21-12-2023 | 05:35

الطّوائف في رعاية جيل من النّفعيين في العراق

لقد حسم الشريك الشيعي الأمور كلها لمصلحته بعد أن حول شركاءه في النظام إلى مجموعة من الأجراء الذي يقبضون ثمن تخليهم عن حقوق (المكون الطائفي) الذي يمثلونه في أوقات محددة.
الطّوائف في رعاية جيل من النّفعيين في العراق
Smaller Bigger
مهدت سلطة الاحتلال الأميركي لنظام الحكم الطائفي في العراق بتشكيل مجلس الحكم (تموز - يوليو 2003) الذي اعتبرته صورة مصغرة عن عراق المستقبل الذي كانت تنوي إقامته على أنقاض العراق التاريخي، وكانت حريصة على أن يكون "الحزب الإسلامي العراقي"، وهو الواجهة العراقية لـ"جماعة الإخوان المسلمين"، ممثلاً بزعيمه محسن عبد الحميد، حاضراً في توليفة ذلك المجلس. ورغم أن عبد الحميد هو من أصول كردية (ولد في كركوك عام 1937)، غير أن اختياره تم على أساس عقائدي. وهو ما أفرد لأعضاء قياديين في الحزب المذكور مكاناً بارزاً في الحكومات التي تم تأليفها بعد 2005. وإذا كان الحزب الإسلامي قد تمت تزكيته من سلطة الاحتلال باعتباره الشريك السني في الحكم، فإن علاقته بالشريك الشيعي الذي سُلمت له مقاليد الحكم من خلال السلطة التنفيذية لم تكن حسنة. بل إنها اتسمت بقدر كبير من التوتر الذي غالباً ما أدى إلى تدهور تلك العلاقة، وصولاً إلى اعتقال عدد من القادة "السنّة" والحكم غيابياً على عدد آخر بتهم تتصدرها تهمة الإرهاب، كما هي حال طارق الهاشمي أحد زعماء الحزب، وقد شغل منصب نائب رئيس الجمهورية بدءاً من عام 2006. ففي 2012 قدمت الحكومة العراقية التي كان نوري المالكي يتزعمها مذكرة اعتقال للأنتربول في حق الهاشمي الذي كان قد هرب إلى تركيا بعدما شعر أن ثمة خطة مبيتة لعزله واعتقاله. ولأن الرجل كان جزءاً من النظام الطائفي، فقد أدرك أن القرارات التي يصدرها القضاء لا بد من أن تكون مسيسة، وهو ما دفعه إلى الفرار. 

في مرحلة "نحن وهُم" 
في المرحلة التي تلت هروب الهاشمي، شهدت المحافظات ذات الأغلبية السنية، شمال العراق (العربي) وغربه بحسب التصنيف الأميركي، أحداثاً خطيرة يمكن اختصارها بالاعتصامات التي غصت بها ساحات تلك المحافظات للمطالبة بالحقوق المدنية، ومن ثم ظهور تنظيم "داعش" واحتلاله الموصل ومدن غرب العراق عام 2014، والذي استمر ثلاث سنوات لتنتهي بتحرير المناطق المحتلة عام 2017 التي لم تعد تُسمى من قبل الحشد الشعبي على الأقل المحافظات ذات الأغلبية السنية بل المحافظات المحررة.
 
أما لماذا لم يكن المزاج الشيعي مرتاحاً إلى وجود الحزب الإسلامي شريكاً في الحكم، فيمكن إعادته إلى السبب نفسه الذي اختار الأميركيون الحزب لتلك المهمة: النزعة الطائفية. لقد خُيّل إلى الأميركيين أن حزبين طائفيين هما حزب الدعوة الشيعي والحزب الإسلامي السني يمكن أن ينسجما في إدارة دولة، قررا أن تبقى درجات فشلها عند حدود معقولة. لم تكن لديهم فكرة عن الصراعات العقائدية الطائفية. وكانوا هم المسؤولين عن ذلك حين وقع اختيارهم على نوري المالكي لإدارة الدولة وهو أشد زعماء الشيعة طائفية. "نحن وهُم" كانت هذه هي لازمة خطاب المالكي المعلن. "نحن أبناء الحسين وهم أبناء يزيد" وهو يعني بـ"هم" أتباع المذهب السني في العراق. في مواجهة ذلك الخطاب المتشدد في طائفيته، كان لا بد من أن يشعر جزء مهم من سكان العراق بالخطر بعدما وضع المالكي خطابه موضع التنفيذ من خلال آليات العزل والتهميش والإقصاء. كان ثمة شعور لدى أبناء ذلك الجزء بأنهم صاروا مواطنين من الدرجة الثانية. 

انتهى جيل العقائديّين
ورغم أن هزيمة القوات العراقية في الموصل وقعت مسؤوليتها على المالكي بحسب تقرير لجنة مجلس النواب، وهو ما أدى إلى استبعاده من الحكم المباشر، غير أن تداعياتها في المناطق (المحررة) هزمت العقائديين السنة ومهدت لظهور جيل جديد فهم السياسة على أساس نفعي. كان معظم أفراد ذلك الجيل لم يصل إلى سن البلوغ يوم وقع الاحتلال الأميركي. وهو ما شكل عنصر اطمئنان للطرف الشيعي الذي لا يزال يدير العملية السياسية برؤاه الطائفية. وباختفاء المالكي من الحكم المباشر، فإن مسألة الثأر من أعداء الحسين أزيلت من الخريطة السياسية. صار الجميع يركز على تبادل المنافع.
 
ذلك الواقع هو الذي جعل الطرق سالكة أمام شخص ليس له تاريخ سياسي مثل محمد الحلبوسي للوصول إلى رئاسة مجلس النواب. وهو أيضاً ما جعل طرده من ذلك المنصب أمراً مقبولاً بالنسبة إلى الشريك السني الذي لم يعد يرى في إيران عدواً ينبغي تجنبه مثلما كان يحدث أيام الحزب الإسلامي. لم يعد سياسيو السنّة عقائديين. الجزء الأكبر منهم صار يعلن ولاءه لإيران أو أنه لا يقف ضد الهيمنة الإيرانية على العراق. أما السؤال عن القاعدة الشعبية ولا يزال هناك نحو مليون نازح من المدن التي اعتبرها الحشد الشعبي من ممتلكاته، فلن يجرؤ أحد من سياسيي (السنّة) اليوم على التصدي له. سيُترك أولئك النازحون في خيامهم كما أن آلاف المعتقلين ينتظرون قانون العفو العام الذي نسيه النواب في أدراجهم.     

شركاء لكن أجراء
تلك الخلفية هي التي شجعت تحالف الإطار التنسيقي الحاكم على  الإسراع في إجراء انتخابات مجالس المحافظات "البلدية"، رغم أن كل استبيانات الرأي العام كانت قد أكدت أن الجزء الأكبر من الشعب عزم على مقاطعتها، لا استجابة لدعوات مقتدى الصدر، بل بتأثير من شعور عميق بأن تلك المجالس ستعود إلى سابق عهدها في إدارة عمليات الفساد من خلال الاستيلاء على حصص المحافظات من الموازنة العامة، إضافة إلى أنها ستكون غطاءً لإحكام سيطرة الحشد الشعبي على واردات الدولة التي لم يتم تقاسمها رسمياً في بغداد. غير أن التحول الذي طرأ على مزاج الناخبين في المحافظات ذات الأغلبية السنية حين تقبلوا أن تذهب أصواتهم لمصلحة مرشحين شيعة يمكن اعتباره مؤشراً خطيراً إلى أن دولة الحشد الشعبي ليست في حاجة إلى أن تُعلن عن نفسها.
 
لقد حسم الشريك الشيعي الأمور كلها لمصلحته بعدما حول شركاءه في النظام إلى مجموعة من الأجراء الذي يقبضون ثمن تخليهم عن حقوق "المكون الطائفي" الذي يمثلونه في أوقات محددة.  

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.