تودّع تونس بعد أيام قليلة سنة 2023.
لكن من غير المحتمل أن يودّع التونسيون تماماً كل الظواهر والتوجهات التي رافقت هذا العام، وأثرت في مجرى حياتهم وفي تطور الأوضاع في البلاد.
لن يتغير الكثير من أحوال المناخ الذي جعل تونس من أكثر البلدان تعرضاً للجفاف ووضعها في خانة البلدان التي تعاني الفقر المائي. ورغم الأمطار التي هطلت هذا الشهر بعد انحباس طالت مدته، لم يتجاوز مستوى مخزون المياه الـ25 في المئة من طاقة السدود.
ومن غير المحتمل أن يقل اهتمام التونسيين الدائم بالنشرة الجوية ضمن متابعتهم للأخبار اليومية. وليس هناك شك في أن الأوضاع الاقتصادية تذكّر، كل من هو في حاجة إلى تذكير، بالانعكاسات الناجمة عن قلة نزول الأمطار على الزراعة وعلى بقية التوازنات الاقتصادية للبلاد.
ومن المنتظر أن ينخفض الإنتاج الزراعي هذا الموسم نتيجة الجفاف بنسبة تقارب 10 في المئة، بما يشمل معظم المنتجات الفلاحية، بما فيها القمح وزيت الزيتون والتمر والحمضيات، وينعكس ذلك على صادرات البلاد ومداخيلها من العملة الصعبة، وحتى على سياستها الخارجية، إذ هي تنفتح اليوم أكثر من قبل على روسيا، أحد أكبر مصدّري الحبوب في العالم.
تحتاج تونس خلال سنة 2024 إلى التسريع في تنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى التأقلم مع التغيرات المناخية على صعيد مواجهة الشح في المياه، بمحاولة توفير موارد بديلة كتحلية مياه البحر، والتعويل على مصادر الطاقة "النظيفة"، بخاصة أن الرأي العام التونسي يطالب الدولة بإبداء اهتمام أكبر بما يعنيه التغير المناخي. وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه "البارومتر العربي" أن أكثر من 60 في المئة من التونسيين يرون أن مستوى عناية السلطات بالموضوع غير كاف.
وإن كان تطور المداخيل السياحية والتحويلات من العملة الصعبة من طرف التونسيين المقيمين في المهجر قد ساهم في التخفيف من وطأة الضغوط على الموازنة التي أحدثها تقلص الإنتاج الزراعي، فإن نسبة نمو الناتج القومي الخام لهذا العام كانت متدنية. وقد أعلن البنك المركزي التونسي أنه يتوقع نسبة نمو لا تتجاوز 0,9 في المئة خلال هذه السنة مقابل 2,4 في المئة سنة 2022. ومن المنتظر أن تسجل السنة القادمة نسبة نمو اقتصادي لا تتجاوز 2,1 في المئة.
تعبّر هذه الأرقام عن لب المشكلة الاقتصادية التي تواجهها تونس منذ 2011، إذ تراجعت نسبة النمو منذ ذلك التاريخ إلى مستويات تقل بكثير عن معدل 4 إلى 5 في المئة الذي كانت تحققه البلاد خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي. وتحتاج تونس إلى تحقيق نسب نمو تتجاوز 5 في المئة حتى تخلق مواطن الشغل التي تحتاجها لدرء البطالة ولضمان موارد مالية تسمح لها بالاستثمار في مشاريع الإعمار والتنمية.
لم تقطع الدولة نهائياً خلال سنة 2023 مع صندوق النقد الدولي، وإن كانت لم تقبل بالمجازفة بتطبيق الإصلاحات المؤلمة التي تطالب بها هذه المؤسسة الدولية مقابل منح تونس قرضاً بقيمة 1,9 مليار دولار.
ولكن الدولة ستحتاج إلى قروض خارجية بقيمة تفوق 5 مليارات دولار السنة القادمة، وذلك بالإضافة إلى اقتراضها من البنوك المحلية. ومواصلة التداين — بالنسق الحالي — من الداخل والخارج لن توفر الحل الكفيل بمواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة.
الحل الحقيقي يكمن في استعادة ثقة المستثمر المحلي والأجنبي وفي نشر ثقافة العمل والإنتاج وخلق الثروة.
بغير ذلك ستبقى نسب النمو محدودة جداً، وسيبقى المستوى المعيشي للمواطنين أقل بكثير من الطموحات.
ورغم تذمّرهم فقد أظهر التونسيون خلال سنة 2023 استعداداً "للتطبيع" مع الطوابير في الأسواق للحصول على المواد الغذائية الأساسية المفقودة نتيجة اضطراب مسالك التوزيع.
ومن المتوقع أن تتواصل هذه الظاهرة، إذ ليس للمواطن العادي من خيار غير التعايش مع اضطراب التزود بالمواد الأساسية ومع إجراءات التقشف في الإنفاق التي تحتمها الأزمة المالية.
سيتواصل هذا الوضع الصعب سنة 2024 في الوقت الذي تنتهج فيه الحكومة سياسات اقتصادية حذرة، بدافع التوجس من احتمال حدوث هزات اجتماعية في حال التوجه بسرعة نحو إلغاء الدعم عن أسعار المواد الغذائية، أو تقليص الأجور والوظائف في الدوائر الحكومية.
وبانتهاء سنة 2023 لن يتخلى التونسيون عن الهجرة كهدف يراود مخيلة الكثيرين، وليس هناك ما يوحي بأن نزيف الكفاءات سيتوقف.
واعتباراً لتواصل الضغط في هذا الاتجاه، ليس غريباً أن تعلن هيئة رسمية مختصة في "التعاون الفني" مع البلدان الأجنبية في نهاية هذا العام أنها ساعدت مئات من الأطباء والكوادر المختصة في المجال الصحي على مغادرة تونس من أجل العمل في دول أخرى، في الوقت الذي ينشغل فيه الرأي العام بالتبعات المترتبة على هجرة المئات من الأطباء والمهندسين وغيرهم من الكفاءات العليا من البلاد بمبادراتهم الذاتية.
وليس هناك ما يوحي كذلك بأن محاولات الهجرة غير النظامية ستتوقف. وخلال 2023 اختلطت صفوف التونسيين بصفوف أفارقة جنوب الصحراء على متن قوارب الهجرة غير النظامية في المتوسط انطلاقاً من تونس. وقد بلغ عدد المهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا إلى شواطئ إيطاليا هذه السنة نحو سبعين ألفاً. وإن انخفضت نسبة التونسيين من بين هؤلاء المهاجرين من 41 إلى 22 في المئة خلال العامين الأخيرين —بحسب الأرقام الرسمية التونسية — فإن ذلك يعود إلى ارتفاع أعداد أفارقة جنوب الصحراء الذين يعبرون الحدود التونسية بصفة غير شرعية هرباً من الأزمات التي تهز العديد من البلدان الأفريقية في سعيهم للوصول إلى أوروبا.
وفي الأثناء من غير المحتمل أن تهدأ التخوفات الأوروبية من تدفق الهجرة غير النظامية نحو شواطئ القارة. وتقابل هذه التخوفات الأوروبية مشاعر متناقضة لدى التونسيين تجمع بين الرغبة في الهجرة والتوجس من نزيف كفاءات البلاد. وهذه المخاوف والهواجس على ضفتي المتوسط ستزيد من تعقيد العلاقات التونسية الأوروبية، حتى وإن كانت السلطات التونسية قد بذلت في نهاية السنة الحالية جهداً استثنائياً لمكافحة الهجرة غير الشرعية. فقد منع حرس السواحل وبقية الأجهزة الأمنية حتى نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) قرابة 70 ألف مهاجر من عبور السواحل التونسية بصفة غير قانونية نحو إيطاليا. ومن المرجّح، ولو استمر ذلك الجهد، أن يواصل الاتحاد الأوروبي ضغطه على تونس في اتجاه تطبيق الإجراءات الجديدة التي اتخذها من أجل فرض مزيد التضييقات على دخول المهاجرين غير الشرعيين إلى أراضيه وتجسيم خططه الرامية إلى تكثيف عمليات ترحيل الأجانب "غير المرغوب فيهم" نحو بلدانهم الأصلية.
تنتقل كل هذه التحديات من سنة إلى أخرى، من دون أن تتغير كثيراً قواعد اللعبة ومحدداتها، ومن بينها عزوف التونسيين عن الشأن العام.
وقد أظهرت انتخابات مجلس نواب الشعب وبعدها انتخابات المجلس الوطني للجهات والأقاليم (وهو الغرفة الثانية للبرلمان) الأحد الماضي استمرار الظاهرة.
وستمتحن السنة القادمة هذه الظاهرة، ولكن الرهان سيكون أكبر سنة 2024، خاصة أنها ستشهد انتخابات رئاسية جديدة.
ومن الصعب حالياً التنبؤ بالظروف التي ستكتنف تلك الانتخابات ونسبة مشاركة الناخبين فيها. ولكن من الأكيد أن المصاعب التي ستواجهها تونس سنة 2024 لن تكون أقل من تلك التي واجهتها سنة 2023، حتى إن كان للبلاد من مؤهلات ما يسمح لها على الأقل نظرياً بتجاوز كل العقبات.
ولن يكون العزوف عن الشأن العام وعن السياسة — مهما كانت أسبابه— عاملاً يمكن أن يساعد تونس على رفع مختلف التحديات التي لا تزال تعترض سعي تونس للخروج من دائرة الأزمات.
نبض