03-01-2024 | 05:10

المفارقة التّونسية

طفت على السطح مجدداً إشكالية عزوف الناخبين التونسيين عن التوجه لمكاتب الاقتراع بعدما امتنع اكثر من 88 في المائة منهم من المشاركة في الانتخابات المحلية يوم 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
المفارقة التّونسية
Smaller Bigger
 
طفت على السطح مجدداً إشكالية عزوف الناخبين التونسيين عن التوجه لمكاتب الاقتراع بعدما امتنع أكثر من 88 في المئة منهم من المشاركة في الانتخابات المحلية يوم 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
 
وقالت هيئة تنظيم الانتخابات إنها لم تكن تستطيع إلا أن تصرح بما احتوته صناديق الاقتراع وما تضمنته سجلات المشاركة في التصويت. ولم يكن أحد ينتظر منها غير ذلك.
 
لكن مشاركة 11,8 بالمئة فقط من الناخبين في الاقتراع وضعت تحت المجهر ظاهرة العزوف الانتخابي التي سجلت هذه المرة رقماً قياسياً جديداً أثار الكثير من التساؤلات.
 
كانت هناك بكل تأكيد ظروف خاصة جعلت عملية الاقتراع الأخيرة غير جاذبة للناخبين. ومن بين هذه الظروف مميزات النظام الانتخابي الذي تم اعتماده.
 
وهذا النظام الذي كان يجرب لأول مرة، معقد إلى حد كبير. وهو يتضمن انتخاب 279 مجلساً محلياً و24 مجلساً جهوياً سوف يتم تركيزها بعد الدورة الثانية في شباط (فبراير) القادم ضمن تقسيم جديد للبلاد يضم خمسة أقاليم. والبعض من أعضاء المجالس الجهوية سوف يتم اختيارهم في ما بعد في إطار مجالس للأقاليم ليصبحوا أعضاء في المجلس الوطني للجهات والأقاليم (الغرفة الثانية للبرلمان).
 
إلى ذلك لم تتضح تماماً للناخب العادي ـ حتى بعد انتهاء عملية التصويت ـ صلاحيات المجالس الجديدة وعلاقاتها بالهيئات الإدارية القائمة مثل البلديات. كما أن النص القانوني الذي ينظم العلاقة بين الغرفتين التشريعيتين لم يصدر بعد.
 
وكانت أجواء الحملات الانتخابية عامة فاترة، وزاد في فتورها غياب التمويل العمومي للحملات وعدم مشاركة الأحزاب السياسية فيها، إذ إن التصويت كان على الأفراد وليس على الأحزاب، في نطاق تصور قيس سعيد للديموقراطية المباشرة.
 
لكن هذه الاعتبارات لا تفسر في حد ذاتها المستوى الضئيل للمشاركة في الاقتراع، خاصة أنه ليست هذه المرة الأولى التي يصوت فيها الناخبون بنسبة تقل عن 12 في المئة خلال السنوات الأخيرة.
 
البعض رأى في هذا العزوف مفارقة غريبة. أول هؤلاء كان الرئيس قيس سعيّد نفسه الذي قال إنه من باب المفارقات أن يحصل مثل هذا العزوف بين أفراد شعب استشهد الكثيرون من أبنائه أيام الاستعمار الفرنسي وهم يطالبون "ببرلمان تونسي". فسر سعيد هذه المفارقة بالأثر السلبي الذي تركته على الناخبين التجربة البرلمانية خلال السنوات التي تلت 2011.
 
أما أحد المحلّلين فقد رأى المفارقة في امتناع أغلبية الناخبين عن المشاركة في انتخابات دعا إليها وأعد تصوراتها قيس سعيد، فيما هذا الأخير ما زال يحظى بشعبية واسعة منذ انتخابه عام 2019 رئيساً للجمهورية (بنسبة تفوق 70 في المئة). فسر هذا المحلّل المفارقة بالقول إن التونسيين هجروا صناديق الاقتراع مفضلين الابتعاد من الشأن العام للدولة وتوكيل أمورهم للدولة.
 
صحيح أن الفوضى والصراعات المستمرة وأعمال العنف اللفظي والجسدي التي ميزت الحياة البرلمانية بعد انتخابات 2014 (إلى حين تم حل مجلس نواب الشعب سنة 2021 من قبل سعيد) قد ساهمت في ترذيل العمل التشريعي وجعلت التونسي ينفر من كل شيء يذكره بالبرلمانات.
 
ولكن جذور المشكلة أوسع وأعمق من ذلك.
السبب الرئيسي يعود لخيبة أمل التونسيين في الطبقة السياسية التي أطلقت الوعود بلا حساب بعد سقوط نظام بن علي سنة 2011 ولكنها لم تف بوعودها. بل إن أوضاع المواطن العادي زادت سوءاً عوض أن تتحسن.
 
وخاب أمل التونسيين في الحياة السياسية والمسارات الديموقراطية برمّتها. وبقي أملهم محصوراً في الشخص الذي يتولى رئاسة الدولة ويأملون أن يقود السفينة إلى بر الأمان. لذا صوتوا بكثافة في الانتخابات الرئاسية لسنتي 2014 و2019. ومن المتوقع أن يصوتوا كذلك بكثافة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2024.
 
وفي المقابل، تبخر تدريجياً اهتمام التونسيين بالانتخابات التشريعية. ومنذ 2011 (وانتخابات "المجلس التأسيسي" في ذلك العام) لم تعد صناديق الاقتراع تجتذبه. ويقول نبيل بالعم رئيس مؤسسة إمرود لاستطلاعات الرأي إن نيات التصويت في الانتخابات التشريعية تدحرجت بسرعة بداية من اقتراع سنة 2014. وكان المنعطف الحقيقي حسب رأيه في سنة 2015 بعد قرار حزب نداء تونس برئاسة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي انتهاج سياسة "التوافق" مع حركة النهضة الإسلامية رغم أن أنصاره كانوا يتوقعون منه عدم التحالف مع الإسلاميين. أحس الكثير من الناخبين بأنه تمت "خيانتهم" وفقدوا تبعاً لذلك ثقتهم في السياسة والأحزاب السياسية.
 
ورغم كل المؤشرات التي كانت تدل إلى اهتراء الثقة في الحياة السياسية والمسارات الانتخابية لم تتوقف النخب الحاكمة عن إثقال كاهل المواطنين بالدعوات المسترسلة للتوجه إلى مكاتب الاقتراع. ومنذ 2011 تمت دعوة المواطنين إلى ما لا يقل عن 13 عملية تصويت. ومن المفهوم أن ينتاب الناخبون بسرعة الإرهاق والملل.
 
إلى ذلك، تدل استطلاعات الرأي والأحاديث مع المواطنين العاديين أن شغل التونسي الشاغل خلال الفترة الأخيرة كان الحرب في غزة، أولاً، وتحسين حالته الاقتصادية، ثانياً.
 
عموماً، ما زالت النخب السياسية في تونس، حكماً ومعارضة، بحاجة إلى فهم أفضل لأولويات المواطن وانتظاراته من العملية السياسية. ولم يتخل التونسي عن الديموقراطية ولكنها لم تعد تعني بالنسبة إليه هوساً بصناديق الاقتراع، مثلما اعتقدت ذلك خطأً النخب السياسية في تونس بعد 2011، بتشجيع من منظري "الانتقال الديموقراطي" في الداخل والخارج.
 
ولم يكن يجدي نفعاً تضخم عدد الأحزاب السياسية التي فاق عددها المئتين. وقد تهمش دور معظم هذه الأحزاب. وزاد الطين بلة بعد 2021 الاعتماد على نظام انتخابي مبني على الاقتراع للأفراد وليس للأحزاب السياسية.
 
تحتاج النخب السياسية مستقبلاً إلى إقناع الناخب التونسي بأن المشاركة في عمليات الانتخاب والاستفتاء سوف تغير شيئاً ما في حياته.
 
وهذا الناخب، رغم تعلقه الدائم بحقوقه وحرياته السياسية، فهو لن يتصالح مع السياسة وأهلها قبل أن يرى أن من ينتخبهم يتقدمون بالبلاد على طريق الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تنقذه من أزماته.
 
ولكن المفارقة التونسية الأخرى هي أن كل ذلك لن يتحقق إلا بعد أن يقتنع الناخب التونسي بجدوى العودة يوماً ما إلى مكاتب الاقتراع كي يختار المرشحين الأكفياء والنزهاء الذين باستطاعتهم إدارة شؤونه عبر مختلف المؤسسات التي تمثله.
 
إذا لم يحصل ذلك ستبقى الحياة السياسية تدور في حلقة مفرغة لا يعرف أحد من سيكسرها الأول: الناخبون أم المترشحون للمناصب السياسية.
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية