26-12-2023 | 05:00

المجتمع المدني الجزائري بين توظيف السلطة وغياب الاستقلال المادي

لمناسبة افتتاح أشغال المنتدى الوطني للمجتمع المدني الجزائري في قصر الأمم، بضواحي العاصمة الجزائرية يوم السبت الماضي، دعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، من خلال الكلمة التي قرأها نيابة عنه الوزير الأول نذير العرباوي، جميع التشكيلات المكوّنة لهذا المجتمع إلى "المزيد من الانخراط في المساعي الرامية إلى جعل المجتمع المدني قوة اقتراح فعلية وفاعلة
المجتمع المدني الجزائري بين توظيف السلطة وغياب الاستقلال المادي
Smaller Bigger
 
لمناسبة افتتاح أشغال المنتدى الوطني للمجتمع المدني الجزائري في قصر الأمم، بضواحي العاصمة الجزائرية يوم السبت الماضي، دعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، من خلال الكلمة التي قرأها نيابة عنه الوزير الأول نذير العرباوي، جميع التشكيلات المكوّنة لهذا المجتمع إلى "المزيد من الانخراط في المساعي الرامية إلى جعل المجتمع المدني قوة اقتراح فعلية وفاعلة، مع التمسّك بالخيار التشاركي والالتزام بالعمل جنباً إلى جنب مع السلطات العمومية وفقاً لمقتضيات الدستور". ثم أضاف، أنّ "النشاط المتواصل والمكثّف للمرصد الوطني للمجتمع المدني ومختلف الفعاليات والندوات المنظمة عبر مختلف ولايات الوطن وصولاً إلى هذا المنتدى اليوم، يمثل حقاً تجسيداً لرؤيتنا الاستراتيجية الهادفة، وللمرة الأولى في تاريخ الجزائر، إلى تكريس المجتمع المدني باعتباره شريكاً فاعلاً، قادراً على تحمّل المسؤولية مشاركاً في المشروع النهضوي الذي التزمنا به من أجل تعزيز النسيج المؤسساتي لتقييم النشاط العمومي خدمة للمواطن". 
 
في هذا السياق، حدَّد الرئيس تبون وظيفة المجتمع المدني في دوره "الحيوي في المساهمة في نشر وتعزيز قيم المواطنة وتعزيز العمل التطوعي للصالح العام في جميع المجالات، تحقيقاً لأهداف التنمية الوطنية"، وأنّه "الحليف الأول لتحقيق استقامة الدولة، وهو رديف الحكومة ويتكامل معها، بما يعزز الجهود الوطنية الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة الشاملة في كل أبعادها".
 
يبدو من هذه العبارات المقتبسة من الكلمة التي وجّهها الرئيس تبون إلى المشاركين في أشغال المنتدى الوطني للمجتمع المدني الجزائري، أنّ هذا التعريف الذي حدّده لهذا النمط من المجتمع، قد لا يلتقي مع التعريفات الكثيرة التي أعطاها له أعلام الفكر الحديث، الذين يرون أنّ المجتمع المدني ليس رديفاً للحكومة من جهة، كما أنّ دوره ليس وظيفياً حسب مشيئة السلطة، وإنما هو نقدي بالدرجة الأولى لأداء الحكومة وأجهزة الدولة الرسمية من جهة أخرى.
 
 من بين التعريفات الأكثر رواجاً للمجتمع المدني، هذا التعريف الذي حدّده أحد المفكرين المعاصرين، والذي يعتبر المجتمع المدني "مجموع الهيئات التي تدعى عادة بالخاصة، أي مجموع النشاطات الاجتماعية، والمؤسسات التي ليست جزءاً مباشراً من الحكومة،  ومن السلطة القضائية، أو من الأجهزة القمعية، كما أنّ التنظيمات النقابية والجمعيات التطوعية الأخرى، وكذلك الأحزاب السياسية، هي كلها جزء من المجتمع المدني عندما تكون ليست جزءاً من الحكومة". أما من حيث الوظيفة غير المحدّدة من قِبل السلطة، فإنّ المجتمع المدني هو "المجال الذي ينظّم فيه الفريق الاجتماعي المسيطر الوافقة  والهيمنة، على عكس المجتمع السياسي الذي يحكم بالإكراه والسيطرة المباشرة. إنّه أيضا المجال الذي يمكن للفئات الاجتماعية المسيطر عليها، تنظيم معارضتها فيه وحيث يمكن بناء هيمنة بديلة". 
 
على هذا الأساس يفترض أن تكون جميع الأحزاب الجزائرية المعارضة والروابط الثقافية والاجتماعية والعلمية والمهنية الخاصة وغير الحكومية جزءاً من المجتمع المدني الجزائري. أما أحزاب الموالاة المشاركة في الحكم أو المدعمة له ولأجهزته، وكذا مختلف الهيئات والجمعيات التابعة للحكومة ومؤسساتها، فهي جزء من النظام الحاكم وليست من المجتمع المدني في شيء. 
 
ففي النموذج الجزائري طوال فترة حكم الحزب الواحد  الذي كان يدعى أحياناً بواجهة النظام الحاكم، والذي هو حزب جبهة التحرير الوطني، فإنّ كل الهيئات النقابية والمنظمات الجماهيرية والتنظيمات والجمعيات الثقافية والمهنية التي تمّ تأسيسها حينذاك على أساس تبعيتها التنظيمية والأيديولوجية والمالية، لذلك الحزب، فقد كانت بلا أدنى شك جزءاً عضوياً من ترسانة النظام الحاكم وليس المجتمع المدني.
 
 أما في مرحلة التعددية الحزبية، أي قبل وبعد هزّة العشرية الدموية العنيفة بقليل، فقد اختلف الوضع جزئياً، ولو من حيث الشكل فقط، حيث انتقلت الجزائر من طور الحزب الواحد إلى طور التنويع الحزبي، ولا أقول التعددية السياسية، علماً أنّ النظام الحاكم هو الذي كان يمنح وقتئذ رخص إنشاء الأحزاب ويقرّر مصيرها، كما كان يتدخّل في نشاطاتها إذا حاد هذا الحزب أو ذاك الحزب الآخر عن الخط العام للسلطة،  حيث كثيراً ما أُلغي وجود هذا الحزب أو ذاك جراء اختلاف المواقف أو تضارب التوجّهات السياسية، أما النقابات والجمعيات والروابط المختلفة، فقد بقيت تراوح بين التبعية للسلطات من حيث وجودها القانوني والمالي، وبين الحرّية النسبية في ممارسة بعض النشاطات التي لا تنطوي على نقد جذري لشؤون المجتمع السياسي الذي تمثله أجهزة السلطة الحاكمة.
 
من الملاحظ أيضاً، هو أنّ التناقض الحاد والخطير قد برز إلى السطح في مرحلة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، بين إتحاد الطلاب الجزائريين الذي يعدّ قوة انتخابية حقيقية، والذي كان من المفترض أنّه جزء من المجتمع المدني، وبين المعارضة الجزائرية التي هي أيضاً جزء من المجتمع المدني. ولقد حصل هذا التناقض جراء اختراق أجهزة الحكم لاتحاد الطلاب الجزائريين وتحويله إلى جزء من ترسانة السلطة وإلى حصان طروادة، خلال مختلف الانتخابات التي كانت تجري تحت مظلة ووفق مصالح نظام الرئيس بوتفليقة.
 
وفي الواقع، فإنّ تنظيم اتحاد الطلاب الجزائريين الذي لم يكن بسيطاً من حيث تركيبته البشرية الهائلة، والتي كانت تقدّر بمليون و 700 ألف طالب وطالبة، قد زجّ به في اللعبة السياسية التي مارستها السلطات في ذلك الوقت، ولقد تكلّلت باستقطاب شرائح طلاب المعاهد التكنولوجية ومعاهد التكوين المهني، فضلاً عن طلاب الثانويات البالغين والمؤهلين لممارسة حق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية، مع العلم أنّ تعداد جميع هؤلاء قد  قُدّر بأكثر من مليوني نسمة، ويعني هذا أنّ النظام الجزائري كان يعمل حينذاك على احتكار الوعاء الانتخابي داخل أروقة ما كان ينعت اعتباطياً بالمجتمع المدني الطلابي، وعلى مستوى النقابات والهيئات والتنظيمات والجمعيات المختلفة.
 
في ضوء ما تقدّم، فإنّ المراقبين السياسيين الجزائريين يطرحون حالياً هذا السؤال: هل سيشهد  المجتمع المدني الجزائري تكرار نفس سيناريو مرحلة بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية القادمة، أم أنّ الرئيس عبد المجيد تبون سوف يُدخل التعديلات لتصويب مفهوم المجتمع المدني أولاً، ثم يطلق سراحه ثانياً ليكون مكوناً مدنياً بعيداً من توظيفه لأغراض انتخابية ولأهواء التلميع السياسي للنظام الجزائري الحاكم؟ 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة