25-12-2023 | 01:39

التشكيك في الجنوب العالمي

قبل أسابيع كتب عالم السياسة الفرنسي برونو ترتريس، ورقة تحت عنوان "فخّ الجنوب العالمي" يجادل فيها بأن هذا الجنوب مجرد وهمّ، أو في أحسن الأحوال حيلة صينية للهيمنة، معتقداً أنه مثلما تمكن ماو تسي تونغ من الاستيلاء على السلطة في بكين من خلال تجاوز المدن التي كانت معادية له والاعتماد على الريف، فإن شي جين بينغ يعتزم الاعتماد على "الجنوب العالمي" لهزيمة الشمال المعادي له وترسيخ نفسه كقوة أساسية في العالم.
التشكيك في الجنوب العالمي
Smaller Bigger
من أوكرانيا إلى غزة، تزداد خريطة الجنوب العالمي تأكيداً في مواجهة الغرب التقليدي. أو على نحو مقلوب وأكثر شمولاً، الغرب في مواجهة بقية العالم. رغم ما يتعرض له مفهوم "الجنوب العالمي" إلى تشكيك وأحياناً ازدراء في الأوساط الأكاديمية والسياسية الغربية، إلا أنه يتأكد يوماً بعد يوم كمفهوم قادر على تصنيف المواقف الدولية المنقسمة تجاه قضايا مختلفة ضمن رؤية واحدة، وقادر على تفسير طبيعة هذا الانقسام، وله القدرة أيضاً على اختزال مسار تاريخي طويل من التباين بين غرب العالم وجنوبه، لا بالمعنى الجغرافي ولكن بالمعنى الفكري للاتجاهات.
 
هذا التشكيك الذي يصل إلى حد الازدراء، يؤكد طبيعة الانقسام، إذ يحاول الغرب – بوصفه المهيمن والوصي الفكري على العالم – احتكار إنتاج المفاهيم وسلطة منح الشرعية للتصنيفات. شأنه شأن أي تسمية أو مفهوم، فإن "الجنوب العالمي" ليس مفهوماً كاملاً، ولكنه ذو نسبية. ومع ذلك، فهو يستفيد من الأدبيات الأكاديمية الغنية التي تقدم تصنيفاً دقيقاً للدول التي تمت إنزالها تاريخياً إلى هوامش النظام العالمي من قبل القوى المؤثرة التقليدية. واليوم، أصبحت التسمية الأكثر تنوعاً وحيادية المتاحة لتعيين هذه الدول غير المتجانسة، وهي تسمية تسعى أيضاً إلى تعزيز دور دول الجنوب العالمي في الحوكمة العالمية وتغيير التصور القائل بأن الجهات الفاعلة المهيمنة التقليدية لها طريقها من خلال تعزيز دورها: لا مركزية الشؤون الدولية في علاقتها بالغرب. وعلى وجه الخصوص، فإنه يساعد على فهم كيف تؤدي التفاوتات العالمية وديناميكيات القوة، فضلاً عن السياسات الدولية المسيئة التي تنتهجها الدول القوية، إلى تأجيج الأزمات الداخلية في بلدان الجنوب.
 
علاوة على ذلك، ومن خلال الإقليمية والعولمة، غالباً ما تؤثر هذه الأزمات على مصالح القوى العظمى وأمنها القومي وازدهارها البشري والاقتصادي. والأهم من ذلك أن مفهوم الجنوب العالمي يسلط الضوء على نفاق الغرب الذي طال أمده ويقدم للجهات الفاعلة السياسية الجنوبية الفرصة لإضفاء الشرعية على خبراتها وتجاربها، فيما تحمل القوى الغربية المسؤولية عن أفعالها وعن سياستها القائمة على المعايير المزدوجة.
 
وكان رفض العديد من المراقبين السياسيين الغربيين لهذا المصطلح كمفهوم حاداً، خاصة في الأشهر الأخيرة، مصحوباً بتشخيص خاطئ للجهود الجنوبية، مثل مبادرة دول البريكس لتعزيز القضايا المشتركة المتعلقة بالحوكمة العالمية. لذلك فإن الإشكالية ليست في "الجنوب العالمي" كمفهوم في حد ذاته، بل هذا الموقف الاختزالي والمتعالي تجاه المليارات من البشر الذين يعيشون هناك. فهذا الجنوب – كما تسميه عالمة الأنثروبولوجيا سينا تيري كلوس – ينهض بمهمة "تخريبية" للوضع السائد الذي تحرص القوى التقليدية للهيمنة على استدامته.
 
قبل أسابيع كتب عالم السياسة الفرنسي برونو ترتريس، ورقة تحت عنوان "فخّ الجنوب العالمي" يجادل فيها بأن هذا الجنوب مجرد وهم، أو في أحسن الأحوال حيلة صينية للهيمنة، معتقداً أنه مثلما تمكن ماو تسي تونغ من الاستيلاء على السلطة في بكين من خلال تجاوز المدن التي كانت معادية له والاعتماد على الريف، فإن شي جين بينغ يعتزم الاعتماد على "الجنوب العالمي" لهزيمة الشمال المعادي له وترسيخ نفسه كقوة أساسية في العالم. وليس هنا تبدو الإشكالية، ربما يكون ذلك صحيحاً، ولكن المثير حقاً هو ما يسوقه من حجج لإثبات وجود هذا "الفخّ"، إذ يعدد التهم التي توجهها دول الجنوب تجاه النظام الدولي القائم على الهيمنة الغربية ثم يقوم بالرد عنها، لا بنفيها أو تفسيرها، بل بالقول إن دول الجنوب تقوم بالشيء نفسه من دون أن يكون واعياً بأن طريقة الحجاج هذه تصب في مصلحة معسكر الجنوب، أين كانت الشعوب على مدى عقود تضع نصب عينها النموذج الغربي الليبرالي كنموذج للتحرير والرفاه، لا من حيث إنه يمثل الرفاه المادي فقط، بل روح الحرية الفردية، لتكتشف فجأة ازدواجية المعايير.
 
ينسى برونو ترتريس، وكثيرون من الباحثين الغربيين، أن الناس في دول الجنوب واعية بشدة بما تعانيه من استبداد وتراجع مستوى الرفاه والتنمية وازدواجية معايير النظم الحاكمة، وليست في حاجة لحجج غربية من هذا النوع لكي تثبت لها واقعها الذي تحياه. فالفرد في دول الجنوب الذي طالما حلم بأن يعيش مثل الفرد في الغرب، يجد نفسه اليوم أمام استحالة وجودية مكتشفاً أنه لا يستطيع ذلك، لا بسبب واقعه المحلي، ولكن لأنه لم يولد غربياً. ذلك أن فوارق القيمة بين بشر وبشر وحياة وأخرى، التي تظهر اليوم في الخطاب الغربي السائد، في فلسطين وأوكرانيا وغيرها من بقاع العالم، تؤكد أن القيم الكونية لحقوق الإنسان التي شكلت طويلاً الأساس الأخلاقي للهيمنة الغربية وحتى الإمبريالية التوسعية، ليست كونية من حيث الشمول العرقي والجغرافي، ولكن كونية لأنها غربية بالأساس، أين يتم اختزال هذا الكون في الغرب؟
 
تنبع فكرة التشكيك في الجنوب العالمي أولاً من رعب فقدان الهيمنة على العالم. أكثر من أي وقت مضى يبدو الغرب أمام إمكان فقدان سيطرته على عالم يقوده منذ ثلاثة قرون، بالقوة واللين والحرب والسلام. وأيضاً تأتي من وهم مفاده نهائية مفهوم "الغرب" ووحدته في مقابل ضبابية مفهوم "الجنوب العالمي". والحقيقة أن المجتمع الغربي الموحد والمتجانس القائم على مبادئ وقيم مشتركة هو مجرد أسطورة، واليوم، أصبحت أقل بريقاً في ظل الانقسامات القومية وصعود اليمين المتطرف.
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة