في عام 2018، قامت الدنيا ولم تقعد حينما نشر مسعود أوزيل وإلكاي غاندوغان، وهما لاعبان دوليان ألمانيان من أصول تركية، صورة لهما مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كما أهداه غاندوغان قميصاً كتب عليه: "إلى رئيس بلادي، مع كامل احترامي".
وأعترف بأني كنت ممّن أقام الدنيا ولم يقعدها، وممّن تفهّم موجة الغضب ضدّ اللاعبين. فكيف لمن وُلدا في ألمانيا، وترعرعا فيها، ويتحدثان لغتها، ويحملان جنسيتها، ويمثّلان منتخبها، وينفخان صدريهما ليغنيا نشيدها الوطني "ألمانيا، ألمانيا فوق الجميع"، أن يصفا رئيس دولة أخرى برئيسهما؟
بدت رسالة الألمان واضحة وقوية للثنائي المهاري: الولاء للوطن لا يتجزّأ، ولا يتقسّم، ولا يفسح مجالاً للمجاملات والتنازلات والتبعية... إلاّ إذا كان الأمر يتعلق بإسرائيل، بطبيعة الحال.
فقد أعلنت ولاية ساكسوني آنهالت الألمانية مؤخّراً عن فرضها إجراءً جديداً على الأجانب الراغبين في التقدّم للحصول على الجنسية الألمانية: إعلان الولاء لإسرائيل باعتبار وجودها وأمنها "مصلحة وطنية لألمانيا"، على الرغم من أنّ 3 آلاف كيلومتر تفصل بينهما!
نعم، مثلما وقّع غاندوغان على قميص يصف خلاله أردوغان برئيسه، فتكبّد في سبيل ذلك الانتقادات والتشنيع والتشكيك المبرّر في وطنيته، سيتعيّن على المتقدّم للجنسية الألمانية أن يوقّع خطياً على إعلان بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وإدانته لأي مساعٍ موجّهة ضدّها.
الولاء للأوطان يتجزأ إذاً، لدى هؤلاء المعتادين على الكيل بمكيالين، طالما تُمنح أجزاؤه الأخرى إلى إسرائيل. والولاء يتقسّم، بالمناصفة - أو أكثر قليلاً حتى - مع إسرائيل. والولاء يفسح - في حالتها - مجالاً للمجاملات والتنازلات والتبعية.
عموماً، من يريد أن يرى إحدى النتائج النهائية المدمّرة لهذا الولاء المطاطي المرن للأوطان الذي يمارسه الغرب المنافق، فليدع "فريندز" جانباً، وليتابع المسلسل الكوميدي الماتع لمناظرات مرشحي الحزب الجمهوري الأميركي للرئاسة.
اقترح المرشح فيفيك راماسوامي إنهاء الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل بحلول سنة 2028، معارضاً أيضاً خطة جو بايدن لدعم الحليفة بـ14.3 مليار دولار، ليُكافأ بصافرات الاستهجان الحادة من جمهور المناظرة. حاول راماسوامي استمالة دافعي الضرائب الذين ستخرج الأموال أصلاً من محفظاتهم الهزيلة، فوصف موقفه بأنّه "مؤيّد لأميركا"، أي وطنهم المفترض، منوّهاً بأنّ "إسرائيل ليست الولاية رقم 51". إلاّ أنّ صافرات الاستهجان استمرت.
حذّرهم من أنّ السياسيين الأميركيين الفاسدين أهدروا التريليونات، وحقّقوا شخصياً مليارات الدولارات، من صناعة الحروب، ولكن لم تخفت صافرات استهجانهم. ذكّرهم هاتفاً، "هؤلاء من أرسلوا آلاف الشبّان من أبنائكم وبناتكم للموت"، فتواصل الامتعاض ضدّه.
حتى حينما استشهد يائساً بفلسفة ديفيد بن غوريون حول ضرورة استقلال إسرائيل، وعدم اعتمادها على تعاطف الآخرين، لم يقنعهم حديثه، ورشقوه بالمزيد من صافرات الاستهجان.
إنّهم مواطنون يريدون، بل يصرّون، على أن تصبح ثرواتهم ومصالحهم وأمنهم وحرّياتهم وأنفسهم وأبناؤهم وقوداً لحروب إسرائيل، ويستهجنون مجرد الاقتراح بوضع أميركا - الوطن الذي يأويهم ويحميهم - أولاً. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض