذلك التنظيم في تعزيز سلطتها على جماعات "طالبان" الأخرى.
 
إن إعادة نشر رسالة بن لادن بين الشباب الأميركي عبر وسائل التواصل، مؤشر إلى أن الولايات الأميركية ليست معصومة عن التعرض لأي أعمال متطرفة، لا سيما أن رسالة بن لادن بدت كأنها ترجمة لفشل السياسة الأميركية في العالم في ظل انحيازها الكامل إلى جانب إسرائيل، وهو ما جعل بعض الشباب الأميركي ينظرون إلى ابن لادن وكأنه كان يشخص الحالة الأميركية التي فشلت النخبة الحاكمة في فهمها آنذاك!
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
لبنان 5/2/2026 7:19:00 PM
 انتشار عدد من الصور المسيئة إلى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في حملةٍ تتجاوز حدود التعبير عن الرأي